«لقد أسموه متحف الإنسان، مع أنه كان يجب أن يسمى متحف الحيوان، لأن فيه إهانة لأشرف رجال الجزائر» *عمار سعداني، الأمين العام السابق لحزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم بالجزائر

باريس عاصمة الجن والملائكة؛ ومدينة النور التي تحكي كلّ زاوية منها روايةً تمزج بين الواقع والخيال، ويبقى للتاريخ مهمة روايتها مصحوبة في الكثير من الأحيان بالإثارة والغموض. فمن كان يصدّق أن عاصمة النور، ومدينة الرومانسية والعشّاق، بها متحفٌ يعرض رؤوسًا بشرية. فغير بعيدٍ عن برج إيفيل، وفي قلب الدائرة السادسة عشرة في باريس يقع ما يسمى بـ«متحف الإنسان» الذي يضم مختبرًا يتيح فهمًا أفضل للإنسان وأصوله، ويعرض أكثر من 18 ألف جمجمةٍ بشرية لقادة المقاومة الشعبية والسكان الأصليين للمستعمرات الفرنسية حول العالم؛ أمام السيّاح والزوار الذين تعجّ بهم العاصمة الفرنسية باريس.

متحف الإنسان.. في البدء كانت الدواعي البحثية

قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ وبينما كانت فرنسا تضع يدها على مستعمراتٍ كبيرة عبر العالم حوّلتها إلى إمبراطوريةٍ، وفي سياقٍ غامض لظهور الفاشيات في أوروبا؛ تمّ إنشاء متحف الإنسان في باريس في 20 يونيو (حزيران) عام 1938، بواسطة عالم الأنساب الفرنسي بول ريفت وبدعمٍ مباشرٍ من الحكومة الفرنسية حينها؛ على أساس أن يكون امتدادًا لمتحف علم الأعراق (تروكاديرو) الذي أنشئ بباريس سنة 1878.

بول ريفت؛ مؤسس متحف الانسان بباريس

بول ريفت؛ مؤسس متحف الانسان بباريس

كان الهدف من إنشاء هذا المتحف حسب مؤسس المتحف بول ريفت: «إثبات أنّ العنصر الأوروبي هو أصل البشرية»، وذلك عن طريق تجميع كل ما يتعلق بالإنسان، من تطور الكائن البشري (حقب ما قبل التاريخ) والتجمعات والتفرقات البشرية (علم الإنسان أو الأنثروبولوجيا) وما يعبر عن الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان (علم الأعراق) وعرضها في المتحف؛ للإجابة عن أسئلة: من نحن؟ من أين نأتي؟ إلى أين نتجه؟ قصد فهم الإنسان والمكان الذي يشغله في الأحياء. ويضمّ تسع مجموعاتٍ بحثية هي: تشريح، وأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، وأحافير التاريخ، والمعادن، وعصور ما قبل التاريخ، وعلوم طبيعية والهياكل العظمية.

ورث المتحف عند افتتاحه سنة 1938؛ مقتنياتٍ كبيرة عن مجموعات تاريخية جُمعت من مخازن التحف ومن المخازن الملكية طيلة الحقبة الممتدّة من القرن السادس عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، واحتوت على آلاف الجماجم البشرية لسكان وقادة أهالي المستعمرات الفرنسية طيلة تلك الحقبة، ومن بينها جماجم أكثر من 18 ألف ثائر جزائري وعربي قطعت فرنسا رؤوسهم بناءً على أحكامٍ عسكرية، أو نكّلت بجثثهم بعد انتهاء المعارك، لتقرر بعدها تجميعهم في متحف الإنسان ولم يتمّ الكشف عنها سوى سنة 2011.

وبالإضافة لجماجم الثوار والمقاومين العرب في المستعمرات الفرنسية؛ يتواجد أيضًا داخل المتحف مئات الجماجم لشخصيات عالمية أبرزها جمجمة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت التي لا تزال معروضة إلى اليوم بالمتحف؛ وكذلك جمجمة سليمان الحلبي، الطالب الأزهري السوري الذي قتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية في مصر، والذي لا تزال جمجمته في المتحف إلى الآن، فيما سبق وأن عرض المتحف جمجمة أيقونة النضال الجنوب الأفريقي سارة بارتمان والتي تمّ أستعادتها ودفنها بجنوب أفريقيا سنة 1974.

لماذا تتباهى فرنسا بعرض جماجم ثوار مستعمراتها السابقة؟

ربما تكون الصورة المطبوعة في ذهن الكثير من الجزائريين والعرب عن مدينة باريس، تتمثل في الشوارع الصاخبة التي تتناثر المقاهي على جنباتها، والقصور التاريخية ذات الحدائق البرّاقة، والمتاحف والمسارح الفنية، والأشجار السارحة المصطفّة على ضفاف نهر السين العذب؛ غير أنّ تلك الصورة قد تهتزّ حين تعلم أنّ أزيد من 18 ألف جمجمةٍ بشرية تعود إلى قادة وثوار عرب من سوريا ومصر شرقًا إلى تونس والجزائر غربًا تتباهى فرنسا بعرضها في متحف الإنسان.

آلاف الجماجم البشرية تعرض في متحف الإنسان

هذه القصة كانت حبيسة رفوف المتحف الفرنسي وحبيسة الروايات التاريخية التي تتحدث عن اختطاف آلاف الرؤوس البشرية بالجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، إلى أن أُثيرت القضية لأوّل مرّة في مارس (أذار) 2011 عن طريق الباحث الجزائري علي فريد بلقاضي.

وفي أكتوبر (تشرين الأوّل) 2016، بثّت قناة «فرنسا 24» الفرنسية، تقريرًا كشفت فيه لأوّل مرّة عن وجود أكثر من 18 ألف جمجمة؛ محفوظة بمتحف الإنسان في باريس؛ منها 500 فقط جرى التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائدًا من المقاومة الجزائرية أبرزهم الشيخ بوزيان وشريف بوبغلة، وسي موسى الدرقاوي المحارب المصري الذي ساند المقاومة الجزائرية؛ وسي مختار بن قويدر الطيطراوي، والرأس المحنطة لعيسى الحمادي الذي كان ضابطًا لدى شريف بوبغلة، وكذلك رأس الضابط محمد بن علال بن مبارك، الذراع اليمنى للأمير عبد القادر؛ والذين قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن التاسع عشر، وكانت تلك الصور التي بتثّها القناة الفرنسية الأولى من نوعها.

وبعد أشهر من الكشف عن وجود تلك الجماجم، وأثناء زيارته للجزائر أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استعداد سلطات بلاده لسنّ قانون يسمح بتسليم تلك الجماجم التي تطالب السلطات الجزائرية بنقلها لدفنها، مقابل سماح السلطات الجزائرية بعودة قدماء المحاربين الجزائريين «الحركي» – الذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي ضد الجزائريين – إلى بلادهم الجزائر.

لماذا تصرّ فرنسا على إبقاء تاريخها الأسود حيًّا بمتحف الإنسان؟

نجحت الجزائر أخيرًا في استرجاع الدفعة الأولى من رفات شهدائها المتواجدين بمتحف الإنسان؛ وذلك بعد مفاوضاتٍ ماراثونية مع السلطات الفرنسية استمرّت منذ سنة 2011، حتى الثاني من يوليو (تموز) الجاري لاستعادة جماجم المحاربين الجزائريين في الثورات الشعبية التي اندلعت في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر.

واستلمت الجزائر أمس رفات 24 جمجمةً لقادة وثوار جزائريين من أصل أزيد من 500 جمجمة تمّ التعرف على هويات أصحابها بينما لا تزال آلاف الجماجم الجزائرية مجهولة الهوية معروضةً في جناحٍ خاص بالمتحف.

وترجع بداية الجهود الجزائرية لاسترجاع تلك الجماجم، إلى التحركات التي قام بها الباحث الجزائري علي فريد بلقاضي سنة 2011 وجهوده في كشف القصة، والتي تلتها جهود الأستاذ الجزائري في جامعة «سيرجي بونتواز» الفرنسية إبراهيم سنوسي الذي تمكّن من جمع قرابة 30 ألف توقيع لاسترجاع بلاده لهذه الجماجم.

الجماجم الجزائريّة في قبو متحف الإنسان في باريس
الجماجم الجزائريّة في قبو متحف الإنسان في باريس

وكشفت جريدة الشروق الجزائرية عن رفض مدير متحف الإنسان بباريس، برونو دافيد، في شهر فبراير (شباط) 2016، مقترحًا لحركة المواطنين الجزائريين بفرنسا لإعادة الجماجم، على اعتبار أن محتويات المتحف ملك للدولة الفرنسية.

الجهود الرسمية الجزائرية بدأت فقط حين صدم الرأي العام العالمي بما كشفته إحدى القنوات الفرنسية حول الرقم المهول للجماجم الجزائرية المتواجدة في متحف الإنسان بباريس؛ وذلك بعد أن طالبت الحكومة الجزائرية نظيرتها الفرنسية في 9 يونيو 2016 بإدراج القضية ضمن المباحثات الجزائرية الفرنسية وإيجاد السبل المناسبة لاسترجاع الرفات.

ولعلّ أبرز تطوّرٍ في ملف المفاوضات؛ كان تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء زيارته للجزائر في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2017، حين تعهد بالعمل على تسليم جماجم شهداء المقاومة الشعبية المتواجدة في متحف الإنسان بباريس.

واستمرت المفاوضات من حينها إلى غاية إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يوم الخميس الماضي، أن بلاده ستستقبل الجمعة – يوم أمس – رفات 24 من قادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، بعد أن كانت معروضة في متحف باريس.

جدير بالذكر أنه في مايو (أيار) 2010، صادق البرلمان الفرنسي على قانون يسمح بإعادة جماجم محاربي «الماوري» الذين جرى الاحتفاظ بهم بفرنسا إلى موطنهم الأصلي نيوزيلندا، وبالفعل أُعيدت 20 جمجمة لقادة الماوري الموجودين في متحف الفرنسي منذ عام 1875. ولحدّ الآن تم إعادة 200 جمجمة من جماجم محاربي «الماوري» إلى أزيد من 14 دولة عبر العالم، في وقتٍ لا يزال أكثر من 500 جمجمة في المتحف الفرنسي، وأعادت السلطات الفرنسية جمجمة الثائر أتاي إلى قبيلته في كاليدونيا الجديدة.

ويحاول نشطاء سوريون ومصريون الضغط على السلطات الفرنسية من أجل تسليم رفات البطل سليمان الحلبي، الذي قام بقتل بقتل الجنرال الفرنسي كليبر أثناء الحملة الفرنسية على مصر.

الجزائر تسترجع جماجم شهدائها

ولا تزال الرواية الفرنسية الرسمية التي تُرجع بقاء المتحف الذي يمثّل إهانةً للإنسانية إلى دواعٍ بحثية وعلميةٍ، في وقتٍ يُرجع فيه نشطاء جزائريين مسألة الإبقاء على الجماجم البشرية داخل المتحف إلى دائرة الحقد المستمر الذي تكنّه فرنسا للجزائريين وإلى ثوار مستعمراتها السابقة.

وفي هذا الصدد يرى الباحث في التاريخ فريد الأخضر في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الشجاعة والبسالة والصمود الذي كان عليه ثوار المستعمرات الفرنسية خصوصًا بالجزائر هو الذي يغذي الحقد الفرنسي، والانتقام من هؤلاء الرجال بالاحتفاظ بجماجمهم لليوم» مضيفًا «هذا المتحف هو الدليل القاطع على الجرائم الفرنسية التي لن تسقط بالتقادم ضد المستعمرات، فرنسا لها تاريخ أسود تفتخر به إلى اليوم للأسف في متحف العار».

ولا يزال الكثير من الجزائريين ينتظرون محاكمة السلطات الفرنسية على مأساة عرض جماجم أهاليهم وأجدادهم في متحف الإنسان؛ وفي هذا الصدد يؤكد المحامي الجزائري عبد الله دروش لـ«ساسة بوست»، أنّ «معاهدة روما (1998) المتعلقة بجرائم الحرب، تبيح للجزائريين محاكمة فرنسا»؛ لأنّ «جرائم الحرب وجرائم الدول لا تسقط بالتقادم، وفق ما هو متعارف عليه قانونًا والاحتفاظ بجماجم الثوار الجزائريين والعرب داخل متحف الإنسان بباريس وعرضها والتباهي بها للجمهور تعدّ جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي».

تاريخ

منذ 5 شهور
حين حولت فرنسا أطفال الجزائر لفئران تجارب من أجل تجاربها النفسية

المصادر

تحميل المزيد