انتهى العام الأخير من الحقبة الثانية للقرن الحادي والعشرين، ليتوّج بامتياز عام الكوارث البيئية والانتفاضات والحروب والأزمات التي اجتاحت دول العالم كافة، على اختلاف أنظمة الحكم ومستويات الديمقراطية، والتقرير التالي يستعرض لك أبرز حروب 2020.

حرب كاراباخ.. أشهر حروب 2020

بعد حربٍ دامت نحو شهرٍ ونصف بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم «قره باج»، والمحتل من أرمينيا منذ 30 عامًا، انتصرت الحكومة الأذربيجانية وانتزعت ثلاث محافظات من إقليم قره باج كانت تسيطر عليهم الحكومة الأرمينية، عقب التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار أشرفت عليه موسكو.

تعود مشكلة النزاع في منطقة «ناجورني قره باج» فعليًا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، واستمر حتى عام 1994 تقريبًا، بسبب مطالبة كل من أرمينيا وأذربيجان بهذا الإقليم الاستراتيجي. وفي ذلك الوقت، كان إقليم ناجورني قرة باج قد أجرى استفتاء – قاطعته أذربيجان – اختار السكان فيه الاستقلال بدلًا من الانضمام إلى أي من البلدين.

تسبب الانفصال في حرب بين البلدين عقب سيطرة أرمينيا على الإقليم المتنازع عليه، واحتلت 20% من الأراضي الأذربيجانية المحيطة بالإقليم، لتندلع حربٌ عام 1992 والتي راح ضحيتها 30 ألف قتيل، وبعد عامين توصل الطرفان لاتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الاشتباكات وقعت ثانية عام 2016، وذلك بعدما قدمت روسيا أسلحةً لأرمينيا استخدمتها ضد أذربيجان التي نجحت في استعادة بعض المناطق المحتلة.

وفي 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأت أكبر موجات القصف المدفعي والصاروخي بين أرمينيا وأذربيجان منذ التسعينيات، إذ اتهمت جيوش البلدين كل طرف بالتصعيد، وبينما صادق البرلمان الأذري على إعلان حالة الحرب وفرض الأحكام العرفية في مناطق الاشتباكات، أعلنت أرمينيا حالة الحرب.

استمرت المعركة ستة أسابيع، أعلنت فيها تركيا استعدادها لتقديم كامل الدعم العسكري لحليفتها أذربيجان، وعلى غير المتوقع، أعلنت روسيا أنه بالرغم من وجود اتفاقية للتعاون العسكري بين روسيا وأرمينيا، فإن موسكو لا تستطيع التدخل عسكريًا لدعم حليفتها أرمينيا في حربها مع أذربيجان، وهو التصريح الذي خذل الرئيس الأرميني الذي بات مُجبرا على القتال حتى النفس الأخير، قبل إعلان استسلامه.

وقّع الطرفان اتفاق وقف إطلاق النار، واحتفظت أذربيجان بموجبه بكافة الأراضي التي استحوذت عليها خلال الحرب، كما أجبرت أذربيجان أرمينيا على التخلي عن محافظات أخرى كانت قواتها تسيطر عليها في التسعينيات، كما منح الاتفاق روسيا صلاحية إرسال قوات حفظ للسلام للمنطقة، ستظل هناك لمدة خمس سنوات، فيما قالت تركيا إنها ستشارك في قوات حفظ السلام أيضًا.

وقبل أيام، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن رصد أول انتهاك لنظام وقف إطلاق النار في إقليم قره باج، عقب استئناف أذربيجان عملية عسكرية جديدية بالهجوم على بلدتين جنوب قره باج، والسيطرة على إحداها، وهو ما ينذر باحتمالية تجدد الاشتباكات في الحرب التي لم يُكشف عن أعداد ضحاياها رسميًا من جانب الطرفين.

إقليم تيجراي.. جيش المتمردين الذي أسقطه آبي أحمد

في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي اندلعت مواجهات مسلحة استمرت 24 يومًا بين الجيش الإثيوبي، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي» التي هيمنت على الحياة السياسية في إثيوبيا لنحو ثلاثة عقود، قبل أن يصل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، ليصبح أول رئيس وزراء من عرقية الأورومو.

Embed from Getty Images

بدأت خلفية الصراع حين أجرى آبي أحمد أول تغيير لرئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطنية، في تعديلات هي الأولى من نوعها منذ 17 عامًا، وهي النقطة التي اعتبرها التيجراي استهدافًا لقوميتهم باعتبار أن رئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات منذ وصول جبهة شعوب إثيوبيا إلى الحكم عام 1991 ظل منهم.

واعتبرت التيجراي أنّ أبي أحمد يحاول استبدالها مقابل قومية «الأورومو»، التي ينتمي لها رئيس الوزراء الإثيوبي، والتي تعد أكبر قومية عرقية في البلاد، وتصاعدت حدة الخلاف إلى مستوى غير مسبوق بعدما وافق البرلمان الإثيوبي على خطة لإبقاء رئيس الوزراء آبي أحمد في منصبه بعد أن أجبرت جائحة كورونا السلطات على تأجيل الانتخابات المقررة في أغسطس (آب) الماضي.

اعتبرت التيجراي وقتها أنّ هذه الخطوة غير دستورية، وأعلنت رئيسة البرلمان المنتمية للتيجراي استقالتها من منصبها اعتراضًا على تأجيل الانتخابات، وقالت إنها ليست «مستعدة للعمل مع مجموعة تنتهك الدستور»، ووصفت وضع البلاد بأنه «ديكتاتورية في طور التكوين».

تحدت الجبهة بعدها آبي أحمد، وأعلنت تنظيم الانتخابات في الإقليم بصورة منفردة كما هو مقرر في أغسطس (آب) الماضي، وطالبت اللجنة المركزية للانتخابات بالإشراف على الانتخابات التي شارك فيها نحو 2.7 مليون ناخب؛ وبينما رفضت الحكومة المركزية الاعتراف بالانتخابات، واعتبرتها غير قانونية وغير دستورية، ردت حكومة الإقليم بأنها لا تعترف أيضًا بالحكومة المركزية باعتبار أنها جسم غير دستوري، على أساس أنّ آبي أحمد منتهية ولايته.

وصلت الصراعات إلى ذروتها حين أغارت قوات جبهة تيجراي على قاعدة عسكرية للجيش الإثيوبي، وردّ آبي أحمد بضربات جوية على الإقليم إلى جانب وقف التحويلات المالية، وفي الوقت نفسه كان قد أصدر قرارًا بحل حكومة إقليم تيجراي، لتصل الأحداث إلى اصطدام محتدم بات فيه السلاح هو الحل الوحيد من جانب الطرفين.

دولي

منذ 10 شهور
ربع مليون مقاتل.. ماذا تعرف عن جيش المتمردين الذي يحارب آبي أحمد؟

لم يستغرق إسقاط عاصمة إقليم تيجراي، سوى 24 يومًا، بعد إطلاق الجيش الاتحادي عملية عسكرية لإخماد جيش المتمردين الذي يبلغ تعداده 250 ألف مقاتل، بعد استهدافهم بالطيران، وتطويق الحدود مع السودان، لمنع وصول أية إمداداتٍ عسكرية لهم، إلى جانب المساعدات التي حصل عليها من إريتريا ومكنته من السيطرة على عاصمة الإقليم، لكنّ زعيم المتمردين «ديبريتسيون جبريمايكل» لم يعترف بالنهاية، وحدد التكتيك القتالي للمرحلة المقبلة عبر «إلحاق الخسائر بالأفراد والعتاد والمعنويات بصفوف القوات الاتحادية والاريترية».

ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات العامة في إثيوبيا في يونيو (حزيران) 2021، كما اقترحت السلطات الإثيوبية بعدما كان مقررًا إجراؤها في 29 أغسطس (آب)، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية لتمرد قادة جبهة تيجراي، ولا يُعرف تحديدًا حتى الآن عدد القتلى والمصابين، كما لا توجد أية تقارير رسمية عن أعداد اللاجئين والمتضررين المدنيين جراء تلك الحرب.

2020.. العام الذي حوّل مسار الحرب في ليبيا

في أبريل (نيسان) عام 2019، أطلق الجنرال المتقاعد خليفة حفتر النفير العام للهجوم على العاصمة الليبية طرابلس من الشرق والغرب في آن واحد، بهدف إسقاط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، ونتيجة للدعم الذي تلقاه حفتر من عدة دول عربية وأجنبية تزامنًا مع تجاهل الأمم المتحدة فرض عقوبات على الجنرال الليبي، اضطرت حكومة الوفاق للجوء رسميًا إلى تركيا، التي أصبحت لاعبًا رئيسًا في الحرب التي غيرت هي مسارها.

Embed from Getty Images

 عقب توقيع حكومة الوفاق اتفاقية أمنية مع تركيا في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، انقلب سير المعارك على الأرض في العام 2020، ومُني حفتر بهزيمة مدوية بخسارته أولًا مدن غلاف العاصمة، ثم خسر ست مدن إستراتيجية على الشريط الساحلي الممتد من العاصمة حتى الحدود مع تونس، وهي البلدات التي تشهد ثقلًا قبليًا داعمًا له، نهاية بخسارة قاعدة الوطية الاستراتيجية، ومدينة ترهونة الحصينة، مركز عملياته في الغرب الليبي.

هرع حفتر بعدها إلى القاهرة التي استضافت معه عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، ليخرج الرئيس المصري بما عُرف بـ«مبادرة القاهرة» التي حددت وقفًا فوريًّا لإطلاق النار، وإخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا، وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، مع تمثيل لأقاليم ليبيا الثلاثة في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم اعتماد إعلان دستوري يمثل استحقاقات المرحلة المقبلة سياسيًا وانتخابيًا، لكن حكومة الوفاق رفضتها وأصرت على استكمال المعركة.

ووفق المستجدات العسكرية، لا يتبقى لحفتر في وسط ليبيا سوى مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية، وسقوطهما يعني تلقائيًا سقوط الجنوب، وحينها ستكون المنطقة الغربية والوسطى والجنوبية في قبضة حكومة الوفاق، مما يعني أنّ النفوذ السياسي لحفتر سيصبح كما كان قبل صعوده في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2016، وهو تاريخ استحواذه على الهلال النفطي الذي يضم 80% من النفط الليبي، وهو ما دفع القوى الكبرى التي لها مصالح في الداخل الليبي للتحرك السريع بهدف إيقاف معركة «سرت» الفاصلة في مصير النزاع.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلن كلٌّ من حكومة الوفاق وبرلمان طبرق (السراج وعقيلة صالح) الوقف الفوري الدائم لإطلاق النار وسط ترحيب إقليمي ودولي، وهي الجهود التي تُوجت بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم في ليبيا برعاية أممية، تزامنًا مع بدء مشروع السلام في ليبيا المكون من 75 عضوا يمثلون أعضاء الملتقى السياسي، ومهمتهم الرئيسية هي الاتفاق على آلية اختيار السلطة التنفيذية المكونة من رئيس للمجلس الرئاسي، ونائبين له، ورئيس حكومة وحدة وطنية.

وحتى الآن فشل أعضاء البرلمان في اختيار رئيس جديد له، تزامنًا مع تحديد الأمم المتحدة جلسة جديدة لملتقى الحوار الليبي للتوافق الأخير حول الآلية التي سيتم بها اختيار سُلطة تنفيذية جديدة تقود الترتيبات المتعلقة بإقرار الدستور، وإدارة فترة انتقالية تنتهي بالدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

اشتباكات الصين والهند.. حربٌ بدون إطلاق نار

في أعنف اشتباكات منذ نصف قرن بين الهند والصين، اشتعل نزاعٌ بين الدولتين إثر خلاف حدودي يعود إلى حقبة استعمار بريطانيا للمنطقة، وفي 16 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن الجيش الهندي عن مقتل 20 من جنوده على الأقل، وإصابة أكثر من 70 آخرين، في مواجهة عنيفة مع جنود صينيين عند الحدود في منطقة الهيمالايا المتنازع عليها.

على الجانب الآخر، أكدت وزارة الدفاع الصينية وجود خسائر على جانبها، لكنها رفضت التصريح بأرقام، والمثير أنّ الاشتباكات كانت بالعصي والهراوات وقضبان مزودة بمسامير ولم يكن هناك إطلاق نار، بالرغم أنّ الدولتين تمتلكان سلاحًا نوويًّا. ويحظر اتفاق تم التوصل إليه بين الجانبين في 1996 الأسلحة والمتفجرات ضمن مسافة كيلومترين من خط المراقبة الفعلي على طول الحدود المتنازع عليها، وذلك للحيلولة دون تصعيد الموقف.

وتمتد الحدود بين الدولتين إلى أكثر من 3440 كيلو متر، وهي غير مرسومة بدقة، وهو ما يدفع الطرفان دومًا للمواجهة، وبحسب الرواية الصينية للأحداث فإن وادي «جالوان» الذي شهد الاشتباكات كان بالأساس على الجانب الصيني من خط المراقبة الفعلي، إلا أن القوات الهندية عبرت خط المراقبة، بعدما توصل الطرفان لاتفاق سابق يقضي بانسحابهما من تلك النقطة، ثم شنت هجوما عنيفًا على الضباط والجنود الصينيين الذين ذهبوا إلى هناك للتفاوض، مما أدى إلى اشتباكات جسدية شرسة وخسائر في الأرواح.

على الجانب الآخر، أعلن رئيس الوزراء الهندي في بيان متلفز أنه لم يحصل أي توغل في الأراضي الهندية، نافيًا الرواية الصينية، كما أنه نفى أن تكون الصين قد توغلت داخل حدود بلاده، أو استولت على مواقع قواته، لتقرر نيودلهي بعدها نقل وحدات من قوات المشاة إلى مواقع الاضطرابات.

وفي السابع من يوليو (تموز) انتهت الأزمة بعدما سحبت الصين قواتها، بعد ترتيبات متفق عليها خلال لقاء جمع بين جنرالات الجيشين، في وقت أكد فيه الجانبين أن التوترات الحدودية لن تؤثر على التجارة بين الهند والصين على الرغم من بعض الحملات الهندية للدفع باتجاه مقاطعة المنتجات الصينية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد