قبل يوم أمس الثلاثاء، كانت ذكرى الأمير المقاوم عبد القادر الجزائري، الذكرى التي تحيل إلى فترة قدم فيها الجزائريون التضحيات الجسام، من أجل نيل استقلال بلدهم.

لقد عمرت فرنسا الجزائر ما يقارب قرنًا ونصف، حتى أضحت تكنى بمثابة فرنسا الثانية، بيد أن الجزائريين كان لهم رأي آخر، فقدموا دماءهم بلا حساب ثمنًا لاستقلال وطنهم، وبخلاف معظم البلدان التي نالت استقلالها بواسطة اتفاقات تمنح بموجبها امتيازات لمستعمرها، رسم الجزائريون علم بلادهم المستقل بالدماء، بعد أن اشترى المقاومون تراب الوطن مقابل الحياة.

1- الأمير عبد القادر الجزائري

عبد القادر الجزائري

 

يعد من أبرز وجوه المقاومة الشعبية الجزائرية، كما يعود له الفضل في تأسيس الدولة الجزائرية، ولد يوم الثلاثاء 6 سبتمبر 1808م، جمع بين السياسة والدين والتصوف والفلسفة والفروسية.

ترعرع الأمير عبد القادر في منطقة القطنة بالمعسكر، تلقى من أبيه محيي الدين وهو شيخ الطريقة المريدية تعليمًا صوفيًّا في الزاوية، ثم بعدها انتقل إلى وهران للدراسة، حيث أخذ هناك علوم الدين والأدب والفلسفة والرياضيات والتاريخ.

بعد استيلاء الفرنسيين على الجزائر سنة 1830م، انخرط محيي الدين وابنه عبد القادر في المقاومة الشعبية مع الأهالي، وكان لزامًا على جموع المقاومة ترسيم قائد لها يوحد كلمتهم ويجمع شتاتهم لمواجهة المحتل الفرنسي، فوقع الاختيار في البداية على محيي الدين، رجل الدين المتصوف المعروف في المنطقة، بيد أن الأخير اعتذر عن حمل أمانة قيادة المقاومة الشعبية، نظرًا لتقدمه في السن، ورشح ابنه عبد القادر، ليكون أميرًا على الجزائر، وبالفعل تمت مبايعة عبد القادر لما أبداه من حنكة وشجاعة في معارك المقاومة، تم ذلك في 21 نوفمبر سنة 1832م، حيث بايعته جموع ضخمة، من رجال دين ووجهاء القبائل وأعيان المنطقة، بمسجد بمنطقة معسكر، كان ذلك وهو في سن الـ24.

قام الأمير عبد القادر مباشرة بعد مبايعته بتوحيد صف القبائل، وتنظيم شؤون الإدارة بالمناطق الجزائرية، وكذا محاربة أشكال الفساد والنهب المتفشية، بالإضافة إلى بناء جيش التحرير والمقاومة.

اضطرت فرنسا إلى عقد هدنة سنة 1834 مع دولة الأمير عبد القادر، لكن لم يمضِ عام واحد حتى نقضت الاتفاق، ليعلن الأمير عبد القادر “الجهاد العام” ضد المحتل الفرنسي، لتعود فرنسا مرة ثانية لعقد هدنة بعد ثلاث سنوات من المعارك الطاحنة سنة 1837م، لتندلع من جديد سنة 1939، حيث قامت القوات الفرنسية بهجوم عنيف على المناطق التي تحت يد المقاومة، نتج عنها خسائر بشرية هائلة وتدمير البيوت والحقول الزراعية.

خاض الأمير عبد القادر طوال حياته حروبًا طاحنة مع المستعمر الفرنسي، وكلف الأخير خسائر فادحة في الأرواح، لكن بعد أن جنت القوات الفرنسية وبدأت عملية الأرض المحروقة باستعمال أسلحة خطيرة، تمكنت من تحقيق انتصارات على دولة الأمير، فاستسلم عبد القادر مقابل الحفاظ على الأرواح المتبقية، وذلك في ديسمبر سنة 1847م.

نقل حينها الأمير إلى سجون فرنسا (تولون، بو وأمبواز)، ثم قرر نابليون الثالث إطلاق سراحه حتى ينفى إلى تركيا، ثم اختار الإقامة بصفة نهائية في دمشق التي رحبت به أيما ترحاب.

2- فاطمة نسومر

  • فاطمة نسومر

    لقد سجلت المرأة الجزائرية دورها بقوة في المقاومة الشعبية ضد المستعمر الفرنسي، كانت فاطمة نسومر أبرز النساء اللاتي قاومن المستعمر في تلك الفترة.

  • ولدت فاطمة بمنطقة ورغة سنة 1830م، وترعرعت في عائلة تدين للطريقة الرحامنية الصوفية، عرف عنها الجمال والحكمة والجرأة في نفس الوقت، حتى أنها رفضت الزواج من ابن عمها متحدية التقاليد في تلك الفترة، الأخير ظل يعتبرها تحت عصمته طوال حياتها.ستتغير حياتها بعد أن التقت الغريب الذي يبحث عن أرض آمنة الشريف بوبغلة، الذي أوقد علاقة الحب معها، والذي ظل يدفعها للانخراط في مقاومة المستعمر.

    بعد أن مات بوبغلة سنة 1854م، تستنهض فاطمة قبائل المنطقة لمواجهة الغزاة الفرنسيين مخاطبة جموع الرجال “ليس لنا خيار سوى مقاتلة المستعمر حتى لا يلعننا أجدادنا”، فتزعمت “لالا فاطمة نسومر” المقاومة في منطقة القبائل بجبل “سبت يحيى” حتى عام 1857، وتمكنت من صد هجمات المحتل، لكن استطاعت قوات الجنرال روندون في الأخير أسرها وعدد من النساء المقاومات معها.

    ماتت نسومر أو “عذراء الجبل” كما لقبوها عام 1863م وهي في سن الثلاثة والثلاثين، لتأرخ نضال المرأة الجزائرية، التي كان لها دور مشهود.

    3- محمد المقراني

    محمد المقراني

     

    الشيخ محمد المقراني هو أحد قادة الثورة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي الذي دخل الجزائر سنة 1830م، كان أبوه أحمد المقراني يشتغل لدى السلطات الفرنسية كخليفة في منطقة مجانة.

    وقد كان المقراني في البداية أيضًا يشتغل مع المستعمر، بعد أن ورث منصب أبيه، غير أنه انقلب على السلطات الفرنسية بدءًا من سنة 1871م، بسبب إهانة الفرنسيين لساكنة منطقته وتفقيرهم واستغلالهم من قبل المستوطنين الفرنسيين.

    شكل قوة قوامها سبعة آلاف فارس، وخاض ضد المستعمر معارك شرسة، حقق خلالها انتصارات على المحتل الفرنسي، وساهم في توسع رقعة المقاومة بالمناطق الجزائرية شرقًا وغربًا، بعد تحالفه مع أتباع الطريقة الرحامنية وبعض قادة الثوار الآخرين.

    انهزم في معركة بالقرب من قلعة بني حماد في 8 أكتوبر 1871، وفر إلى الصحراء لكن الفرنسيين اكتشفوا أمره بالقرب من الرويسات بورقلة وألقوا عليه القبض، حيث نقل إلى معسكر الجنرال دولاكروا ومنه أرسل إلى سجن كاليدونيا الجديدة.

    ترتب على إخماد ثورة المقراني، التي استمرت بضعة شهور، فرض ضرائب قاسية على سكان المنطقة والقبائل التي ساندتها، وحبس المشاركين فيها.

    4- القائد محمد بن فيالة

    بيت محمد بن فيالة لا يزال يعرف حتى الآن

     

    لا يتمتع الرجل في الجزائر بشهرة كرمز من أشد رموز المقاومة الشعبية، غير أن التقارير الفرنسية تذكر أنه أخطر ثائر في المنطقة الشرقية، وقد ذكر اسمه في كل المحاكمات التي جرت بعد فشل الثورة، وهو مقدم زاوية سيدي وارث قرب سوق الجمعة، كما عمل قاضيًا بمنطقته.

    ولد محمد بن فيالة سنة 1827م في منطقة قبائل “بني حبيبي”، نشأ بعائلة متدينة صوفية، وتعلم الفروسية والقتال منذ ريعان شبابه، حضر اضطهاد الفرنسيين لأهالي منطقته، فتولدت لديه روح جهادية.

    استكمل محمد بن فيالة ثورة المقراني في منطقته سنة 1871م، حيث جمع المقاومون وبدأ يشن هجمات مباغتة ضد المعسكرات الفرنسية ومستوطناتهم، وكذا منشآتهم كالسكك الحديدية، كبد خلالها المستعمر خسائر فادحة، ووسع مقاومته إلى مناطق أخرى مجاورة لبلدته.

    في يوم 21 غشت/ أغسطس 1871م، وبمساعدة بعض الخونة باغتت القوات الفرنسية القائد محمد بن فيالة وهو في مقر زاويته، وطوقت المنطقة وتمكنت من إلقاء القبض عليه واقتادته أسيرًا إلى سجونها.

    لا تزال هذه الشخصية المنسية تحتاج لمزيد من الدراسة لتأريخ سيرتها الثورية.

    5- كريم بلقاسم

    كريم بلقاسم

     

    رجل ذو تكوين سياسي وعلمي حديث، إذ تخرج من جامعة ساروي، وانخرط مبكرًا في النضال السياسي مع حزب الشعب في الفترة ما بين 1945 و1947، لكنه في الأخير آمن بأنه ليس هناك طريق أفضل من الثورة، فرحل إلى الجبال لينضم للمقاومين المندسين.

    يعد أحد المفجرين للثورة الجزائرية والمنظرين لتأسيس جيش جبهة التحرير الوطني، حضر اجتماعات تأسيسه وعين كقائد لمنطقة “القبايل”، كما قاد أولى العمليات العسكرية لجيش التحرير ضد القوات الفرنسية.

    كان له الفضل في إفشال العديد من مخططات المستعمر التآمرية لإجهاض جيش التحرير، نظرًا لحنكته السياسية ورؤيته العسكرية الحديثة.

    شغل منصب وزير القوات المسلحة في النسخة الأولى للجمهورية الجزائرية، وفي النسخة الثانية وزير الشؤون الخارجية، ووزير الداخلية في الثالثة، شارك في مفاوضات “إيفيان” من أجل استقلال الجزائر، وكان من بين الموقعين عليها. تم اغتياله بعد الاستقلال في 18 أكتوبر 1970 في فندق بمدينة فرانكفورت بألمانيا، بسبب الصراعات السياسية بين المكونات الجزائرية بعد الاستقلال.

    تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء المقاومين الذين أوردناهم، ما هم إلا أفراد من بين مئات من رموز المقاومة الجزائرية، الذين ربما لم يحالفهم الحظ بما فيه الكفاية لتأريخ قصصهم الثورية البطولية ضد المستعمر الفرنسي.

    اقرأ أيضا: الملف المطمور: عندما ارتكبت فرنسا أول إبادة جماعية بالأسلحة الكيماوية في الأغواط

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!