لم يتوقع أحد أن يكون يومًا بهذا الجنون. كان يوم الاثنين، الموافق 2 أكتوبر 1997؛ يومًا أليمًا في الذاكرة الاقتصادية العالمية. حتمًا لن تنساه دول جنوب شرق آسيا، حيث مرّت على إثر الانهيار المالي الذي شهده ذاك اليوم، شهورٌ كارثية، أقيلت على إثرها حكومات، وقدّم الرئيس الإندونيسي سوهارتو استقالته بعد أن حكمها بقبضة من حديد على مدار أكثر من 30 عامًا، راضخًا لموجة الاحتجاج الشعبية المُتفجّرة لأسباب اقتصادية: تضخّم حاد، ونسب بطالة متصاعدة باضطراد دون توقف وخلال فترة قصيرة، وكالعادة خُطّة تقشّف صارمة؛ وهذه جميعها أسباب كافية لغضب جارف لأي سُلطة تبدو قويّة.

في تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر من العالم، كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مُهددًا في منصبه، بسبب فضيحته الجنسية الثالثة في تاريخه، والأولى في رئاسته، مع متدربة في البيت الأبيض تُدعى مونيكا لوينسكي. وفي نفس الوقت لم يكن كلينتون قد تعافى بعد من أثر فضيحة وايت ووتر المالية التي اتهم فيها هو وزوجته بالخداع المالي وتلقي قروض غير قانونية.

من جهة أُخرى، كانت الولايات المتحدة الأمريكية لتوها خارجة من حرب قاسية في منطقة الشرق الأوسط؛ حرب الخليج الثانية أو ما عُرفت بعملية عاصفة الصحراء. والحروب كما أنها مُجازفة عسكرية، فإنها لا تخلو أيضًا من مخاطر سياسية واقتصادية بدرجة كبيرة.

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا، فالأزمة الاقتصادية التي ضربت دول شرق آسيا، سرعان ما انتقلت إلى الشمال حيث روسيا بعد سنوات قليلة من تفكك الاتحاد السوفيتي، ومن هناك ارتدت إلى دول أمريكا اللاتينية التي شهدت بدورها انهيارًا حادًا في قيمة العملة، وانكماشًا اقتصاديًا مفاجئًا بصورة مفزعة، وصل في بعض الدول إلى أكثر من 28% بسبب ما يُعرف بـ”أزمة الثقة”. الانهيار المالي هناك جعل نحو 50% من سكان معظم دول أمريكا اللاتينية تحت خط الفقر.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كان القلق قد وجد له قدمًا راسخة في البيت الأبيض، فبالإضافة إلى فضائح كلينتون، كان رجاله يرتجفون خوفًا من أن تُصيبهم رياح الأزمة المالية. شخصٌ واحد فقط كان قادرًا على بث جو من الثقة في نفوس صناع القرار الأمريكان.

«ما فعله كان مُدهشًا»

يصف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الأثر الذي تركه هذا الرجل في أحد اجتماعات الحكومة في ظل تلك الأجواء الساخنة. “في 3 دقائق فقط، وبطريقة هادئة جدًا، استطاع تلخيص كل شيء. كان لحديثه أثر إيجابي بصورة لا تصدق على مجلس الوزراء”، يضيف كلينتون الذي لم يُخفِ افتتانه بوزير ماليته روبرت روبن.

روبرت روبن

خلف هذا الهدوء المميز، هُناك عقلٌ رأسمالي مُتقد، تدين له الولايات المتحدة، بل قل النظام المالي العالمي، مُنذ عُيّن رئيسًا لوزارة الخزانة الأمريكية، وقبل ذلك حين كان مساعدًا للرئيس الأمريكي لشؤون السياسات الاقتصادية والمدير الأول للمجلس الاقتصادي القومي، وبعد ذلك حين أصبح رئيس مجلس إدارة إحدى أكبر شركات الخدمات المالية الأمريكية والعالمية؛ شركة سيتي غروب.

بالإضافة لذلك، فإن روبن يعتبر بمثابة الأب الفكري لمشروع هاملتون للسياسات الاقتصادية في معهد بروكينغز الشهير. وفي هذا الصدد، يُذكر أن كلينتون كان يصف روبرت روبن بأنّه أعظم وزير مالية أمريكي مُنذ ألكسندر هاملتون أول وزير خزانة أمريكي وأحد الآباء المؤسسين لأمريكا، ومَنْ سُمّي المشروع تيمنًا به. فضلًا عن ذلك يُعد هذا الرجل كثير الإنجازات ضيفًا دائمًا على اجتماعات بيلدربيرغ السنوية أو ما يُعرف بـ”الحكومة السرية للعالم”!

أعطني تفاصيل سريعة عن «الحكومة السرية للعالم»

مرتين في السنة، قبل أن تصبح مرة كل عام منذ 2009، يُعقد مُؤتمر مُحاط بسرية شديدة في إحدى الدول الأوروبية. وكانت أوّل مرة يُعقد فيها المُؤتمر عام 1954 في فندق بيلدربيرغ بهولندا، ومنه اتخذ اسمه. وتزيد قصة تأسيس المؤتمر ومؤسسه من حالة الغموض التي تكتنفه، ففي البداية ظلّ المؤتمر سرًّا لا يعلم به سوى المشاركين فيه لمدة تزيد على 10 سنوات.

وخلال هذه السنوات العشر لعب المؤتمر دورًا محوريًا في عدد من القضايا العالمية، بينها مثلًا التأسيس للاتحاد الأوروبي. وكما هو معلومٌ فقد بدأ الاتحاد الأوروبي بمعاهدة روما، ووفقًا لأحد أعضاء المؤتمر ومُؤلف كتاب سيرة حياة أمير هولندا، بيرنهارد، الذي كان أوّل رئيسٍ للمؤتمر؛ فإنّ مُعاهدة روما هذه قد “وُلدت في هذا المُؤتمر”.

وتعود فكرة تأسيس هذا المُؤتمر إلى جوزيف ريتينجر، الذي أصبح لاحقًا أول سكرتير للاتحاد الأوروبي. وأثناء الحرب العالمية الثانية كان ريتينجر قسيسًا كاثوليكيًا، لاحقته اتهامات بالتجسس لصالح الفاتيكان على إثر اقتراحٍ تقدّم به لرئيس وزراء فرنسا إبان الحرب، بتأسيس مملكة أوروبية يديرها الرهبان اليسوعيون.

اقرأ أيضًا: أسرار من دولة الفاتيكان المقدسة

بعد الحرب، واستنادًا على شبكة علاقاته الواسعة بسياسيين واقتصاديين أوروبيين وأمريكان، أسس ريتينجر مؤتمر بيلدربيرغ، ليضم نُخبًا ممن يوصفون بصناع القرار العالمي. جُزء كبير منهم اقتصاديون بارزون وأصحاب شركات خدمات واستثمارات مالية ومؤسسات إعلامية. وغالبًا لا تُعرف القائمة الكاملة للمدعوين للمؤتمر كل عام، والذي يستمر نحو 3 أيام دون أية تغطيات إعلامية أو حتى بيانٍ رسمي صادرٍ عنه.

في المقابل يزعم المؤتمر عبر موقعه الإلكتروني، أنّ عقده يقتصر على إثراء حالة الحوار والنقاش بين قادة سياسيين وماليين وإعلاميين، دون أن يكون هناك نتيجة أو هدف مُحدد من وراء ذلك. لكن المعلومات المسربة عنه تثُير الريبة والتشكك، فعلى سبيل المثال، ورغم أن تركيا بوصفِها دولة عُضوًا في حلف شمال الأطلسي الذي يُقال إنّه كان سببًا من أسباب تأسيس المُؤتمر (أي تعزيز الشراكات الأوروبية- الأمريكية)؛ إلا أن ممثليها في المؤتمر لم يكونوا يومًا من أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكنّهم غالبًا ما يكونون منتمين لحزب الشعب الجمهوري المُعارض، أو مُقربين منه، بالإضافة لذلك، فإن دولةً كروسيا لا يتم دعوة أحد منها للمشاركة في المؤتمر رغم أن جُزءًا ليس بالصغير منها ضمن حدود القارة الأوروبية.

فندق بيلدربيرغ الهولندي الذي سُمي المؤتمر باسمه

هذه المنظمة/ القمة شديدة السرية وشديدة الغموض، يُعتبر روبرت روبن ضيفًا دائمًا على اجتماعاتها، ما قد يُعطينا تصورًا أوليًا عمّا يُمثّله هذا الرجل في صناعة القرار العالمي.

نموذج لأصحاب الياقات البيضاء

أصحاب الياقات البيضاء هم الموظفون المكتبيون الذين غالبًا ما ينتمون للطبقة الوسطى، مع تطلعات لترقي السلم الوظيفي والطبقي. ويأتي هذا المصطلح مُقابلًا لمصطلح أصحاب الياقات الزرقاء الذي يُطلق على العمال والمهنيين الذين غالبًا ما ينتمون للطبقات الكادحة. روبرت روبن نموذجٌ لأصحاب الياقات البيضاء المتطلعين لمزيد من الترقي، لا على مستوى الوظيفة فقط، بل على مُستوى صناعة القرار الوطني والعالمي.

في العاصمة المالية للولايات المتحدة الأمريكية، مدينة نيويورك؛ ولد روبرت إدوارد روبن عام 1938، لأبوين يهوديين من الطبقة الوسطى، إذ كان والده ألكسندر روبن مُحاميًا، الأمر الذي دفع نجله، بعد أن أنهى دراسة الاقتصاد بجامعة هارفارد؛ إلى الالتحاق بكلية الحقوق بنفس الجامعة، لكنه تركها بعد 3 أيّام كي “يرى العالم”.

انتقل حفيد صموئيل سيدرمان (أحد زعماء الحزب الديمقراطي في مقاطعة بروكلين بنيويورك) إلى لندن حيث درس الاقتصاد مرة أُخرى، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة ويلتحق بجامعة ييل للحصول على ليسانس الحقوق عام 1964، ليقرر مزاولة مهنة أبيه في أحد مكاتب المحاماة بنيويورك لمدة عامين، تفرّغ بعدها لسبر أغوار النظام الاقتصادي الأمريكي، بدءًا من إحدى أكبر وأقدم المُؤسسات المصرفية متعددة الجنسيات في أمريكا والعالم؛ شركة جولدمان ساكس.

بعد فترة وجيزة من التحاقه بجولدمان ساكس، استطاع الشاب العشريني أن يُثبت نفسه ويصبح مسؤولًا عن موازنة المخاطر المعنية بإدارة المُضاربات على أسهم الشركات الضعيفة أو المُعرضة لمحاولات الاستحواذ. هذا المنصب أهّله لاحقًا ليصبح مُديرًا لإدارات الأسهم والسندات التُجارية بالشركة، قبل أن يترقى لمنصب الرئيس التنفيذي للعمليات عام 1987. وبعد نحو 3 سنوات فقط، أصبح روبرت روبن رئيسًا مُشاركًا لشركة جولدمان ساكس.

رجل وول ستريت في «لجنة إنقاذ العالم»

يُفضل المعجبون بروبن أن يصفوه بنكران الذات. عمومًا الرجل لا يُثير كثيرًا من الضجة كما يبدو؛ فبهدوئه دخل دائرة صنع القرار حين استدعاه كلينتون عام 1993 ليكون مساعده لشؤون السياسات الاقتصادية، ثُمّ حين تولى رئاسة وزارة الخزانة (وزارة المالية في أمريكا). وبهدوئه المُعتاد ترك الوزارة دون أن يترك صناعة القرار بصورةٍ أو بأخرى.

  • رجل وول ستريت:

وكونه في الأصل رجل وول ستريت، ساعده كثيرًا حين تولى رئاسة وزارة الخزانة الأمريكية، إذ كانت خلفيته الوظيفية سببًا في وثوق رجال الأعمال الأمريكيين فيه وفي قراراته، خاصةً أيضًا أنّه جاء في فترة حساسة من تاريخ الاقتصاد العالمي، استطاع خلالها أن يعبر بالاقتصاد الأمريكي إلى بر الأمان، حتّى وُصف بمهندس المُعجزة الأمريكية الاقتصادية في عهد كلينتون، حيث النمو المستدام ونسب العمالة شبه الكاملة وأسواق الأسهم الصاعدة باضطراد.

كونه رجل وول ستريت، ساعد روبن على كسب ثقة رجال الأعمال الأمريكيين

حين تولى روبن منصب مساعد الرئيس للسياسات الاقتصادية، ترتب على هذا توليه منصبًا آخر، وهو أول مدير للمجلس الاقتصادي القومي الذي أنشأه كلينتون بُعيد توليه الرئاسة. كان نفوذ المجلس واسعًا كفاية لقيادة دفة الاقتصاد الوطني، وكان وجود روبن على رأسه كافيًا لإزالة أي عقبات مُسببة من قبل رجال الأعمال وكبار المستثمرين، لذا كان السياسي والدبلوماسي الأمريكي البارز (سفير أمريكا السابق في روسيا) روبرت شتراوس، يرى أنّ روبرت روبن “هو الشخص الوحيد الذي كان قادرًا على أن يجعل المجلس الاقتصادي القومي ناجحًا”.

  • «لجنة إنقاذ العالم»

عام 1995 تولى روبن منصب وزير المالية ليصبح وجهًا لوجه أمام عددٍ لا يُحصى من الملفات الشائكة، أولها مُؤشرات أزمة مالية تلوح في أفق المكسيك، تخشى الإدارة الأمريكية ارتدادها للشمال. قاد روبن عملية دعم مشروطة بـ20 مليار دولار أمريكي للحكومة المكسيكية. لم تكن العملية ناجحةً تمامًا، ففي النهاية انهار الاقتصاد المكسيكي، إلا أنّها رغم ذلك، استطاعت أن تُؤجّل انهياره عدة سنوات قليلة.

بالإضافة لذلك، كانت هُناك مُهمته الرئيسية الخاصة بهندسة اقتصاد أمريكي أكثر استقرارًا، وذلك عبر قوانين ضريبية جديدة مثل قانون مُضاعفة الائتمان على ضريبة الدخل المكتسب، فضلًا عن خفض الضرائب على الشرائح الدُنيا من الطبقة المُتوسطة. ووفقًا لكلينتون فقد كان روبرت روبن أكثر المسؤولين تمسّكًا بقانون خفض الضرائب على الطبقة الوُسطى، حتى أن كلينتون قال إنّه “يدعو إلى سياسات تتعارض مع مصالحه الاقتصادية الخاصة” على اعتباره أحد كبار رجال المال في وول ستريت. لكن ببساطة ما دفع روبن إلى هذا، وفقًا له هو نفسه، الحد من غضب الفقراء.

في خضم ذلك كانت الأزمة المالية الآسيوية في أوجها؛ مُفاجئة ومريبة على دولٍ رفضت حكوماتها الانصياع لسياسات صندوق النقد الدولي، الذي وجد له مكانًا أخيرًا في تلك الدول بعد الأزمة وما أدت إليه من اضطرابات سياسية عميقة. كانت تلك فرصة روبن لجذب تلك الدول إلى حظيرة النظام الاقتصادي العالمي- الأمريكي، وفرصة كلينتون ليثبت أنّه ليس مجرد رئيس فضائح، وأنه ربما يأتي من ورائه أكثر من ذلك.

وبعد أن رضخت الدول المتضررة من الأزمة المالية لقبول تدخل صندوق النقد الدولي، خطط روبرت روبن وقاد عملية “احتواء” الأزمة، بالتنسيق مع صندوق النقد ومجلس الاحتياطي الاتحادي الفدرالي، وعبر علاقاته بالشركات المصرفية في تلك الدول. في فبراير 1999 أطلقت مجلة تايم على هذه اللجنة، التي استطاعت الحد من توحش الأزمة؛ اسم “لجنة إنقاذ العالم”.

المصادر

تحميل المزيد