لم تكن هذه المرة الأولى التي يحضر فيها الإمام مسابقات رعاة البقر، حيث كان من المقرر أن يُلقي خطبته في مهرجان فورت وورث ستوك لرعاة البقر الأسبوع الماضي، ولكن الإمام مجاهد بخاش من الرابطة الإسلامية المحلية لمقاطعة تارانت ألغى خطبته بسبب ردات الفعل الغاضبة التي نجمت عن صلاته التي أقامها قبل بضعة أيام، والتي طُلب منه فيها مباركة الخيل والخيالة وأفراد الجيش، حيث قوبل حينها بصيحات الجمهور الغاضبة وتعليقات وسائل الإعلام الاجتماعية المنددة والتي كان فحواها أن “رعاة البقر لا يريدون للإمام المشاركة”. المشاعر المعادية للإسلام بدأت تشهد انتعاشًا في الآونة الأخيرة؛ فقبل أربعة أيام من إلغاء خطبة الإمام، تعالت صيحات المحتجين في كابيتول أوستن لإسكات الخطباء المسلمين، حيث كانت الصيحات تشير إلى أن تكساس تدين باسم يسوع وحده، وفي ولاية كارولينا الشمالية قبل أسبوعين، ألغت جامعة ديوك خطتها لبث آذان الفجر بعد تلقيها لتهديدات تلوح باستخدام العنف، وفي ذات الوقت قال حاكم ولاية لويزيانا بوبي جندال من الحزب الجمهوري “إذا كان المسلمون الأميركيون يريدون إقامة ثقافاتهم وإحياء قيمهم، فهذه ليست هجرة، بل هذا غزو بكل معنى الكلمة”. بغض النظر عن قلق الناس الخائفة من الإسلام، فإن فكرة غزو المسلمين لهذا البلد ذو الأغلبية المسيحية ليس لها أساس في الواقع، بل إن هذه الفكرة تحمل تلميحًا مبطنًا سخيفًا يشير إلى أن المسلمين في أمريكا يناهضون الولايات المتحدة، على الرغم من أن المسلمين وصلوا إلى هذه البلاد قبل تأسيس الولايات المتحدة، ولم تكن أعدادهم قليلة بل كانوا بالآلاف. ولكن للأسف، تم تجاهل هذه الفئة الكبيرة إلى حد كبير، حيث لم يكن المسلمون أحرارًا في ممارسة شعائرهم الدينية، بل إن المسلمين أنفسهم لم يكونوا أحرارًا على الصعيد الشخصي، حتى إنهم في معظم الأحيان لم يستطيعوا ترك سجلات توثق معتقداتهم ضمن هذه البلاد، ولكن لحسن الحظ تركوا ما يكفي من السجلات للتأكيد على أن الإسلام في أمريكا ليس دين المهاجرين الذي أصبح معروفًا في الآونة الأخيرة، ولكنه دين تقليدي متجذر بعمق في الأرض الأمريكية، على الرغم من كونه من بين أكثر الأديان التي تعرضت للقمع على طول التاريخ الأمريكي. في عام 1528، جاء عبد مغربي يدعى إستيفانيكو مع فرقة المستكشفين الإسبان إلى المدينة الأمريكية التي سُميت فيما بعد غالفستون بولاية تكساس، وإستيفانيكو نشأ وترعرع في مدينة أزمور، التي كانت حصنًا للمسلمين ضد الغزو الأوروبي، ولكنها سقطت تحت هذا الاحتلال عندما أصبح إستيفانيكو شابًا، وهناك تم استعباده وأُطلق عليه هذا الاسم المسيحي من قِبل الأوروبيين، يقال بعدها إنه هرب من سجانيه المسيحيين، وانطلق بمفرده إلى مناطق من الجنوب الغربي. بعد هذا التاريخ بحوالي 200 سنة، عمد أصحاب المزارع في لويزيانا لإضافة المسلمين المستعبدين لقواهم العاملة، للاستفادة من خبراتهم في زراعة نبات النيلة والأرز، وقد لاحظ العلماء وجود أسماء إسلامية وألقاب دينية إسلامية ضمن حاجيات الرقيق أو وثائق الوفاة التي تم أخذها من هذه المستعمرات. كان المسلم الأشهر الذي مرّ عبر ميناء نيو أورليانز هو عبد الرحمن إبراهيم بن سوري، أمير مسلم من غرب إفريقيا أُسر واقتيد عبدًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لفتت محنة ومعاناة ونضال هذا الأمير الأسير انتباهًا واسعًا في الأوساط الأمريكية، وكتبت عنه إحدى الصحف المحلية وذكرت أنه قرأ الكتاب المقدس وأُعجب بمبادئه، لكنه أضاف “اعتراضي الأساسي هو أن المسيحيين لا يتبعون المبادئ المذكورة في هذا الكتاب”. أيضًا من بين المسلمين المستعبدين في ولاية كارولينا الشمالية كان مُعلم ديني يدعى عمر بن سعيد، حيث تم إعادة إلقاء القبض عليه في عام 1810 بعد أن هرب من سيده القاسي الذي وصفه بأنه كافر، وأصبح بن سعيد معروفًا بتدوينه لكتابات باللغة العربية على جدران زنزانته، وفي عام 1831 كتب واصفًا كيف كانت حياته عندما كان حرًا، حيث أشار أنه كان يحب قراءة القرآن ولكن بعد العبودية أجبره أسياده على التحول إلى الدين المسيحي. قصة الإسلام المُبكر في أمريكا لا تقتصر على أفراد معزولين ومشتتين هنا وهناك، بل يذكر التاريخ أن حوالي 20% من الأفارقة المستعبدين كانوا من المسلمين، وهؤلاء سعوا لإعادة بناء مجتمعات إسلامية كالتي كانوا يعرفونها ضمن الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي جورجيا كان من المعروف أن المسلمين عاشوا في مزرعة منعزلة تحت لواء زعيم ديني كتب مخطوطات عن الشريعة الإسلامية حتى تبقى هذه الشريعة على قيد الحياة ضمن أمريكا المسيحية. يمكننا إيجاد بعض الأدلة عمّا حدث للمسلمين الأمريكيين المنسيين ضمن عبارات الحملات التبشرية بالإنجيل التي انطلقت إلى مزارع العبيد في الجنوب الأمريكي، حيث يشير توثيق هذه الحملات إلى أن العديد من “الأفارقة المحمديين” حاولوا ابتكار طرق ووسائل لجعل الإسلام يستوعب المعتقدات الجديدة التي فُرضت عليهم، فهم يقولون مثلاً “هنا يقولون عن الرب GOD وهو ذاته الله، كما أن يسوع المسيح هو ذاته محمد، الدين هو ذاته، ولكن الدول المختلفة تُطلق عليه أسماء مختلفة”. الحملات التبشيرية تعتبر ما كان يقوله هؤلاء المسلمون الأفارقة على أنه دليل مؤسف على عدم قدرة المسلمين على استيعاب أهمية الحقائق الدينية، ولكن واقع الأمر يثبت عكس ذلك تمامًا؛ فهؤلاء أدركوا أهمية إيمانهم حتى عرفوا أنهم ينبغي عليهم الاستماع له في كل مكان، حتى في بلد بعيد جدًا عن البلاد التي سمعوا فيها الدعوة إلى الصلاة لآخر مرة. الإسلام هو جزء من تاريخنا المشترك، وهذا الإيمان المرن ليس نابعًا فقط من المستعبدين، ولكنه جاء أيضًا مع المهاجرين العرب في أواخر القرن الـ19 وفي القرن الـ20، ولأجيال، تناقص عدد معتنقي الإسلام في الأمة التي تتبجح أمام العالم بوعودها حول الحرية الدينية، ولكن الأحداث وثقت وتوثق كذبتها الكبيرة حول تلك الوعود. بمعنى آخر، الإسلام هو أمريكي مثله مثل مسابقات رعاة البقر، هذه المسابقات التي استوردناها من الخارج أيضًا، ولكننا الآن لا ننكر أنها جزء من ثقافتنا، وسواء رغب المحتجون في ولاية تكساس وفي أماكن أخرى أو لم يرغبوا، فلا مناص من أن بعض المسلمين سيدعون أطفالهم يكبرون ليصبحوا رعاة البقر، كما قد يكبر بعض أولاد رعاة البقر ليصبحوا مسلمين كذلك.