على شاكلة السلطات المصرية؛ أعلن الأردن عن تأسيس مدينة جديدة أطلقت الحكومة عليها «عمّان الجديدة»، في سبيل تعزيز الاستثمار والقطاع الخاص وتخفيف الضغوط المرورية، وسط احتمالات تُرجح اتجاه الحكومة لاعتمادها عاصمة جديدة للبلاد. ترسم السطور التالية صورة كاملة عن المدينة الجديدة، وأبرز مميزاتها بالنسبة للأردن، وما وراء الرغبات الملحة للحكومات العربية للشروع نحو تأسيس مدن جديدة، فضلًا عن استثناء الطبقات الفقيرة- بطبيعة الحال، بحُكم ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة في تلك التجمعات الجديدة – ، من سكن تلك المدن كحال العاصمة الإدارية وعمان الجديدة.

«عمّان الجديدة» مُسكِّن لأزمات الشعب الاقتصادية

فى 21 أكتوبر (تشرين الأول)، ووسط كمٍّ من الأزمات المالية التي تحاصر الأردن، وغضبٍ شعبىٍّ جراء الارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار، بعدما تراجعت قيمة العملة الوطنية، وخَفض الدعم على الوقود، أفصح رئيس الوزراء هاني الملقي خلال اجتماع مع وسائل الإعلام المحلية عن إتمام الحكومة دراسة شاملة حول بناء عمان الجديدة. وبحسب الإحصائيات الرسمية، فالأردن يعاني من تحدياتٍ اقتصاديةٍ تتمثَّل في ارتفاع المديونية العامة إلى أكثر من 38 مليار دولار مشكلةً نحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنة الذي يتجاوز 1.3 مليار دولار سنويًا.

لم يمُرّ على تصريح رئيس الوزراء الأردني سبعة أيام، حتى أعاد مجددًا الحديث من جديد حول مدينة «عمان الجديدة»، بوصفها وسيلة لتحفيز الاقتصاد وجذب الاستثمار، وعلى الأخص من القطاع الخاص، وأن المدينة بأكملها ستُقام على أراضٍ حكومية. ورأى أنه من شأن المشروع أن يساعد في التخفيف من حدّة الازدحام المروري في العاصمة ويساهم في تخطّي التحدّيات على مستوى الاكتظاظ السكّاني.

تتعامل السلطات الأردنية مع أمر عمان الجديدة التي تُرجح وسائل إعلام محلية أن تكون عاصمة جديدة، باعتبارها مسألة تتعلق بالأمن القومي؛ فالمتحدِّث باسم الحكومة يجهل مكان إقامة المشروع، ويؤكد أن لا أحد يعلم المكان إلا أربعة أو خمسة أشخاص فقط، بينما تخرج معلومات مُجهّلة من مصادر حكومية عن كون المدينة ستؤسس بالمُشاركة مع القطاع الخاص، وأن عمليّة التنفيذ ستمتّد على خمس مراحل.

وفقًا لمهندس المشروع الجديد «أنس عزايزة»، فالمشروع يهدف لعلاج السلبيات في العاصمة عمان وسلبيات المناطق الأخرى، حيث إنها واجهت أزمات هجرة ضغطت عليها وجعلتها غير قادره على مواكبة هذه التغيُّرات.

ظلت السرية تُحيط بالمشروع، حتى خرجت معلومات رسمية حول مكان المدينة، وهو موقع متوسّط يبعد نحو 30 كم عن العاصمة عمّان، و30 كم عن مدينة الزرقاء؛ ويبدأ العمل على المشروع من منتصف عام 2018، على أن ينتهي بعد فترة تصل إلى 15-20 سنة. وستعتمد العاصمة الجديدة على عدة مصادر مائية، مستفيدة من خصوصيتها الجغرافية كونها تقع على ارتفاع منخفض عن مستوى سطح البحر، وتتواجد بالقرب من آبار المياه الجوفية الاستراتيجية وإدارة مياه الأمطار، بعمل سدود لتخزين المياه.

في مقابل هذه المشروع الحكومي الذي سيتكلَّف بناؤه مليارات الدولارات، سعى الكثيرون لطرح خططٍ تتعلَّق بضرورة إقدام الحكومة على إنشاء شبكة طرق حديثة وشبكة مواصلات للنقل العام، إضافة إلى تغيير قانون تنظيم البناء ليُسمح من خلاله ببناء طابق إضافي في عمان كي يصبح خمسة طوابق بدلًا من أربعة طوابق، باعتباره وسيلة للتنمية أفضل من وضع هذه الأموال في مشروع بحاجة إلى سنوات حتى تكتمل صورته النهائية.

تذهب الكثير من التحليلات للتعامل مع المشروع الجديد وكأنه استعراض حكومي وسط الأزمات الاقتصادية، والغضب الشعبي، فالمشروع هو وسيلة للتباهي أمام جموع المواطنين، لتشغلهم عن مشاكلهم التي يغرقون فيها، وسيستخدم بوصفه مُسكنًا بواسطة حملات إعلامية موالية للحكومة الأردنية ترسم صورة للمدينة الجديدة باعتبارها الحل السريع للتنمية الاقتصادية.

تتشابه الحملات الإعلامية الترويجية لهذا المشروع مع حملات جرى تسويقها لعددٍ من المشاريع الحكومية، وفشلت السلطات الأردنية في استكمالها، أو لم تؤد الغرض الذي صُممت من أجله. تمثلت هذه المشاريع في مشروع إقامة شارع الأردن الذي يربط وسط البلاد بشمالها، ومشروع الباص السريع، ومشروع الشركة المتكاملة للنقل. يبرر الكثيرون فشل هذه المشاريع بمنح الحكومة الأردنية تنفيذ وتصميم هذه المشاريع إلى خبراء أجانب فنيين، لم يطلعوا على الثقافات والظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطن الأردني، الذي تُشكل هذه العوامل المُحدد الرئيسي له في الإقبال على هذه المشاريع من عدمها.

الفقراء خارج الأسوار

كعادة المدن الجديدة في العالم العربي، التي صُممت باعتبارها عواصم إدارية جديدة في مصر والسعودية على الترتيب، حصرت أسعار العاصمة الجديدة في الأردن سكانها وروادها من طبقة الأغنياء، بعدما ارتفعت بشكل غير مسبوق، في ظل تسابق كبار المستثمرين على شراء أراض في المناطق المحيطة بها.

ليس أدل على ذلك سوى القفزات الكُبرى التي حققتها أسعار الأراضي في المنطقة المُحدد بناء العاصمة الجديدة بها؛ حيث ارتفعت أسعار الأراضي في عمان الجديدة من حوالى 4 آلاف دولار لكل ألف متر مربع إلى أكثر من 70 ألف دولار، وفقًا لما ذكره مُحرر «العربي الجديد» في الأردن. ونشاط قطاع الأعمال وتجار العقار في مكان المشروع المقترح عبر شراء أكبر قدر ممكن من الأراضي وتحويله بعد سنوات لمشاريع استثمارية، يتعلق برؤية المستثمرين للأرباح التي ستعود عليهم بعد تأسيس المدينة الجديدة السنوات المقبلة، فيما تراه الحكومة مكسبًا لها بالترويج للمدينة الجديدة، وتسويقها استثماريًا.

Embed from Getty Images
العاصمة الأردنية عمان

الارتفاعات غير المسبوقة داخل المناطق التي تحيط بمشروع العاصمة الجديدة لا تنفصل عن الزيادات في أسعار العقار خلال السنوات الأخيرة، إذ وصل ارتفاع أسعار العقار في الأردن نحو 50% في 10 سنوات، كما زادت أسعار العقار السكاني بكافة أشكاله، وتراجعت في العقار الصناعي من غير السكني، وفي العقارات لأغراض أخرى، وظلت نسب ارتفاع أسعار الأراضي مستمرة.

ترسم هذه الأسعار للأراضي التي تحيط بمشروع العاصمة الجديدة في الأردن هوية ونوعية سكانها؛ فهي قد صُممت للطبقة الغنية التي تشكل نحو 8.1% من مجموع الأسر، وتستهلك 24.7% من إجمالي الاستهلاك وتحقق 25.6% من الدخل، بينما النسب الباقية من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل التي يتباين مستواها الاجتماعي والمادي، تظل غير قادرة على الشراء أو الاستئجار في هذه الأراضي التي تفوق أسعارها متوسط دخلها الشهري.

وحسب دراسة حكومية، فالطبقة الوسطى في الأردن تآكلت وباتت تشكل 29% فقط من إجمالي عدد السكان حتى عام 2010 مقارنة مع ما نسبته 41% في عام 2008، بينما ارتفع خط الفقر العام للفرد في الأردن سنويًا لأكثر من 800 دينار (أي ما يعادل 1128 دولارًا). وأشارت الدراسة التي أعدها كل من وزارة التخطيط والتعاون الدولي ودائرة الإحصاءات العامة في الأردن، إلى أن أفراد هذه الطبقة يحققون 34.7% من الدخل ويستهلكون 37.2% من إجمالي الاستهلاك.

تتشابه الأوضاع بين عمان الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، التي شيدتها السلطات المصرية بتوجيهٍ من الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعدما قفزت فيها الأسعار ليصل سعر الوحدة السكنية البالغ مساحتها 120 مترًا نحو مليون و80 ألف جنيه، بينما يبدأ سعر الفيلا الـ200 متر من 3 مليون جنيه، ويزداد تدريجيًا، وهو ما يعني أن سعر المتر يصل إلى 15 ألف جنيه.

لا تعني هذه الأسعار سوى أن السكن في العاصمة الإدارية الجديدة سيكون قاصرًا على الأغنياء فقط، وسيُحرم محدودو الدخل من امتلاك وحدات سكنية فيها، أو حتى على مسافات قريبة منها، خصوصًا في ظل القفزات الكبرى التي حققتها المناطق المحيطة بها كمنطقة التجمع الخامس التي يبدأ سعر المتر فيها من 8000 جنيه مصري.

يؤكد ذلك ما توضحه الدراسة الصادرة من مركز «عشرة طوبة للدراسات والتطبيقات العمرانية»، موقع مرصد العمران المتخصص في تخطيط وإدارة العمران والإسكان والخدمات، عن اضطرار نسبة تصل لنحو 59.4٪ من الأسر إلى دفع أكثر من 25٪ من دخلها الشهري لاستئجار منزل متوسط السعر (800 جنيه)، في حين أن ما يقرب من نصف الأسر (49.2٪) ليست قادرة على شراء المساكن متوسطة السعر والتي تقدر قيمتها بـ225.000 جنيه، حيث إنها تتخطى 6.6 أضعاف دخلهم السنوي.

شبح الفشل يطارد العاصمة الجديدة

لا تعد تجربة تأسيس عاصمة إدارية جديدة أمرًا مستحدثًا في العالم العربي، إذ شرعت عدد من دول أمريكا الجنوبية في تأسيس مُدن جديدة، تحت دواع سياسية وأمنية، قبل أن تفشل هذه النماذج، وتؤدي لتضاعف مشاكل بلدانها. واحدة من هذه الدول كانت البرازيل، حين شرعت السلطات البرازيلية عام 1955 في بناء عاصمة جديدة تقع بمنطقة وسطية وقريبة من جميع المدن والأراضي البرازيلية المترامية الأطراف، حسبما بررت آنذاك أهداف بناء العاصمة، والتي نجحت في بنائها بين عامي ١٩٥٥ و١٩٦٠، ونُقلت كافة المباني الفيدرالية إليها.

Embed from Getty Images
صورة للعاصمة البرازيلية وسط الأضواء

نجحت السلطات البرازيلية، إذن، في نقل العاصمة من «ريو دي جانيرو» إلى مدينة «برازيليا»، ولم تتعاط مع الآراء المعارضة لبناء عاصمة جديدة، وأطلقت الاحتفالات بإنجازها الذي وصفته، آنذاك، بالتاريخي، قبل أن يتعثر المشروع لاحقًا بعدما أحجم السكان عنها ولم يلتحق بها إلا ١% من الموظفين، وفقد أعداد كبيرة من الموظفين وظائفهم، كما تسبب نقل العاصمة في مضاعفة مشاكل مدينة «ريو دي جانيرو» في إيجاد المساكن للفقراء والتلوث البيئي الكبير.

وتُعد نيجيريا من الدول التي سعت لتأسيس عاصمة جديدة لها، حيث بدأت الحكومة النيجيرية ، قبل ثلاثين عامًا، التخطيط لتكون «أبوجا» عاصمة البلاد، لأمور تتعلق بكونها مدينة حديثة نسبيًا، وتستطيع ربطها بشبكة مواصلات تتصل بالمدن الأخرى، وأصبحت بالفعل الرسمية في ١٢ ديسمبر(كانون الأول) ١٩٩١ بدلًا من العاصمة القديمة لاجوس.

المساعي الرسمية لتحويل المدينة الحديثة لتكون عاصمة رسمية لم تنجح، إذ فشلت الحكومة النيجرية في تنفيذ مخططها الهندسي للمدينة، وعجزت عن استكمال كافة مبانيها، واقتصرت، فقط، على وجود المجمع الرئاسي والمجلس الوطني والمحكمة العليا. حسب مقال، لمصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في جريدة «الشروق» المصرية، فالتحول إلى عواصم جديدة مثل برازيليا وإسلام آباد وأبوجا في البرازيل وباكستان ونيجيريا لم يؤدِّ إلى حل مشاكل العواصم القديمة من فقر وبطالة وتدهور في مرافقها الأساسية. هذا أمر يعرفه من يزورون العواصم القديمة مثل ريو دي جانيرو وكراتشي ولاجوس.

ويستعرض «السيد» نموذج الصين، قائلًا :«عجبت أن أحدًا من كبار المسئولين لدينا لم يدر بخاطره أن يدرس مثلا تجربة بكين، عاصمة الصين وهي أكبر بلاد العالم سكانا ومع ذلك لم يفكر قادة الصين في التحول عنها إلى مدينة أخرى، وتمكنوا من الحد من الهجرة لها والارتفاع بمستوى المرافق فيها بحيث تصبح مدينة يسعد سكانها بالإقامة فيها، ويفخر قادة الحكومة الصينية بأنهم يمارسون عملهم ويواصلون تقاليد إدارة الدولة في مدينة تاريخها عريق».

المصادر

تحميل المزيد