كأيّة دولتين في العالم، تمر العلاقات بينهما بمراحل مختلفة عبر التاريخ، وغالبًا ما تلعب المصالح الدور الأهم في تذبذب هذه العلاقات، العلاقة بين المملكة العربية السعودية والعراق مثالًا لهذه العلاقة المتذبذبة، ساسة بوست تعرض لأهم المراحل التي مرت بها العلاقات بين البلدين منذ تحوَّل العراق من مملكة إلى جمهورية إثر ثورة 14يوليو ( تموز) عام 1958 والعصور الذهبية والجليدية التي مرت بين البلدين.

لم تكن العلاقات بين المملكة العربية السعودية والمملكة العراقية في أحسن أحوالها، ولعلّ التنافس بين العائلة الهاشمية التي كانت تحكم العراق والشام وبين عائلة آل سعود تعدَّ أحد أهم أسباب ضعف العلاقة بين البلدين في النصف الأول من القرن العشرين نظرًا للتنافس المحتدم بينهما وخوف عائلة آل سعود من عودة الحكم الهاشمي للجزيرة العربية.

علاقة البلدين ما بين ثورة 1958 وثورة 1963

تعد ثورة 14 يوليو 1958 التي قادها الضابط «عبد الكريم قاسم» ضد العائلة الملكية العراقية  نقطة تحوُّل في تاريخ العراق الحديث، فقد قتل خلال هذه الثورة أو الانقلاب جميع أفراد العائلة المالكة العراقية بطريقة بشعة راح ضحيتها زُهاء 50 فردًا من العائلة وعلى رأسهم الملك فيصل الثاني.

لم يكن اعتراف المملكة العربية السعودية بقيام الجمهورية في العراق مباشرًا وتأخّر إلى الأسبوع الثاني للثورة بعد أن استدعى وزير خارجية الثورة العراقية الدكتور عبد الجبار الجومرد سفراء الدول العربية ودعاهم للاعتراف بقيام الجمهورية.

Embed from Getty Images
أتباع الصدر في مظاهرة سابقًا ضد إعدام نمر النمر في السعودية

يقول الدكتور إبراهيم العلاف الأستاذ في قسم التاريخ بجامعة الموصل: إنّ العلاقات بين العراق والسعودية تراوحت بين الإيجاب والسلب مع أن السعودية اعترفت بقيام الجمهورية في العراق، لكن الشيوعيين في العراق كثيرًا ما أساءوا للعلاقات بين البلدين بسبب مهاجمتهم السعودية واتهامها بأنها قد جعلت من منطقة الظهران قاعدة للولايات المتحدة الأمريكية.

بعد ذلك، تولّدت قناعة راسخة لدى المؤيدين للإطاحة بالرئيس العراقي عبد الكريم قاسم بضرورة إزاحته عن السلطة؛ نتيجة سياسة العراق التي عزلته حينها عن محيطه الإقليمي العربي؛ بسبب عدم إيمان القيادة العراقية حينها بالوحدة العربية، ووقوفه ضد الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة بعد زيارة وفد من التنظيمات الشعبية للجمهورية العربية المتحدة برئاسة أعضاء من حزب البعث للتهنئة بالثورة ودعوة قيادة العراق للانضمام للوحدة، كما شكلت محاولة العراق ضمّ الكويت عسكريًّا عام 1961 بعيدًا عن التنسيق الوحدوي أثرًا سلبيًّا على علاقاته العربية التي ازدادت سوءًا بقطع العراق لعلاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول العربية، مثل مصر وسوريا والكويت والسعودية والأردن، وانتهى الأمر إلى تجميد عضوية العراق في الجامعة العربية أواخر عام 1961.

يضيف الدكتور ابراهيم العلاف في مدونته «ومهما يكن من أمر فإنّ علاقات العراق الخارجية وسياسة الزعيم عبد الكريم قاسم لم تكن واضحة وضمن استراتيجية صحيحة تخدم المصالح الوطنية العراقية بالدرجة الأولى، وإنما كان طابع الارتجال وضعف الخبرة الدبلوماسية هي ما يتسم بها، ويقينا ان قضية الكويت ومطالبة الزعيم بها افقدته الكثير من ثقة الدول العربية به وبسياسته الخارجية لذلك فإن إسقاطه في 8 فبراير (شباط) 1963 خلق كثيرا من الارتياح في الأوساط العربية والإقليمية والدولية».

ما بين ثورة 1963 وثورة 1968

اتسمت العلاقة إلى حد ما بين العراق والسعودية بالمتقلبة، لكنّ طابع التوتُّر لم يكن غائبًا لسنواتٍ عدة، ومما لا شك فيه أن السعودية شاركت بطريقة غير مباشرة في الانقلاب على عبد الرحمن عارف  بعد ذلك في ثورة 17 يوليو (تموز) 1968 وذلك من خلال عملية الإعداد للانقلاب في كل من بريطانيا والولايات المتحدة، إذ سعت تلك الدوائر لتعاون العناصر الموالية لكلا الجانبين . فالبعثيون في الجانب الأمريكي، وعبد الرزاق النايف وإبراهيم عبد الرحمن الداؤود في الجانب البريطاني. كان النايف يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، فيما كان الداؤود يشغل منصب آمر الحرس الجمهوري.

تسارعت خطى التحضير لانقلاب فبراير عام 1968 عن طريق الدكتور «ناصر الحاني»، سفير العراق في بيروت، وبشير الطالب، الملحق العسكري في السفارة اللبنانية حينها، والذي سبق أن شغل قيادة الحرس الجمهوري في عهد عبد السلام عارف، في ذلك الوقت، كان الاتصال بالانقلابيين وتجنيدهم من خلال السعودية، وهذا يظهر دعما سعوديا غير مباشر لانقلاب عام 1968 ويذكر حامد الحمداني في مقالته في الحوار المتمدن  أن ذلك الدعم السعودي كان بطلب أمريكي بريطاني للتخلص من عبد الرحمن عارف الذي لم يرضخ لمطالب الشركات الأمريكية الاستثمارية في مجال الطاقة.

كانت الرياض طوال الستينيات وحتى بداية السبعينات من القرن الماضي تشتبه في أن بغداد تدعم الحركات السياسية المعادية للمصالح السعودية، حاولت المملكة احتواء انتشار النشاط العراقي من خلال تقوية علاقاتها مع دول مثل إيران والكويت وسوريا والولايات المتحدة، وكلها تتشاطر عدم الثقة في بغداد. لكن ابتداء من عام 1975، بدأ العراق يخفف من سياساته الخارجية المناوئة للمملكة، وهو تغيير أدى إلى التقليل بشكل كبير من حدة التوتر بين الرياض وبغداد لتتحسن العلاقة بعدها إلى درجة كبيرة جدا مع بدء الحرب العراقية الايرانية.

تطور العلاقات العراقية السعودية خلال حرب الخليج الأولى

مع قيام الثورة الإيرانية عام 1978، أخذت تتصاعد حدة الخلافات بين العراق وايران، وتطورت هذه الخلافات الى مناوشات عسكرية لتبدأ بعدها حرب استمرت 8 سنوات عُدّت الأطول في القرن العشرين، مع بدء الحرب العراقية الإيرانية، أخذت العلاقات السعودية والكويتية تتحسن مع العراق بشكل ملحوظ، حتى وصل الأمر بهاتين الدولتين إلى دعم العراق بمليارات الدولارات وفتح الموانئ الخليجية أمام العراق في استيراد البضائع وتصدير النفط العراقي، وكان ذلك الدعم إدراكا من دول الخليج بأن العراق يقف حائط الصد ضد مشروع تصدير الثورة الخمينية إلى المشرق العربي.

Embed from Getty Images
صدام حسين

يقول مصطفى العاني، مدير قسم دراسات الأمن والدفاع، في مركز الخليج للأبحاث في دولة الإمارات، إن الدعم الخليجي للعراق لم يبدأ إلا بعد إعلان العراق رغبته في إيقاف وإنهاء الحرب في عام 1981 ورفض إيران ذلك ثم احتلالها لأراض عراقية وأضاف العاني أن الدعم الكويتي والسعودي ازداد في فترة احتلال إيران للفاو والذي يقول العاني إنه «جلب الخطر لمنطقة قريبة جدا من الحدود الكويتية» وقدر العاني حجم التمويل الخليجي للحكومة العراقية حينها بأكثر من 50 مليار دولار.

قدمت المملكة العربية السعودية وحدها للعراق خلال السنوات الثماني من النزاع ما يقدر بنحو 25 مليار دولار من قروض ومنح منخفضة الفائدة، واحتفظت للعملاء العراقيين بجزء من إنتاجها من حقول النفط في المنطقة المحايدة العراقية – السعودية، وساعدت في إنشاء خط أنابيب لنقل النفط العراقي عبر أراضيها، لكن وعلى الرغم من استثمارها المالي الكبير في إقامة تحالف سياسي مع العراق خلال الحرب العراقية الايرانية، فشلت المملكة العربية السعودية في الحصول على صديق طويل الأمد، بل على العكس من ذلك، ففي (أغسطس) آب 1990، وبعد عامين فقط من موافقة بغداد وطهران على وقف الأعمال القتالية ونهاية الحرب، غزت القوات العراقية الكويت واحتلتها بصورة غير متوقعة من وجهة النظر السعودية.

شكّل احتلال العراق للكويت تهديدًا مباشرًا وخطيرًا لأمن المملكة المباشر أكثر من التهديد أو الخطر الإيراني. وكان السعوديون خائفين حقًا من خطوة العراق القادمة وطلبوا من الولايات المتحدة جلب قوات إلى المملكة للمساعدة في مواجهة الخطر العراقي بعد أن استحصل القادة السعوديون فتوى دينية من الشيخ عبد العزيز بن باز الذي وافق على أن غير المسلمين يستطيعون الدفاع عن أقدس الأماكن الإسلامية.

دفعت مخاوف الرياض بشأن نوايا بغداد في نهاية المطاف السعودية إلى المشاركة مباشرة في الحرب ضد العراق في حرب الخليج الثانية «عاصفة الصحراء» خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 1991. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت القوة العسكرية الرئيسة في تحالف القوى التي عارضت العراق، إلا أن قواعد المملكة الجوية كانت بمثابة العمود الفقري للضربات الجوية ضد الأهداف العراقية، وشارك أفراد من القوات المسلحة السعودية الهجوم على القوات العراقية، ورد العراق حينها بإطلاق عدة صواريخ سكود-B على الرياض والبلدات السعودية الأخرى. وقد أعرب القادة السعوديون حينها عن ارتياحهم عندما هزم العراق، لكنهم اعترفوا أيضًا بان العلاقات مع بغداد قد تضررت بشكل خطير، ونتيجة لذلك، ركزت السياسة السعودية ما بعد الحرب على سبل احتواء التهديدات العراقية المحتملة للمملكة والمنطقة، ومن بين عناصر سياسة الاحتواء تلك، دعم الرياض عام 1992 لمؤتمرات المعارضة العراقية التي دعت إلى الإطاحة بحكومة صدام حسين.

لم تتحسن العلاقات العراقية السعودية أثناء الحصار الذي فُرض على العراق بعد عام 1991، واستمر اتهام العراق للسعودية بالتسبب في فرض الحصار؛ كونها سمحت للتحالف الدولي باستخدام أراضيها في الحرب وما بعدها في الفترة الممتدة بين عامي 1991 و2003 ، إلا أن السعودية أصرت على موقفها المعلن في عدم السماح لانطلاق أي هجوم من الأراضي السعودية ضد العراق عام 2003 وأن مطار عرعر الحدودي الذي تتواجد فيه قوات أمريكية لن يكون منطلقًا لأية عمليات عسكرية ضد العراق.

العلاقات العراقية السعودية بعد الغزو

تغيّر حال العراق إلى غير رجعة بعد الغزو الأمريكي الذي عارضته المملكة العربية السعودية، وساءت العلاقة بين البلدين مع اتهام مسؤولين أمريكيين وعراقيين السعودية بدعم التمرد السني في العراق، واتهم مسؤولون أمريكيون علانية السعودية بدعم التمرد حتى وصل الحال باتهام السعودية بأن 40% من المقاتلين الأجانب في العراق سعوديون وأن 75% من الانتحاريين الأجانب سعوديون كذلك، فضلًا عن أموال تقدر بملايين الدولارات تصل إلى العشائر السنية في العراق مصدرها السعودية.

يمكن أن تصنف العلاقات العراقية السعودية بعد 2003 إلى مرحلتين، كانت الأولى ممتدة منذ الغزو حتى عام 2014، تميزت هذه المرحلة بالابتعاد السعودي عن العراق والذي كان سببًا في تمدد إيران الكبير في بلاد الرافدين، ولم تسفر هذه المرحلة إلا عن تبادل مستمر للاتهامات بين الدولتين بين دعم الإرهاب والتموضع الإيراني. لم تحرك السعودية ساكنا تجاه موقفها هذا في الفترة الزمنية التي كان فيها نوري كامل المالكي رئيسًا لوزراء العراق حتى عام 2014 عندما تولى حيدر العبادي سدة الحكم.

Embed from Getty Images
أما المرحلة الثانية التي بدأت مع تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء في العراق في سبتمبر (ايلول) 2014 ، فتحول موقف البلدين تجاه بعضهما في ذات الوقت، وبدأ تحول الخطاب الرسمي العراقي نحو دبلوماسية أكثر مرونة مع دول الجوار اتسمت برغبة العبادي في إعادة بناء علاقات العراق مع محيطه العربي، إضافة الى تغير الاستراتيجية التي اتبعتها المملكة تجاه العراق،  فتراجعت التوترات في العلاقات بين الرياض وبغداد ورحبت الحكومة السعودية بالعبادي رئيسًا للوزراء وأرسلت تهنئة للحكومة الجديدة، وخلال هذه الفترة التي انخفضت فيها التوترات في العلاقات الثنائية، زار الرئيس العراقي فؤاد معصوم برفقة وزيري الخارجية والداخلية المملكة العربية السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014.

وفي إطار المحادثات في الرياض، التقى الرئيس معصوم الملك سلمان وأتيحت له الفرصة لمناقشة إصلاح العلاقات بين البلدين، وعلاوة على ذلك، دعت حكومة الرياض رئيس الوزراء العبادي إلى زيارة المملكة العربية السعودية في مارس (آذار) 2015 في الوقت الذي قررت فيه الحكومة السعودية استعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق بفتح قنوات الحوار مع الحكومة الجديدة، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015، افتتحت سفارة السعودية في بغداد. وفي يناير (كانون الثاني) 2016، تولى السفير السعودي تامر السبهان مهام منصبه. بعدها افتتحت المملكة قنصلية لها في أربيل في فبراير (شباط) 2016 وزادت المملكة العربية السعودية عدد بعثاتها الدبلوماسية إلى اثنتين في العراق، وبذلك أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد 25 عامًا من القطيعة.

Embed from Getty Images

مقتدى الصدر وعمار الحكيم

تشهد العلاقات العراقية السعودية زخمًا كبيرًا في الأشهر الأخيرة، فزيارة زعيم التيار الصدري «مقتدى الصدر» السعودية  في تموز (يوليو) الماضي ولقائه ولي العهد «محمد بن سلمان» عدها كثير من المراقبين قفزة نوعية في العلاقات بين البلدين بعد زيارة سابقة لوزيري الخارجية والطاقة السعوديين إلى بغداد، في خطوة سعت فيها المملكة إلى تعزيز نفوذها في العراق محاولة إيجاد توازن إقليمي مع إيران. وقال محرر الشؤون السعودية في صحيفة الفاينيشال تايمز «نيل بارتريك» فيما يخص علاقات البلدين «لطالما كان السعوديون مهتمون باستكشاف الخيارات الشيعية في العراق»، وأضاف أن مقتدى الصدر يحاول بصورة دورية تقديم نفسه كـ«عراقي قومي» بدلًا عن زعيم ميليشيا شيعية عراقية، بحسب ما ورد في الصحيفة.

وكبادرة حسن نية تجاه السعودية، أمر زعيم التيار الصدري أتباعه فور عودته الى العراق بإزالة كافة الشعارات المناوئة للسعودية من شوارع العاصمة بغداد، وكانت هذه الشعارات قد انتشرت بعد أن أعدمت المملكة رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر عام 2016. ونتيجة لهذه الزيارات المتبادلة قرر البلدان فتح المعبر الحدودي «عرعر» بينهما بعد قرابة ثلاثة عقود من إغلاقه، ليكون المعبر متاحًا لجميع المسافرين إضافة إلى التبادل التجاري بين البلدين في وقت قريب.

بدأت عربة العلاقات العراقية السعودية بالتحرك المتسارع شيئا فشيئا، وربما تشهد الأيام القادمة زيارة «عمار الحكيم» زعيم تيار «الحكمة الوطني» للسعودية، في خطوة قد تزعج الجار الإيراني الذي بات يرى أن تغيرًا في وضع المنطقة الجيو سياسي يلوح في أفق الشرق الاوسط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد