تحظى «حركة مجتمع السلم» -أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر- والقريبة من فِكر الإخوان المسلمين بحضور كبير داخل المشهد السياسي؛ وهو ما يجعل مسألة تقديمها مرشّحًا للانتخابات الرئاسية المُقبلة، التي أعلنت وزارة الداخلية فتح باب الترشح لها منذ ثلاثة أيام، خطوةً يترقّبها الجميع، وعلى رأسهم السلطات الجزائرية، التي لطالما دخلت معها في تفاهمات في قضايا سابقة، وكانت عاملًا مساعدًا لها في تخطي الكثير من الأزمات التي هددت شرعيتها. لكن هذه العلاقة مع السلطة شهدت عدّة منعطفات وأزمات على مدار السنين، منذ تأسيس الحزب إلى يومنا هذا. يرسم التقرير التالي صورةً عن أنماط العلاقة بين الحركة، والسلطات الجزائرية على مدار العقود الماضية، والاحتمالات الممكنة لإعادة توظيف السلطة لـ«إخوان الجزائر» في الانتخابات الرئاسية المُقبلة.

«العشرية السوداء».. الواقعة الأولى لتعاون الحكومة مع التنظيم

في أعقاب انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ الكاسح في الانتخابات مع بداية التسعينات، وهو الكيان المحسوب على تيار الإسلام السياسي، والأكثر تشدّدًا في تفسير نصوص الشريعة الإسلامية من الإخوان المسلمين، في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في ديسمبر (كانون الأول) 1991، تحرّكت السلطات الجزائرية مُمثّلة في جيشها لوقف العملية الانتخابية؛ بعدما خالفت هذه النتائج تصوّراتها لهندسة المشهد السياسي، وخلطت أوراقها، وأنذرت بحدوث تغيير جذري في رأس السلطة.

قررت حينها السلطات الجزائرية وقف العملية الانتخابية في يناير (كانون الثاني) 1992، تحت دعوى حماية الأمن القومي للبلاد؛ وأعقب ذلك حملة اعتقالات وقمع واسعة لمُنتخبي الجبهة الإسلاميّة وأنصارها، وهو مّا أدّى إلى اتّجاه أنصار الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ إلى الالتحاق بالجبال، وحمل السلاح ضد النظام، ممّا أدخل البلاد في حرب أهليّة استمرّت طيلة عقد التسعينيات، قدّمت خلالها الجزائر أكثر من 200 ألف قتيل، وفقًا للإحصائيات شبه الرسمية، واختفى نحو 7 آلاف آخرين.

أدرك الإخوان المسلمون مُمثّلين في «حركة مجتمع السلم» آنذاك، أن الفرصة مواتية لإعادة تقديم أنفسهم للسلطة باعتبارهم فصيلًا إسلاميًّا معتدلًا؛ يرفض العنف وحمل السلاح ضد الدولة، ويقف مع السلطات يدًا بيدٍ ضد مُمارسات هذه الكيانات المحسوبة على الإسلام السياسي؛ لتتجاوب الدولة مع هذه الرغبة، وتشرع في استخدامهم لتسويق حربهم ضد «الإرهاب» وليس الإسلام؛ عبر الترويج الدائم أن أبرز فصائل الإسلام السياسي يقف داعمًا للدولة في حربها ضد الجهاديين.

خدم الدعم الذي قدمه الإخوان، مُتمثلًا في تزكيات جملة من قرارات السلطة، السلطات الجزائرية في حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ والذي ظل قائمًا حتى بعد خيار المصالحة الوطنية الذي عرفته البلاد منذ عام 1999.

5 أسباب لاستمرار بوتفليقة في الحكم

انعكس هذا النهج التقاربي من جانب الإخوان تجاه الدولة، خلال تلك الفترة الزمنية، في جملة من المكاسب التي حققتها سواء من خلال صدور عفو شامل عن أحد أبرز قادتها، محفوظ نحناح، بعد صدور حكم ضده بالحبس 15 عامًا، أو على مستوى المشروعية السياسية التي اكتسبتها الحركة من جانب السلطات الجزائرية؛ والتي أدت في النهاية لإعلانها تأسيس حزب سياسي حمل مسمى «حركة المجتمع الإسلامي»، وعُقِد أول مؤتمر للحركة في 29 مايو (أيار) 1991، والمُشاركة في تأسيس المجلس الوطني الانتقالي بخمسة أعضاء في 1994، فضلًا عن السماح لمرشح حركة حمس بخوض الانتخابات الرئاسية 1995، ليحل في المركز الثاني.

(عبد المجيد مناصرة، رئيس الحركة الإسلامية الجزائرية)

الصعود الكبير الذي تحقق لحركة «حمس»، والشعبية الكبيرة لها باعتبارها فصيلًا إسلاميًّا «معتدلًا»، يقبل التفاوض والمساومة للحصول على مكاسب سياسية؛ جعلت السلطات الجزائرية تدعوها للمُشاركة في الحكومة الجزائرية عام 1996، ثم المشاركة بسبعة وزراء في العام التالي. غير أن هذه التفاهمات لم تستمر طويلًا بعدما أدركت السلطات الجزائرية طموحات الحركة للقفز على السلطة، وكسر التقاليد التي أرستها السلطة في تفاهماتها مع المجتمع؛ لتتحجج بأسباب غير واقعية لعرقلة ترشح نحناح لانتخابات الرئاسة المبكرة سنة 1999.

برجماتية الحركة بوصفها لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي يرغب في الاستمرار، وتمثُّل مشهد إطاحة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، جعلا الحركة تتقبّل إطاحة مرشحها؛ بل وتدعم في إطار ائتلافي مع أحزاب السلطة، المرشّح الذي نال تزكية الجيش حينها، عبد العزيز بوتفليقة.

ظلت الحركة على عهدها في دعم النظام والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، مع ترك هامش لبعض كوادرها للاحتجاج على سياساته، بالتزامن مع الموقف الرسمي المعلن، خصوصًا بعدما باتت الحركة عضوًا رئيسيًا في التحالف الرئاسي المكون في 2004. أخذ هذا الهامش يتّسع مع مرور الوقت، مقابل انحسار التفاهمات مع السلطة، خصوصًا بعدما انشقت مجموعة مؤثرة داخل الحركة احتجاجًا على دعم أبي جرة سلطاني -الذي انتخب رئيسًا للحركة خلفًا للشيخ محفوظ نحناح- الرئيس بوتفليقة، والتعديلات الدستورية التي سمحت للرئيس بتمديد فترته في 2008.

وقد أسفر اتساع هذا الهامش عن انتخاب رئيس جديد للحركة، وهو عبد الرازق مقري، في عام 2013، والذي نهج خطًّا سياسيًّا مخالفًا لأبي جرة السلطاني؛ من حيث تغيير في الهيكل القيادي للحركة، والميل دومًا للتنسيق مع الأحزاب السياسية المعارضة للنظام، والتي أدت إلى انضمام الحزب إلى «التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي»، وإصدار موقف رسمي من جانب الحركة بمقاطعة الانتخابات الرئاسية في 2014، داعية إلى عدم ترشح بوتفليقة لفترة رئاسة رابعة، ثم دعودتها إلى انتقال ديمقراطي توافقي بين السلطة والمعارضة، وإحداث إصلاحات سياسيّة.

ولعل خفوت أحوال تنظيمات الإخوان المسلمين في العديد من بلدان العالم العربي، على رأسها التنظيم الأم في مصر، جعلت الحركة الجزائرية تعود من جديد لسياسة التفاهمات والحد من خطها المعارض عبر طرح مقاربة من جانب مقري في خطاب عام 2015، دعا إلى تبني خيار الحوار مع النظام والمعارضة للخروج من الأزمة السياسية.

موند أفريك: كيف فكك بوتفليقة جهاز المخابرات؟

هل تعود الحركة من جديد لخدمة النظام في الانتخابات المُقبلة؟

تُشكّل الانتخابات الرئاسية الجزائرية المُقبلة محورًا مهمًا في إعادة التأسيس للعلاقة بين الإخوان والنظام الجزائري، خصوصًا في ظل سعي السلطات لتأمين استمرار بوتفليقة، وسط تصاعد غضب قطاع كبير من الشعب والأحزاب السياسية المعارضة لاستمراره.

ولعل المؤشر المهم الذي قد يكون عاملًا مؤثرًا في قبول الحركة بعودة التفاهمات من جديد مع السلطة، وتقديم تنازلات خلال هذه الانتخابات، هو رفض السلطات الجزائرية مقترح المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة اعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، بعدما طُلب من وزير الخارجية الجزائري خلال زيارته الرياض في أبريل (نيسان) 2014 ذلك الأمر؛ وقوبل بالرفض من جانبه.

وكان عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السّلم» (حمس) الجزائريّة، قد أجاب عن سؤال: «مقاربة حركة مجتمع السلم لرئاسيّات 2019» في حوار لـ«ساسة بوست» خلال مارس (آذار) العام الماضي، بتصريحات توافقية تفتح الباب أمام خيار التنسيق مع السلطة، دون رفض الحوار أو الجزم بعدم استمرار بوتفليقة، قائلًا: «الذي يهمنا هو تحقيق الإصلاح والتغيير والانتقال الديمقراطي، ليس لدينا خصومة مع أية جهة على الإطلاق، الانتخابات الرئاسية بالنسبة لنا موعد مهم قد يساعد في بداية الإصلاح والتغيير في الجزائر. بالنسبة لنا يجب أن نفحص هذه الانتخابات، هل هي فرصة للتوافق، مثل مشروع مازفران، أو المشروع الذي طرحناه قبل مازفران، مثل مشروع الإصلاح السياسي، أو المشروع الذي طرحه الأفافاس، أو جهة أخرى، هل هو فرصة للتوافق؟ الأحزاب تتفاهم، والمعارضة والسلطة تتفاهم، سنفحص إذا ما كانت فرصة للديمقراطية».

شاهد مهم على مسعى الحركة نحو خيار التفاهم مع السلطة من جديد، وتقديم مساومات، هو ما نشرته صحيفة الخبر الجزائرية، وتأكدت من مضمونه صحيفة «القدس العربي» عبر التواصل مع مصادر من الحركة، من وثيقة داخلية للحركة تكشف أن رئيس الحركة التقى شقيق الرئيس عدة مرات، ووصلا لاتفاق كتابي على تأجيل الانتخابات، والذهاب نحو ندوة توافق، في تحوّل مهمّ نحو إعادة خيار التفاهم الذي يخضع للمنطق البرجماتي من جديد بين الطرفين، ونقض لتصريح سابق صادر عن مقري على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» في 30 ديسمبر العام الماضي، بأن «العهد البوتفليقي انتهى!».

وأشارت الوثيقة إلى أن عبد الرازق المقري يحاول إقناع رؤساء مكاتب الحركة بمشروع تأجيل الانتخابات الذي دعا إليه في الأشهر الأخيرة، شريطة إحداث إصلاحات سياسيّة، حسب قوله، مبررًا ذلك بما ذكره له شقيق الرئيس الجزائري، ومستشاره الأهم، حول أن عائلة الرئيس «تخشى على سلامتها في حال انتقال السلطة إلى جهة أخرى، وكذا أن الرئيس لا يريد أن تنتقل الصلاحيات الواسعة التي جمعها طوال 20 سنة إلى من سيخلفه، وأن صحة الرئيس اليوم ليست على ما يرام، وأن ذلك أكثر ما يزعج عائلته، التي كانت تريد تمديد الولاية الرئاسية الحالية بسنة واحدة على الأقل أو سنتين، بسبب الصراعات القائمة على الخلافة».

ويكتسب هذا اللقاء أهمية مضاعفة من واقع الأهمية السياسية لشقيق الرئيس سعيد بوتفليقة؛ فهو مستشار الرئيس في رئاسة الجمهورية، وقد أُثارت احتمالات واسعة عن مدى إمكانية خلافته لأخيه الأكبر، خصوصًا بعد تزايد التسريبات بين أروقة السلطة الجزائرية عن كونه الحاكم الفعلي بعد المرض الذي أصاب شقيقه، وأقعده عن ممارسة صلاحياته الدستورية الواسعة.

ويبدو أن الانعكاس العملي لهذه الوثيقة هو عدم طرح حركة مجتمع السلم مرشّحًا لها في الانتخابات الرئاسية إلى الآن، وذلك بعد مرور 72 ساعة على فتح باب الترشح، إلى جانب حديث مقري خلال تجمع في محافظة المسيلة شرقي البلاد، إلى وجود توجهين داخل النظام: الأول يريد عهدة خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والآخر يريد ترشيح شخصية من النظام نفسه.

لكن مصدرًا موثوقًا داخل الحركة أوضح لـ«ساسة بوست» أنهم سيدفعون بمرشح لهم في الانتخابات الرئاسية، وبرر ذلك بأن الحركة في ظل رئيسها الحالي تسعى بجد إلى فرض نفسها في الساحة، والوصول إلى السلطة أو على الأقل رفض موقعها السابق بأن تكون مجرّد تابع أو قوة هامشية، مستشهدًا بعدة شواهد أهمها: رفض الحركة دخول الحكومة في سنة 2017 بعدما عرض عليها النظام ذلك، وثاني الشواهد هو دخولها الانتخابات الرئاسية المقبلة ومعارضتها الشديدة للعهدة الخامسة.

المصادر

تحميل المزيد