إذا كنت معتادًا على العمل وبجانبك هاتفك الذكي الذي يزودك بإشعارات بين الحين والآخر، فعليك أن تُعيد التفكير في الأمر؛ لأن تلك الإشعارات التي تسمعها وتدمنها أحيانًا تؤثر سلبًا على كيمياء العقل، وتشتت كفاءته بنسبة تصل إلى 40%.

لماذا يعتبر المتخصصون مواقع التواصل الاجتماعي هيروين العصر الحديث؟ 

خلال 60 ثانية فقط، ينشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» 3.3 مليون منشور، ويُرسل على «الواتس آب» 29 مليون رسالة، ويُكتب على تويتر 448.800 تدوينة، ويُرفع على اليوتيوب 500 ساعة، ويُرسل 149.513 بريدًا إلكترونيًا، وتُرفع 65.972 صورة على «إنستجرام».

وهي أرقام صادمة تلخص ببساطة التحول الإلكتروني والتكنولوجي الذي يشهده العالم، وتفسر لماذا ينصب الناس أمام شاشات هواتفهم الذكية لدرجة «الإدمان»، كما تظهر الأرقام أيضًا فوارق ضخمة بين مدى انشغال الناس بمواقع التواصل الاجتماعي، التي عادة ما تستخدم لأغراض ترفيهية، وبين المضمون الأكثر جدية الذي يُرسل مثلًا عبر البريد الإلكتروني.

والنتيجة الأهم التي تُظهرها هذه الأرقام أن مواقع التواصل الاجتماعي هي بحر إلكتروني ضخم، ومن يغرق بالانشغال به، لن يستطيع بسهولة الخروج منه بأمان، لذلك قد تحتاج وقفة على شاطئ هذا البحر، وتقتصد في استخدامك لمواقع التواصل الاجتماعي، لتكون حذرًا كفاية حتى لا تنجر في موجة «الإدمان».

البعض قد يستغرب تكرار استخدام لفظ «إدمان»، ولكن هذا هو ما يقوله المتخصصون، الذين أكدوا في أوراقهم البحثية إمكانية أن يتحول التمسك بهاتفك الذكي إلى نوع من الإدمان، فيما ذهب آخرون إلى ما هو أبعد؛ ورأوا أن إدمان الهاتف الذكي مشابه لإدمان مخدر الهيروين، فمن الصعب جدًا ألا تنظر فورًا إلى من يبعث لك الرسالة، إذا ما سمعت إشعارها من الهاتف الذكي، تلك الإشعارات التي تظنها بسيطة ولكن تأثيرها على العقل والانتباه أثناء العمل لا يُستهان به.

مترجم: كيف تصيب مواقع التواصل الاجتماعي مستخدميها بمشاعر الإحباط والحسد؟

تُربك كيمياء العقل.. التأثيرات السلبية لإشعارات الهواتف الذكية 

وفقًا لدراسة علمية من مؤسسة طبية دولية تعود لنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فإن إشعارات الهاتف الذكي وتنبيهاته التي تقاطعك، يمكنها أن تؤثر على كيمياء الدماغ، فهاتفك الذي بجانبك الذي يضيء ويصدر أصواتًا بين الحين والآخر عندما تأتيه إشعارات، يؤدي إلى تشتيت الانتباه عن المهمة التي تنفذها، ويؤدي إلى ما يُسمى بـ«تكلفة تحول» الانتباه.

والذي يعني بعبارات أكثر وضوحًا، أنه عندما يأتي مشتت كإشعار الهاتف الذكي، فإننا نحول انتباهنا من المهمة التي ننفذها، ونتشتت بالإشعار، وبعد ذلك نعود مرة أُخرى للمهمة التي كنا ننفذها، وهو أمر مكلف لقوة الدماغ وانتباهه، وكذلك الوقت الذي نستغرقه في عملية التحويل تلك. «نحن نعتقد أن الإشعارات تشتت وتعوق كفاءة الذهن بنسبة تصل إلى نحو 40%»، هذا ما قاله سكوت بيا، الطبيب النفسي في مؤسسة كليفلاند كلينيك الطبية الأمريكية.

وخلال الدراسة التي أشرف عليها هيونغ سوك سيو، أستاذ التصوير العصبي في جامعة كوريا في سيول، فقد أتى الباحثون بـ19 شابًا يبلغ متوسط أعمارهم 15 عامًا ونصفًا، من مدمني الهواتف الذكية، ومجموعة أخرى ضابطة تضم شبابًا من العمر نفسه.

وتعرضت المجموعة المدمنة لعلاج معرفي سلوكي، استمر تسعة أسابيع، مجهز من برنامج علاجي لإدمان الألعاب، وخلال الدراسة سُئل المبحوثون عن مدى إدمانهم للهواتف الذكية، وكيف أثر ذلك على الروتين اليومي لحياتهم، وحياتهم الاجتماعية، ومشاعرهم، ومعدل الإنتاجية والنوم، ليُعطى كل مبحوث درجة قياسية على ذلك «والمبحوثون الذين حصلوا على درجات أعلى، كانوا أكثر معاناة من إدمان الهواتف الذكية» بحسب سوك سيو، الذي أضاف أن المراهقين المدمنين سجلوا أيضًا درجات أعلى بكثير في الاكتئاب والقلق والأرق والاندفاع السلوكي.

وبالتعمق أكثر حول طبيعة تعاملنا نفسيًا وعضويًا مع الهاتف الذكي وإشعاراته، فإن الانتظار المستمر للإشعار المقبل يضعنا على وضع الاستعداد دائمًا، فعندما يأتي الإشعار يزداد الكورتيزول في الجسم، ويرتفع معدل ضربات القلب، وفي المقابل، فإن الابتعاد عن الهاتف قد يجعل بعض الناس تشعر بالذعر والقلق، فيما يُعرف بـ«قلق الانفصال عن الهاتف».

الاكتئاب واضطراب النوم.. نتائج أخرى لإدمان الهواتف الذكية

وكشفت الدراسة أن الإشعارات تؤدي إلى زيادة نسبة الجابا في الجسم بشكل كبير، مما يؤدي لأعراض جانبية تتضمن القلق. ويؤدي النظر المستمر لشاشة الهواتف الذكية لساعات ممتدة إلى آثار بيولوجية سلبية على الجسم، تتضمن منع إفراز الميلاتونين (هرمون النعاس) في الجسم مما يؤدي إلى اضطراب النوم.

لذلك يُنصح قبل الذهاب إلى النوم بتجنب النظر إلى شاشات الهواتف الذكية، لأن تلك الأضواء الساطعة منها تُعد واحدة من أكبر المعوقات للنوم، والمسببات للأرق؛ فعند التعرض إليها يصل إلى الذهن إشارات بأن الآن وقت الانتباه والاستيقاظ، فيرسل استجابة عكسية للجسد، لذلك ينصح نحو 13 خبيرًا ومتخصصًا في النوم، بإغلاق الأضواء والابتعاد عن الهواتف الذكية قبل ساعة من النوم.

وفي السياق ذاته، أفادت دراسة بأن القراءة لعدة ساعات على جهاز الآي باد مثلًا قبيل النوم، بدلًا عن قراءة الكتب المطبوعة، تجعل من الصعب عليك الذهاب في النوم، وتقلص من الانتباه في صباح اليوم التالي.

وتمتد الآثار السلبية للهواتف الذكية وإدمان مواقع التواصل الاجتماعي إلى جوانب نفسية واجتماعية؛ إذ كشف باحثون بريطانيون عن وجود علاقة بين ارتفاع مستويات الضغط والتوتر، والاطلاع المستمر على الهاتف الذكي، وأفادت دراسة لجامعة ميتشيجن الأمريكية تعود لعام 2013، أن الاستخدام المستمر والمتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي الكبيرة مثل فيسبوك مثلًا تجعلك أكثر حزنًا وكآبة.

ما الحل إذًا؟

قد يبدو أنه من الصعب الابتعاد عن هاتفك الذكي، ولكن يمكن فعل ذلك مع قليل من الصبر، لتقليص معدل متابعتك للإشعارات المتواصلة، فبعد فترة سيتوقف دماغك عن محاولة إقناعك بأنك تفتقد شيئًا ما، وستكون قادرًا بشكل أفضل على اجتياز اليوم دون التحقق باستمرار عما إذا كان هناك من يريد أن يرسل لك شيئًا ما.

استخدام الهاتف لا يمثل بالضرورة شر مُطلق، وإنما الإكثار من استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي يمثل مشكلة، بينما وجدت دراسة أن الاطلاع على شاشة الهاتف الذكي نحو ساعة يوميًا يمكن أن يكون مفيدًا، ولذلك يمكن تقليص المتابعة المستمرة للهاتف، من خلال إعطاء نفسك أوقاتًا دورية خلال اليوم للنظر إلى الهاتف.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!