منذ تولي نابليون بونابرت السلطة في فرنسا عام 1799 وحتى خسارته النهائية في معركة واترلو الحاسمة عام 1815، أخضع الجنرال الشاب أوروبا وضبط تحرُّكات جميع دولها على إيقاع حروبه (الحروب النابليونية). لم تسلم دولةٌ في أوروبا القاريَّة من وطأة تهديد جيشه الذي غزا مصر أيضًا، وهدد إمبراطورية بريطانيا، التي كانت خصم نابليون الأول ومركز أهداف استراتيجيته. فكيف فعل نابليون ذلك؟

منذ تولي نابليون السلطة في فرنسا عام 1799 وحتى خسارته النهائية في معركة واترلو الحاسمة عام 1815، أخضع الجنرال الشاب أوروبا وضبط تحرُّكات جميع دولها على إيقاع حروبه. لم تسلم دولةٌ في أوروبا القاريَّة من وطأة تهديد «الجيش العظيم – Grande Armée» الذي غزا مصر أيضًا، وهدد الإمبراطورية البريطانية، التي كانت خصم نابليون الأول ومركز أهداف إستراتيجيته.

تشير دراسة أجراها الباحث إيثان آرشت أنّ نابليون كان أعظم جنرال في التاريخ. وبغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع نتائج هذه الدراسة، يمكننا القول – دون المخاطرة بالوقوع في أي مبالغة – أنّ نابليون كان من أعظم القادة العسكريين في التاريخ العسكري بشكلٍ عام وأوروبا بالأخص.

بل وأنّ أوروبا الاستعمارية – وبالتالي العالم – من بعده لم يعودا بعد حروبه كما كانا قبلها، إذ تنظر العديد من الدراسات التاريخية والاجتماعية للحروب النابليونية باعتبارها نقطةً فاصلة يمكن تأريخ ظهور الحرب الحديثة عندها. بالإضافة إلى لعب الحقبة النابليونية دورًا مهمًّا في تشكّل الدولة القومية الحديثة وقدرتها على تعبئة الموارد والمواطنين في الحروب والمجالات المدنية وتطوير موارد الدولة باستحداث نظم ضريبية كانت استكمالًا لما بدأته الثورة الفرنسية، ولعبها دورًا مهمًّا في تشكل الهويات القومية في أوروبا.

كان لكل هذه الأمور آثارها الكبيرة على تاريخ العالم ككل فيما بعد، كما أنّ «فنّ الحرب» قبل نابليون مختلف جذريًّا عنه بعده. بالإضافة إلى أنه أشغل المختصين حتى اللحظة، فمن العلوم العسكرية حتى الأدب مرورًا بالعلوم الاجتماعية كان وما زال لنابليون وإصلاحاته في الجيش والدولة وتاريخ تلك الحقبة أثرٌ كبير وأرضٌ خصبة للبحوث والدراسات والروايات والقصائد.

Embed from Getty Images
نابليون بونابرت أثناء معركة واترلو

تبنّت كثيرٌ من جيوش أوروبا تكتيكات نابليون العسكرية بعده، وكان لهذا أثرٌ كبير في التفوق العسكري الهائل للأوروبيين في القرن التاسع عشر والقرن العشرين على خصومهم ومقاومي استعمارهم خارج القارة، كما أنّ التنظيمات النابليونية في الضرائب التي موَّلت جيوشه وحملاته الضخمة كان لها دور كبير في تشكل الدُّول وبيروقراطيتها كما نعرفها اليوم، وقد نقلها نابليون لكل دولة تحت حكمه في أوروبا.

وإذا كانت الحربان العالميتان هما الأساس الذي بُني عليه عالم اليوم، فإنّ الحقبة النابليونية هي أحد أسس عالم ما قبل الحربين العالميتين. عليه فإنّ للحروب النابليونية أهميَّةٌ راهنة في العالم كله، وخصوصًا للدول التي شهدت استعمارًا أوروبيًا كأغلب الدول العربية. 

فربما لم يكن للحملات النابليونية ذلك الأثر المباشر الكبير على غير أوروبا، إلا أنَّ الأثر الكبير الذي لعبه نابليون وحروبه في أوروبا كان له أثرٌ غير مباشر على العالم كله.

يمكن تأريخ ولادة الحرب الحديثة بحملات نابليون ومعاركه، كما أنها كانت نقطة التحوُّل إلى الحرب الوطنية بتعبئة «الأمة – Nation» القومية في الحرب وما تبعها من آثارٍ عسكرية وسياسية واجتماعية، وما نتج عن ذلك من تفوِّق أوروبا على خصومها وقدرتها على قهر أعدائها.

بل يمكن اعتبار الحروب النابليونية حربًا عالميّةً مُصغّرة لضخامة الجيوش المشاركة فيها وعِظم أثرها في سير التاريخ وحركة المجتمعات الأوروبية – التي حدَّدت سابقًا وما تزال تحدد جزئيًّا – حركة تاريخ العالم.

وبطبيعة الحال فإن الحروب النابليونية التي أنتجت ولو جزئيًّا الظروف التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى والثانية، وما تبعهما من تشكل العالم سياسيًّا حتى اللحظة، يجدر أن يكون لها اهتمام كبير فهمًا ودراسةً في عالمنا العربي.

من هو نابليون؟ وما هي إستراتيجيته السياسية العامة وأهم إستراتيجياته وتكتيكاته العسكرية؟ وما هي أهم الإصلاحات التي قدمها في مختلف المجالات والمجال العسكري خصوصًا؟ وما هي أهم المعارك التي خاضها؟

نابليون.. من جزيرة نائية إلى بطل فرنسا الأوحد

ولد نابليون عام 1769 في جزيرة كورسيكا لأبٍ محامٍ متوسط الحال في عام 1785 ولم يكن نابليون يبلغ من العمر إلا 16 عامًا عندما توفي والده، ما وضع نابليون في موقفٍ صعبٍ اضطره إلى التأخر في دراسته العسكرية ضابط مدفعية في أكاديمية «بريين – Brienne».

دراسة نابليون في الأكاديمية العسكرية ليصبح ضابط مدفعية كان لها أثرٌ كبير في تكتيكاته العسكرية لاحقًا. فقد أولى نابليون أهميّةً كبيرةً لسلاح المدفعية باستخدام تكتيكاتٍ أثبتت نجاعتها في أرض المعركة، مع أن سلاحي المشاة والفرسان كانا مرغوبين أكثر في صفوف العائلات الأكثر غنًى وذات العلاقات الأفضل في الدولة.

اندلعت شرارة الثورة الفرنسية عام 1789، خاضت بسببها فرنسا الثورية حروبًا ومعارك كثيرة ضد البريطانيين والإسبان والإمبراطورية النمساوية والدولة العثمانية وروسيا القيصرية وغيرها من الدول بالإضافة إلى الفرنسيين المناصرين للملكية.

وقد ظهر نابليون باعتباره قائدًا عسكريًّا مهمًّا في إحدى هذه المعارك. ففي عام 1793 أقام الجيش الفرنسي حصارًا على ميناء تولون الذي كانت تستولي عليه القوات البريطانية والإسبانية والجيش الفرنسي المعادي للثورة والذي تم تأسيسه خارج فرنسا.

نجح نابليون بونابرت في لفت الأنظار له بنجاح خططه في حصار ميناء تولون والاستيلاء عليه بالرغم من صغر سنه وكونه ضابطًا برتبة نقيب فإنّ مهاراته العسكرية جعلت قائد المدفعية في معركة تولون يوليه القيادة بالنيابة عنه، رغم العلاقة غير الودية التي جمعتهما. 

انسحبت قوات التحالف الأول من ميناء تولون بعد حصارٍ دام 114 يومًا بعد نجاح نابليون في السيطرة على مواقع مشرفة على الميناء مما مكَّنه من قصفه بالمدفعية، ورُقِّي على إثر ذلك ليصبح قائد كتيبة في الجيش الفرنسي. تضمَّن هذا التحالف كلًا من إسبانيا، وهولندا، والنمسا، وبروسيا، وبريطانيا وسردينيا (في إيطاليا الحالية) بالإضافة لقواتٍ فرنسية معادية للثورة ومناصرة للملكية، وقد تشكَّل التحالف بهدف محاربة الثورة الفرنسية وهزيمتها ومنع توسُّعها خارج فرنسا.

Embed from Getty Images
حصار ميناء تولون 1793

لعب نابليون دورًا في أحداث باريس عام 1795، حيث أوكل إليه تولِّي الأمور في باريس وإنهاء الشغب الناتج عن تحرُّكات تحالفٍ بين الجمهوريين وبعض الملكيين للانقلاب على السلطة، اشترط نابليون أن تُطلق يده تمامًا في استخدام العنف للتعامل مع الشغب حتى يخمد تمامًا.

تمّ له ذلك، وأخمد نابليون التمرد بسرعة وأصبح بطلًا في باريس. عيِّن على إثر ذلك جنرالًا وأصبح الرجل الثاني في «الجيش الداخلي الفرنسي»، وكان حينها في السادسة والعشرين من عمره. 

تخوّفت النخبة السياسية في باريس من وجود جنرالٍ شابٍّ قويّ ذي شعبية ضخمة مثل نابليون، واعتبرته تهديدًا لسلطتها، إلا أنّ نابليون لم يكن مهتمًا حينها بالسياسة، ورغب في الالتحاق بالجيش الفرنسي في إيطاليا لمحاربة الإمبراطورية النمساوية بخطّةٍ أعدَّها وتمت الموافقة عليها ليرحل إلى الجبهة عام 1796.

حقَّق نابليون انتصاراتٍ مهمّة على الإمبراطورية النمساوية، مُثبتًا لقادة الجيش الآخرين، الذين نظروا إليه باعتباره جنرالًا غير متمرس ارتقى عن طريق الدبلوماسية والسياسة لا الخبرة العسكرية، تفوقه عليهم في المهارات التكتيكية، بالإضافة إلى اهتمامه بالجوانب اللوجستية ومعنويات الجيش. 

حقَّق نابليون انتصاراتٍ عسكرية كثيرة في هذه الحملة على جيوشٍ أضخم من جيشه، ورغم الفرق العددي الهائل وقِصَر فترة خبرته العسكرية في قيادة جيشٍ كامل في الميدان، فإنه استطاع التفوُّق على الجيوش النمساوية وهزيمتها، حتى نهاية الحملة عام 1797 ما أضاف كثيرًا لشعبيته في فرنسا من ناحية، وصاعد خوف النخبة السياسية منه من ناحيةٍ أخرى.

أُرسِل نابليون بعدها بعام واحد في حملةٍ أخرى في مصر هذه المرة، فقد كان معلومًا حينها أنه لا يمكن هزيمة بريطانيا، وهي الخصم اللدود لفرنسا، دون تحييد سلاحها البحري، وهو أساس القوة البريطانية. فانصبّ فكر نابليون على أهمية الخروج من فرنسا والتوجُّه لمحاربة البريطانيين خارجها.

اقترح نابليون بدايةً إرسال الأسطول الفرنسي لضرب المستوطنات البريطانية في الهند، ومحاربة خطوط تجارتها البحرية التي هي مصدر ثراء بريطانيا الرئيسي. ومع عدم قيام الأسطول الفرنسي بأيِّ شيء يُذكر لمحاربة البريطانيين اقترح نابليون غزو مصر لتهديد المصالح التجارية البريطانية هناك بقطع الطريق الموصلة إلى مستعمراتها في الهند، باعتبار مصر ممرًا مهمًّا بين بريطانيا ومستعمراتها في الشرق والهند تحديدًا.

جرت الموافقة على الحملة المقترحة وأرسل نابليون إلى مصر مع 40 ألف جندي، تمكّن به نابليون من السيطرة على مالطا، ومن ثمَّ السيطرة على الإسكندرية وهزيمة جيشٍ مملوكيٍّ أكبر من جيشه بكثير، ما أدى إلى سقوط القاهرة بيده في وقتٍ سريع، إلا أن البريطانيين هزموا الأسطول الفرنسي قاطعين خطَّ إمدادات جيش نابليون في مصر، مع استعداد جيشٍ عثماني لمهاجمته.

استبق نابليون الأحداث بمهاجمته للجيش العثماني في سوريا حتى محاصرته لعكا وبرغم تمكنه من إفشال محاولات فك الطوق عنها فإن حصار نابليون لعكا انتهى بهزيمة الجيش الفرنسي الذي تلقى خسائر فادحة في صفوفه، كما تفشَّى المرض في الجنود الفرنسيين ما دفعه للانسحاب لمصر مجددًا ليلحقه الجيش العثماني بدعمٍ بريطانيّ، ورغم استطاعة نابليون مقاومة الهجمة العثمانية فإن الخسائر الضخمة في صفوف جيشه وعدم رؤيته لأي تقدم ممكن في مصر بعد فشل أهداف غزوه والهزيمة في عكا دفعته للتراجع لفرنسا.

للقراءة أكثر حول أحمد باشا الجزار الذي هزم نابليون في عكّا، من (هنا).

وصل نابليون إلى باريس عام 1799 بعد فشله في تحقيق أهدافه من غزو مصر والشام، وهو العام الذي شهد تحولًا في مسيرة نابليون ليبدأ مسيرته السياسية بانقلابٍ على الحكم في باريس عرف بـ»18 برومير»، ليثبت نابليون بذلك أنّه داهية في السياسة كما هو داهية في الحرب.

انتهى الانقلاب بتنصيب نابليون نفسه مستشارًا أوّل، ليصبح حاكم فرنسا وعمره 30 عامًا. ولم يتوقّف نابليون عند ذلك، بل نفّذ انقلابًا داخل الانقلاب الأوّل، بالإضافة إلى استخدام إشاعة أنّ اليعاقبة (أحد أحزاب الثورة الفرنسية) نظّموا انقلابًا عليه ليتمكّن الجيش من الانتشار بسهولة حول باريس بقيادة نابليون. 

مكّن ذلك نابليون بونابرت من فرض دستورٍ يقضي بحكم فرنسا من قبل ثلاثة مستشارين، إلا أن الدستور يعطي صلاحياتٍ أكبر لمنصب المستشار الأول الذي ضَمِن نابليون بلا شكّ الحصول عليه بالطبع.

استفاد نابليون كثيرًا من شعبيته جنرالًا عسكريًّا مُظفَّرًا في كثيرٍ من الحملات والمعارك، إلا أنّ استلامه للسلطة احتاجه لتمتين حكمه بالمزيد من الانتصارات، وكان هذا بداية عهدٍ جديد من الحروب في أوروبا في الفترة التي عُرفت بالعصر النابليوني، والتي شكَّلت فيها دولٌ أوروبية التحالف تلو التحالف لمحاولة هزيمة نابليون وصدِّه دون جدوى، حتَّى هزم نابليون أخيرًا في التحالف السادس ونفيه خارج فرنسا، إلا أنه استطاع العودة إليها ليُهزم مرة أخرى ونهائيًّا هذه المرّة في معركة واترلو. 

فرنسا وبريطانيا: القوى البريّة vs القوى البحريّة 

قبل العودة إلى الحروب النابليونية، من المهم لنا أن نبيِّن الأرضية العامّة التي جرت عليها هذه الحروب، فالحقائق الجغرافية والإستراتيجية لعبت دورًا مهمًّا في تشكُّل التاريخ، بل وفي تشكيل الإستراتيجيات المختلفة التي تبنتها الدول في صراعاتها عبر التاريخ.

تمتّعت بريطانيا بعزلةٍ بحرية عن القارة الأوروبية لكونها فعليًّا جزيرة كبيرة، مكّنتها من تكوين هويّةٍ قومية وبناء دولةٍ بعيدة نسبيًّا عن صراعات القارة الأوروبية.

انتهجت بريطانيا عزلةً دبلوماسية مُتعمِّدةً إبعاد نفسها عن الصراعات في أوروبا، ولتعمد إلى سياسة تحاول موازنة القوى البرية -ولاحقًا البرمائية – بضربها ببعضها والتحالف مع الطرف الأضعف لتحجيم الطرف الأقوى حتى تتغير المعادلة وتتغير معها تحالفات البريطانيين، موجِّهين اهتمامهم أساسًا إلى تأمين طرق تجارتهم البحرية مصدر ثراء الإمبراطورية البريطانية وتفوقها على باقي الدول.

حافظت بريطانيا على تفوقها البحري مضطرّة لذلك، بسبب موقعها الجغرافي وطبيعة بريطانيا باعتبارها جزيرة. ولحاجات تجارتها مع الخارج، إلا أنّ العالم كان وما زال منقسمًا بين قوى تعتمد على القوة البحرية -مثل الإمبراطورية البريطانية ومثل أمريكا لاحقًا- ودول تعتمد بالأساس على قوة برية وتوسُّع جغرافي ممتدٍّ في اليابسة -مثل فرنسا- ودولٍ بينية تحاول الوصول إلى تحقيق قوة بحرية وبرية معًا.

Embed from Getty Images
إحدى المعارك النابليونية بين فرنسا وبريطانيا

وبينما كان صراع فرنسا داخل القارة الأوروبية صراعًا بين قوًى برية، كان الصراع بين فرنسا وبريطانيا صراعًا بين قوى البر وقوى البحر، وقد كان لهذه الحقائق والمعطيات الجغرافية أهمية أكبر من الأيديولوجيا الحاكمة والإستراتيجيات السياسية المعتمدة في البلدان المتصارعة.

في ظلّ التفوُّق البحري البريطاني، كان لفرنسا ميدان اليابسة في القارة الأوروبية في عهد نابليون لتحقق فيها تفوقها، فبعد تحقيق نابليون لانتصاراتٍ عسكرية عظيمة حتى عام 1806 ارتأى أنه برغم تلك الانتصارات لن يتمكن من هزيمة البريطانيين عسكريًّا ما لم يحيد الأسطول الإمبراطوري البريطاني، أو تستطيع فرنسا بناء أسطول بحري موازٍ أو أقوى منه، ما سيكون أمرًا مكلفًا وصعبًا لقوة برية كفرنسا، خصوصًا في ظل التفوق البريطاني المبدئي في ذلك الحين.

في ظل هذه الحقائق اتجهت إستراتيجية نابليون إلى احتواء القوى البريطانية البحرية عن طريق عزلها قاريًّا بالسيطرة على كامل قارة أوروبا بشكلٍ مباشر أو عن طريق التحالف مع قوى أوروبية أخرى لعزل بريطانيا وتجارتها عن القارة، بالإضافة إلى استمرار محاولة تهديد طرق التجارة البريطانية بحريًّا أو باحتلال المناطق البرية الإستراتيجية للإمبراطورية البريطانية، فقد أعلن نابليون عام 1806 مرسومًا إمبراطوريًّا يقضي بحصار الإمبراطورية البريطانية ومنع التعامل معها وإغلاق الموانئ الأوروبية أمام تجارتها. 

ومع أن خصم فرنسا اللدود كان البريطانيين، إلا أن الفرنسيين قبل نابليون وفي عصره كانوا يحتاجون للسيطرة القارية أولًا قبل التمكُّن من تهديد بريطانيا بمنعها من بيع بضائع مستعمراتها في القارة الأوروبية، لعزلها وحصارها وإضعافها، ومن ثمَّ التمكُّن من إخضاعها بالمعاهدات أو بالغزو نهاية، ولذلك فإن الحروب النابليونية وإن لم تخلُ من مواجهةٍ مع قواتٍ بريطانية أو مع جيوش مدعومة بريطانيًّا، إلا أنها تركزت في حروب مع دول أوروبية ذات قوى بريّة. 

أهم إستراتيجيات نابليون وتكتيكاته العسكرية

من المهم قبل عرض التسلسل الزمني للحروب النابليونية بين عامي 1799-1815 وتفصيل أحداث ونتائج أهم معاركها أن نفهم أهم إستراتيجيات نابليون وتكتيكاته العسكرية في المعارك، بالإضافة إلى ذكر عنصرٍ مهمٍ آخر بدونه لا يمكن تحقيق الإستراتيجية ولا التكتيكات الحربية، ألا وهي اللوجستيات اللازم توافرها للجيش لتحقيق أهداف الحرب.

لا تكمُن عبقرية نابليون في اختراعه إستراتيجيات وتكتيكات لم تكن موجودة سابقًا، وإنما في قدرته على تجهيز الجيش وتدريبه على تحقيق أهداف هذه الإستراتيجيات والتكتيكات بكفاءةٍ عالية، بالإضافة إلى اتخاذ القرارات السليمة في وقتها المناسب، ما يلزمه تقدير الموقف الميداني بشكل صحيح في لحظات حرجة، أو استمرار هذا التقدير السليم إلى فتراتٍ ممتدة، وكلتاهما مهمتان صعبتان ندر ما استطاع أحد النجاح فيهما دائمًا، بل -وكما سنرى- كان أهم أسباب سقوط نابليون وتوقف تقدمه العسكري الهائل هو هذه الأخطاء في التقدير مقابل قدرة خصومه على تقديرها بشكل أفضل، خصوصًا في معارك جبهة روسيا عام 1812 وخصوصًا بورودينو وأحداث احتلال الجيش الفرنسي لموسكو.

Embed from Getty Images
لوحة تجسد الإمبراطور نابليون الأول مع جنوده

كما أن نابليون، ولضمان نجاح إستراتيجياته، قسّم جيشه إلى وحداتٍ مُدرَّبة على سرعة الحركة والقدرة على قيادة نفسها بنفسها بدلًا من تركيز جيشٍ ضخم في مكانٍ واحد ما يحدُّ قدرة الجيش على المناورة والمفاجأة، على عكس ما كان معهودًا العمل به في الجيوش الأخرى في أوروبا، حيث كان يكفي نابليون أن يستخدم أحد تكتيكاته بتكثيف قصف المدفعية على مركز الجيش لإحداث ضرر هائل بالجيش المعادي. في السطور التالية نتناول أشهر إستراتيجيات نابليون العسكرية.

استخدم نابليون إستراتيجيتين عسكريتين رئيسيتين مناسبتين لظرفين مختلفين بشكل عام، وكانت هاتان الإستراتيجيتان كما يلي:

أولًا: إستراتيجية التطويق 

 استخدم نابليون إستراتيجية التطويق للقوى المعادية الأقل حجمًا وإن كانت أكثر خطرًا في التطبيق. اعتمدت هذه الإستراتيجية على كون جيش نابليون متفوق عدديًّا مع القدرة على المناورة بما توفرِّه المعطيات الجغرافية لموقع المعركة، وباستخدام تكتيكات تمويهٍ عن طريق فصل جيشه لقسمين، فبينما ينشغل الجيش المُعادي بالقسم المتقدِّم نحوه يسير الجيش الثاني بغطاءٍ من الجغرافيا ومن خيالة جيش نابليون أمام القسم المناور من جيشه، ليلتف على أحد جوانب الجيش المعادي متجهًا نحو مؤخرة الجيش لتطويقه، مانعًا الجيش المعادي من إيجاد سبيل للانسحاب وقاطعًا الإمدادات وخطوط التواصل مع أي خطوطٍ خلفية ممكنة، ومع بدء الهجوم من الجانبين يُؤخذ الجيش المعادي بمفاجأة الهجوم من الأمام والخلف لتتفكَّك صفوفه وتنهار معنوياته بالمباغتة.

قد تبدو الإستراتيجية وأنت تقرأها بسيطة نوعًا ما، إلا أن تنفيذها على الأرض معقَّدٌ للغاية، فبالإضافة إلى ضرورة وجود ظروفٍ ملائمة، على قائد الجيش المعرفة التامة بهذه الظروف وبإمكانياتها لجيشه ولجيش العدو ليتمكَّن من استخدامها بالشكل الأمثل، كما يجب توافر قدرة كبيرة على سرية المناورة والتخطيط لها، والتمكن من تنفيذ عمل استخباري كافٍ للتأكد من عدم معرفة العدو بالمناورة وقدرته على تنفيذ خُطَطٍ مضادَّة لها، فقد يكون فصل الجيشين خطيرًا جدًا إذا علم الجيش المعادي بذلك، مما قد يمكِّنُه من تطويق أحد أقسام الجيشين وإبادته، مع أهمية التحوط من تنفيذ العدو لخطة مشابهة أيضًا.

ماذا إذن عن قدرة الجيش على المناورة؟ 

قد تتطلَّب المناورة التفاف الجيش لمسافاتٍ طويلة خصوصًا مع أخذ اختلاف طرق التنقل بعين الاعتبار، كما قد تصل المسافة لعشرات الكيلو مترات. مع هذا تتطلّب المناورة انتظام الجيش أثناء المناورة وحتى الهجوم، مع قدرة كل جزء من الجيش على تنفيذ المهام الموكلة إليه على أتمّ وجه، دون خسارة وسائل التواصل بين أجزائه أو خسارة الأسلحة الثقيلة (المدفعية بالأساس) وقدرة كل جزء من أجزاء الجيش على تقدير الموقف المواجه له واتخاذ القرارات الصحيحة بخصوص طريقة تنفيذ المهمة الموكلة إليه ضمن الإستراتيجية العامة.

كما على قائد الجيش التجهُّز لاتخاذ قراراتٍ كبيرة في خضمّ المعركة تبعًا لاختلاف الظروف، فلا شيء في المعركة يجري كما قُدّر له على الورق، وإحدى جوانب نباهة وفرادة نابليون العسكرية هو مرونته وقدرته على تحويل الجيش إلى آلةٍ مرنة قادرة على اتخاذ مواقف مختلفة تبعًا للظرف القائم خلال المعركة.

يذكر تولستوي في رواية الحرب والسلام، وهي رواية مبنية على أحداثٍ تتعلق بالحروب النابليونية في روسيا، أنّ بعض الجنرالات في الجيش الروسي؛ وخصوصًا من القومية الألمانية اعتبروا أنَّ سبب فشل خططهم في الحرب أنّ خططهم مثالية جدًا لدرجة أن القادة الميدانيين لم يكونوا قادرين على تنفيذها في الميدان، وبطبيعة الحال فإن هذا النوع من الخُطَط محكومٌ عليه بالفشل مسبقًا لعدم مراعاته لظروف الجيش والميدان، ما يجعل هذه الخطط مجرد تفكيرٍ مُتخيَّل بافتراضاتٍ لا يمكن تحقُّقها عن كيف يمكن أن تجري المعركة ضمن هذه الافتراضات، وبقدرة أي أحد أن يرسم صورة متخيلة عن مسار حرب ما ويفوز فيها دائمًا.

ثانيًا: إستراتيجية التموضع في المركز

استخدم إستراتيجية التموضع في المركز لفصل الجيش أو الجيوش المعادية لأكثر من قسمٍ يسهل إنهاؤه باستخدام المناورات التي برع نابليون فيها، بالإضافة إلى توزيع قوى جيشه بشكلٍ سليم ونشرهم في المكان والزمان الصحيحين لضمان نجاح الخطة.

تعتمد هذه الإستراتيجية على تعديل ميزان القوى بين الجيش المعادي الأقوى وجيش نابليون الأضعف، عن طريق فصل الجيش المعادي باستخدام مناورةٍ ذكيّة تعمل على محاربة كل جزء من الجيش المعادي على حدة، بحيث يكون كل جزءٍ وحده أضعف من جيش نابليون بما يسهل مهمة إبادته قبل الانتقال إلى الجيش الآخر.

تبدو الإستراتيجية سهلةً أيضًا، فالحسبة بسيطة: واجه جيشًا أضعف واحتمالات نصرك عليه ستكون أكبر بكثير، إلا أنَّ التمكُّن من فصل الجيش المعادي ومحاربة كل جزء على حِدَة ليست أمرًا سهلًا، بل لشدة صعوبة الأمر لن يُفكر كثير من قادة الجيوش بإمكانية فعل ذلك، بل سيفترض الأغلب أنه سيواجه جيشًا أضخم منه مع محاولة التعامل مع ذلك، بل إن توهم إمكانية فصل الجيش (أو الجيوش) ومحاربة كل جيش على حدة تنطوي على خطورة تمكُّن الجيش المعادي من استدراج الجيش الأضعف بإيهامه بالقدرة على قتال كل جزءٍ أضعف وحده والانقضاض عليه في وقتٍ واحد باستخدام تكتيكات المناورة أو تخبئة جزء من الجيش في مكانٍ قريب، ما سيسحق الجيش الأضعف المأخوذ بالمفاجأة وقد يُطوّق ويحاصَر ويُباد تمامًا.

عمد نابليون إلى وضع جيشه في وسط العدو فاصلًا تمركزاته، مهاجمًا الجزء الأكثر تهديدًا لقواته محاولًا جعلها معركةً فاصلة، بينما تقوم وحداتٌ قليلة من جيشه بمماطلة الجزء الثاني من الجيش المعادي وتأخيره من التوحُّد مع الجيش الذي يخوض معركةً فاصلة مع نابليون، وبعد انتهائه من المعركة الفاصلة الأولى يتوجَّه لدعم الوحدات القليلة المُمَاطِلَة بكامل جيشه لهزيمة الجزء الثاني أيضًا.

كما أنَّ أحد مخاطر هذه الخطة هو خطر انتظام الجزء الأول المهزوم وتوجُّهُهُ لدعم الجزء الثاني مرة أخرى، ما يعني عودة المشكلة إلى مربعها الأول وتفوُّق جيش العدو الأضخم بتوحُّده في أرض المعركة وخوض أجزائه حربًا في وقت واحد، وعليه فإن مطاردة فلول الجيش يجب أن تكون ناجحة في إجباره على استمرار الانسحاب أو إنهائه بالكامل.

وقد استخدم نابليون الإستراتيجيتين السابقتين معًا، أو استخدم إحدى الإستراتيجيتين لوضع جيشه في موضعٍ أفضل لتحقيق إستراتيجيةٍ أخرى. فمثلًا يطبّق إستراتيجية المناورة بالتطويق لفصل الجيش وخوض معركة منفصلة مع كل جزء وحده والانتهاء منه للبدء بإنهاء الآخر، أو التمركز في المنتصف بين جيشين للتمكُّن من تنفيذ سلسلة من التطويقات للجيوش المعادية.

لاحقًا وفي وقت انسحاب نابليون وبسبب ظروفٍ أدَّت بنابليون لتقسيمه لجيشه اعتمد التحالف الأوروبي السادس ضدّ نابليون على إستراتيجية عدم محاربة جيش على رأسه نابليون وتقسيم جيش التحالف إلى ثلاثة أقسام مساوية لأقسام جيش نابليون الذي كان يقود أحد أقسامه ويعهد بالجيشين الباقيين لمارشالاته. فينسحب الجيش المواجه لنابليون تاركًا إياه يلاحقه، بينما يحارب الجيشان الآخران ضد مارشالات نابليون الأضعف منه ويهزمونهم أحيانًا بنفس تكتيكات نابليون.

ورغم نجاح الإستراتيجية وهزيمة مارشالات نابليون ما تسبب بإضعاف جيشه وهزيمته في النهاية، فإن هذه الإستراتيجية الناجحة تُظهر أيضًا عبقريّة نابليون وهيبته عند جنرالات الجيوش الأخرى، كما يظهر سرعة تعلم الأوروبيين من مهارات نابليون وطرقه.

بالإضافة إلى الإستراتيجية العامة الكُبرى التي استخدمها نابليون، هناك تكتيكاتٌ أخرى مهمة لضمان نجاح إستراتيجياته. وكانت أهم التكتيكات هذه التكتيكات المناورة وحرب الاستنزاف:

أولًا: المناورة

 كانت أهم تكتيكات نابليون وأكثرها استخدامًا هي المناورة السريعة لخلق المفاجأة واغتنام الأفضلية في المعارك، وُصف الجيش الفرنسي بأنه كان يقاتل بشكلٍ مُضاعف في كل مكان حتى ولو كان بعددٍ أقل، وذلك بسبب مناورات فرق الجيش التي سمحت له بالقتال في أكثر من موقع في مُددٍ قصيرة، ما جعل الأمر يبدو وكأنّ الجيش يقاتل بعددٍ أكبر من عدده في مقابل جيوشٍ بطيئة وثقيلة ولا تناور لكسب الأفضلية وتغطية النقص في أجنحة الجيش وتركيز الضربات في نقاط حرجة للجيش المعادي، بينما احترف نابليون ذلك، إلا أن هذا التكتيك يتطلب عددًا أكبر ومساحة للمناورة.

ثانيًا: الاستنزاف

بينما اعتمد هذا التكتيك في حال كون جيشه أضعف وبعدد أقل لاستنزاف طاقة الجيش المعادي حتى تحقيق نصر حاسم في معركة فاصلة ضده.

«الهواة يتكلمون عن الإستراتيجية، المحترفون يتكلمون عن اللوجستيات» 

لم يكن كل ذلك ليحصل لولا نظام التزويد الذي بناه الجيش الفرنسي وساهم في تعزيزه وتنظيمه نابليون. 

قامت خطوط إمداد الجيش الفرنسي على النهب المُنظَّم للأراضي التي يحتلُّها الجيش، وتموين الجيش بتقدمه في أراضٍ جديدة. إلا أن هذا النهب لم يكن عشوائيًّا فقد تم تنظيمه و إيكال مهمة تزويد الجيش من الأرض المنهوبة لوحداتٍ صغيرة تنفصل عن الجيش لجمع الإمدادات وتوزيعها لاحقًا على باقي الكتيبة التي ينتمون لها.

كان نظام الجيش الفرنسي يمنع النهب العشوائي ويعاقب عليه فالنهب العشوائي كان يتسبَّب في فقدان جزء كبير من قيمة المواد المنهوبة، فقد كان الجنود ينهبون أساسًا لإثراء أنفسهم دون استفادة الجيش ككل من المواد المنهوبة، كما أن النهب العشوائي لطبيعته كان يتسبب بتلف الكثير من المواد الثمينة والمواد التموينية بفعل الحرائق والتخريب، وقد أصبح الفرنسيون خبراء في استغلال الأرض المحتلة إلى درجة تقلّل الفاقد من المواد المنهوبة إلى درجة كبيرة.

أهمية هذا النظام في التزويد والذي كان نظامًا فرنسيًّا فريدًا هو عدم الحاجة إلى نظام تزويد مدني ضخم مرافق للجيش دائمًا، وهو نظام بطيء الحركة بطبيعة الحال، وفقدان الجيش للفرق المعنية بتزويده وتأمين طعامه يعني موت الجيش من الجوع حتمًا.

مَنَعَ مثل هذا النظام جيوش أوروبا من المناورات الضخمة والمسيرات العسكرية الممتدة حتى مئات الأميال، كما حرمهم من أفضلية الهجوم الخاطف والمفاجئ، إلا أنَّ الفرنسيين باستخدامهم لنظام النهب المُنظَّم تمكَّنوا من خلق جيشٍ سريع ومرن ولا يحتاج إلى جيشٍ مدنيٍّ آخر للإمداد والتموين وإطعام الجنود، ما جعل جيشهم أكفأ وأكثر قدرة على الحركة وأقل كلفة طبعًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد