تتهم حركة النهضة التونسية – صاحبة الأكثرية في البرلمان – حكومة دولة الإمارات بإثارة الاضطرابات لإقصاء الحركة من المشهد السياسي التونسي، وتكرر الاتهام في مواضع عديدة، كان منها ما أثارته وسائل إعلامية، محسوبة على الدولة الخليجية، حول ثروة رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، والادعاء بأنَّها تضخمت في السنوات الأخيرة.

لا تخفي دولة الإمارات هذا العداء للنهضة، وهو الذي بدأ منذ أن حجزت الحركة مقعدًا بين صناع القرار التونسيين، فهي الدولة التي تعلن دومًا معارضتها للحركات الإسلامية، ولا تألو جهدًا في سبيل محاربتها.

يسرد هذا التقرير تاريخ الإمارات مع حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، ويتتبع خطواتها ضد الحركة في السنوات الأخيرة.

التحول الكبير في سياسة الإمارات

تعود فصول القصة إلى سنوات مضت، حين شهدت الإمارات تحولًا دراماتيكيًّا في السياسة الخارجية مع ظهور ولي العهد، محمد بن زايد، في قلب صناعة القرار.

في حياة والده الشيخ زايد بن سلطان، كانت السياسة الخارجية لدولة الإمارات هادئة ومسالمة، ترتبط بتقديم المساعدات للكثير من الدول، ولم تكن علاقة الإمارات بجماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي سيئة كما هي عليه الآن.

الربيع العربي

منذ 3 شهور
«ميدل إيست آي»: انقلابات وأحزاب بالوكالة.. ماذا تفعل الإمارات في تونس؟

لم تكن الإمارات حينذاك ترى في جماعة الإخوان المسلمين تهديدًا لها، بل إن محمدًا بن زايد نفسه تأثر بفكر الجماعة في مرحلة مبكرة من حياته؛ إذ ذكر الكاتب الصحفي روبرت وورث في تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن «محمدًا بن زايد، بغير معرفة من أبيه، كان تحت تأثير الفكر الإسلامي على مدى سنوات، ويبدو أن والده سهَّل ذلك عن غير قصد بعد أن كلَّف مواطنًا مصريًّا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يدعى عز الدين إبراهيم، بمسؤولية تعليمه. وكان زايد يعرف انتماء إبراهيم لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنه لم يكن يعتبر المنظمة آنذاك تهديدًا».

في ظل مرض شقيقه الأكبر خليفة بن زايد رئيس الدولة، أصبح محمد بن زايد الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، وشرع في رسم خط جديد للبلاد على الصعيدين المحلي والإقليمي.

بدأ محمد بن زايد يرى الإسلام السياسي تهديدًا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ولم ير فرقًا بين «داعش» و«القاعدة» ومن يتبنون التغيير السلمي، ونشط في تغيير موقف بلاده من الإسلاميين، حتى مع أبناء وطنه في الداخل، في «حركة الإصلاح» التي حظرها لاحقًا. وتعمقت تلك النظرة بعد أحداث الربيع العربي التي انطلقت شرارتها من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، وغيرها من بلاد المشرق العربي.

مدفوعًا بخشيته من أن تمتد رياح التغيير الثورية إلى بلاده، أخذ محمد بن زايد زمام المبادرة وأطلق ثورته المضادة، التي آتت أكلها في مصر بالانقلاب على أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا، وهو الرئيس الراحل محمد مرسي.

بدا جليًّا أن محمدًا بن زايد يعتقد أن هناك خيارين لا ثالث لهما في الشرق الأوسط، وهما: إما نظام أكثر قمعًا واستبدادًا، وإما كارثة شاملة. ترتبط تلك التصورات بالنظرية السياسية للفيلسوف الإنجليزي، توماس هوبز، الذي يرى أن «الدولة أو المجتمع لا يمكن أن يكونا آمنين إلا تحت التصرف المطلق للحاكم».

صبغت تلك النظرية سياسة الإمارات الخارجية، وكما قال الباحث السياسي، سيباستيان بوسوا، في مقال نشرته صحيفة «لوبوان» الفرنسية: «التصور الذي يخالج الكثيرين بأن دولة الإمارات جزيرة ليبرالية في وسط أرخبيل من الملكيات الخليجية المحافظة ليس سوى خرافة»، مضيفًا أن «الإمارات، وبعقيدة ابن زايد، تحولت جزئيًّا إلى «إسبرطة صغيرة» في الخليج، بقوتها المعروفة في العصور القديمة، مع نشاطها الذي لا يعرف الهدوء ولا السلام».

Embed from Getty Images
مؤتمر إعلان نتيجة الانتخابات البرلمانية التونسية في أكتوبر الماضي.

الاستثناء التونسي

بدأت يد محمد بن زايد تمتد إلى جميع دول العالم العربي التي شهدت حراكًا شعبيًّا ضد أنظمتها المستبدة، فلم يترك المجال لبلد لعيش تجربته الديمقراطية بحلوها ومرها بشكل سلس. وبعد نجاحه في مصر، وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في عام 2013م، دخلت سوريا واليمن وليبيا في أتون حروب أهلية أكلت اليابس والأخضر في بلادها، وما تزال.

برزت تونس استثناءً وحيدًا، فاستطاعت النجاة في سنواتها الأولى بتجربتها الديمقراطية، وكان لرئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، بعد عودته من لندن دورًا كبيرًا في إحداث التوافق السياسي وتجنب الانزلاق إلى هاوية الصراع، التي كادت تونس أن تصل إليها عام 2013م، ونجح التونسيون في جولتهم الأولى من صراعهم مع الاستبداد، وهو ما جعل من الثورة التونسية زهرة أمل تبشر بإمكانية التغيير من خلال الاحتجاج المدني والسلمي والوصول إلى دولة ديمقراطية.

مثَّل الغنوشي بما يحمله من فكر توافقي عقبة أمام عواصف الثورة المضادة، ومن ثم بات الرجل وما يمثله من فكر حجر عثرة تَحُول دون تحقيق ابن زايد لطموحاته في تنصيب نظام تونسي حليف له، على غرار ما حدث في مصر. واستدعت «الضرورة الإماراتية» العمل الدؤوب على إزالة عقبة الغنوشي من طريقها منذ بدايات الثورة، مرورًا بمحاولات انقلاب مزعومة كشفت عنها بعض التقارير الصحفية، ووصولًا إلى الحملة الإعلامية المستعرة في الفترة الأخيرة.

الغنوشي في قلب الأزمة

بلغت حملات التشويه الإعلامي ضد حركة النهضة والغنوشي، من قنوات وصحف تابعة، أو ممولة من الإمارات، ذروتها في الشهور الماضية، من خلال اتهامات مزعومة بالتربح والفساد، وحتى التشكيك في ولائه لتونس، وبدأت وسائل الإعلام تلك تضرب على وتر الاستقطاب السياسي الحاد ضد حركة النهضة ورئيسها الغنوشي. وبرزت عبير موسى، رئيسة الحزب الدستوري الحر الموالي للنظام القديم، رأسَ حربة لتلك الحملة الضارية، وظهرت ضيفًا دائمًا على وسائل الإعلام الإماراتية.

وجدت أبو ظبي في عبير من يشاطرها العداء للإسلام السياسي والربيع العربي، وكلاهما كان حاضرًا في بؤرة خطابها السياسي، وما برحت تطالب بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

Embed from Getty Images
عبير موسى، رئيسة الحزب الدستوري الحر

أيضًا، قادت رئيسة الحزب الدستوري الحر حملة داخل البرلمان في شهر يوليو (تموز) الماضي لحجب الثقة عن رئيس البرلمان راشد الغنوشي، وبعد أيام من التحركات والقلاقل السياسية أسقط البرلمان لائحة حجب الثقة التي وافق عليها 97 نائبًا من أصل 217 نائبًا، إذ كان سحب الثقة يتطلب تأييد 109 نواب.

وفي تعليقه على رفض سحب الثقة، قال رئيس البرلمان: «تونس لها مستقبل ما دامت متمسكة بالحرية»، وتابع مخاطبًا التونسيين: «أنتم صنعتم ثورة، وحافظتم عليها 10 سنوات، فلنحرص عليها، ونعض عليها بالنواجذ». وقال في حسابه على «تويتر»: «شكرًا على ثقتكم، تونس والثورة والشرعية تنتصر».

لطالما تحلى الغنوشي بالدبلوماسية، وتجنب كثيرًا الصدام العلني مع دولة الإمارات، لكن لم يبق في قوس صبره منزع في الآونة الأخيرة على ما يبدو؛ فاتخذ خطوات علنية بالتواصل مع الحكومة التركية، وكذلك تهنئة حكومة الوفاق الليبية على مكاسبها العسكرية الأخيرة التي حققتها بدعم تركي في حربها ضد قوات شرق ليبيا، التي يقودها الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، حليف الإمارات ووكيلها في ليبيا، وهي خطوة أضافت لغضب الإمارات ضد الغنوشي.

حركة النهضة و«الإسلام الديمقراطي»

تكمن كراهية الإمارات لراشد الغنوشي تحديدًا في كونه يُجسد فكرة ورؤية جديدة للإسلاميين في السلطة، تتمايز نوعًا ما عن رؤية الإسلام السياسي التقليدي التي نجحت الإمارات في تشويهها وشيطنتها إلى حد كبير. وتتمثل رؤية الغنوشي في ما يمكن وصفه بـ«الإسلام الديمقراطي»، الذي يوفر أرضية للتعايش مع المخالفين من القوى السياسية والعلمانية الأخرى، ليبرالية أو يسارية، وكانت بمثابة طوق نجاة لتونس من السقوط في دوامة صراعات سياسية عام 2014م.

تعكس كتب الغنوشي ومحاضراته هذه الفكرة، وتتمركز حول محورين أساسيين هما: «الترويج للديمقراطية» و«رؤية إسلامية معتدلة».

على سبيل المثال، يُقدم الغنوشي في كتابه «الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» تحليلًا لرؤيته التي تميزه عن كثير من الإسلاميين ممتدحًا الديمقراطية فيقول: «الاختلاف من فطرة الإنسان»، وأن «الديمقراطية تضمن حق الاختلاف وممارسة الحريات الإنسانية بشكل علني منظم، مثل حرية التفكير والاعتقاد والممارسة الدينية، وحق التعبير وإقامة الجمعيات والأحزاب، وحق التقاضي إلى قضاء مستقل وفق شروط المحاكمة العادلة»، ويؤكد الغنوشي أن «النظام الديمقراطي يحمي الحريات الخاصة ومقومات الكرامة الإنسانية».

تتناقض تلك الرؤية المنفتحة التي يبشر بها مفكر وسياسي إسلامي مع ما يبشر به محمد بن زايد عن الإسلاميين الذين يرفضون الآخر ويغذون التطرف. ويُعد النجاح والتطبيق العملي لأفكار الغنوشي في تونس، وتحول الأخيرة لنموذج يمكن أن يُلهم الكثيرين في المنطقة ممن يتوقون إلى نموذج ديمقراطي ناجح، بمثابة كابوس لدولة سخَّر قادتُها حكوماتهم للقضاء على أي تجربة ديمقراطية يكون للإسلاميين حظ فيها.

تونس.. إلى أين؟

تشير التجارب القائمة إلى أن أبوظبي لن تَقَر لها عين، ولن يهنأ لها بال طالما بقيت تونس ديمقراطية؛ ومن ثم فستعيد الكَرَة تلو الأخرى لتحقيق غايتها المنشودة.

ويرجح المراقبون أن تواصل الإمارات محاولة إثارة الفوضى في البرلمان والشارع التونسي، مستغلة المظالم الحقيقية في الشارع التونسي، التي نجحت في عرقلة محاولات علاجها خلال السنوات الماضية على أمل أن يكفر الشارع بتجربته الديمقراطية.

حين يحدث ذلك، تأمل الإمارات أن يثور الشعب ثانية، وهذه المرة على تجربته الديمقراطية، أو أن يختار مرشحًا مؤيدًا للإمارات يكون هدفه الأول تفكيك خصمها اللدود، حركة النهضة ورئيسها، وتنصيب نظام حليف لها.

عربي

منذ 4 أسابيع
الثالثة في هذا العام.. هل ولدت حكومة المشيشي ميتة؟

في المقابل، لن يلين على الأرجح عزم الغنوشي ورفاقه في حماية مكتسبات الثورة التونسية وإبقاء رؤيته الإصلاحية حية، والنضال من أجل ألا تتحول بلاده إلى دولة فاشلة، أو يعود زعيم مستبد للإمساك بزمامها. لكن أمام حركة النهضة تحديًا كبيرًا في ظل التموجات والتقلبات السياسية الراهنة. التي تتطلب أن تبقى الحركة يقظة مرنة، تضع مصلحة تونس الديمقراطية فوق مصلحتها الحزبية، ليشتد عود الثورة، وتستقر سفينة الديمقراطية.

يرى البعض أن نجاح المرشح الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية المقبلة، جو بايدن، ربما يعرقل خطط الإمارات في تونس والمنطقة بشكل عام، لكن الانقلاب على التجربة الديمقراطية في مصر، الذي حدث إبان عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، يشير إلى أنه لن يكون هناك فارق كبير بين وجود رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض أو بقاء الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب، سوى في منح المستبدين طبقة علنية من الدعم.

ويمكن القول في نهاية المطاف إن التونسيين، هم لا غيرهم، من يملكون الخيار؛ ليس بين الغنوشي مقابل من يُرضي شغف الإمارات، ولكن بالأحرى بين طريقين؛ إحداهما يُفضي إلى دولة ديمقراطية راسخة مستقلة، تتعدد فيها الأحزاب وينعم مواطنوها بالحرية، أو دولة مستبدة لا تعترف بإرادة الشعب، بل تعترف فقط بإرادة من يحكمها، ومن قبله من يقف خلفه.

المصادر

تحميل المزيد