العداء الروسي والصيني تجاه الولايات المتحدة سيؤدي إلى اندلاع حرب باردة جديدة. هذا ما توقعه مايكل روسكن الباحث بمعهد الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب في الجيش الأمريكي في مقال له نشره مركز الأبحاث السويسري في السادس عشر من شهر يونيو، طالب من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية بتبني استراتيجية طويلة الأمد للتعامل بحزم مع كل من روسيا والصين وتجنب السياسات الدبلوماسية والعسكرية التي كان لها أثر في إطالة أمد الحرب الباردة القديمة والتي من شأنها أيضًا أن تجعل من الحرب الباردة الجديدة أقصر أمدًا وأقل خطورة.

يتوقف نجاح الحرب الباردة الجديدة ومدى عمقها على نجاح التفاهم الروسي والصيني في التحول إلى تحالف يفرض معه المزيد من التحديات الصعبة أمام الولايات المتحدة، فالدب الروسي وحيد، وبدون التحالف الصيني سيبدو عاجزًا عن إلحاق الأذى بمنافسيه خاصة مع حالة الضعف التي تنتاب الدولة الروسية في الوقت الراهن مقارنة بالاتحاد السوفيتي في السابق، علاوة على أن الانقسام الذي ساد العلاقات الصينية الروسية سابقًا كان أحد العوامل التي عجلت بمشهد النهاية للحرب الباردة القديمة، التي انتهت بالتزامن مع أزمات اقتصادية لم تسلم منها الولايات المتحدة التي نالت نفحة من الأزمات الاقتصادية في عام 2008، ما يؤشر على أن الاقتصاد الأمريكي ليس بمأمن من الانهيار.

و خلافًا لمشاعر النصر التي انتابت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية التسعينيات، تتصاعد حدة الانتقادات للسياسة الأمريكية الخارجية في أعقاب أزمة القرم التي شهدت ضم شبة جزيرة القرم الأوكرانية للأراضي الروسية من قبل بوتين وهو ما أعطى مؤشرات على تراجع الهيمنة الأمريكية، تلك الهيمنة التي دفعت روسيا والصين في عام 1996 إلى توقيع اتفاق شنغهاي بالتعاون مع ثلاث دول في آسيا الوسطى وهي كازاخستان، قرغيزيا، و طاجيكستان والذي تحول فيما بعد إلى منظمة شنغهاي للتعاون ( (SCOفي عام 2001 بانضمام دولة سادسة وهي أوزباكستان، وبالرغم من ممارسة أعضاء المنظمة لبعض المناوشات البرمائية ضد تايوان، إلا أنها لا تعد تحالفًا عسكريًا رسميًا حتى الآن.

من جانبه اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انهيار وتفكيك الاتحاد السوفيتي في عام 1991 بمثابة “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين” وهو ما دفعه إلى الدفع في اتجاه إدماج الدول المجاورة في “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” الذي تم التوقيع عليه في عام 2011 على أن يبدأ فعلياً في عام 2015 في محاولة من بوتين لإعادة إحياء الاتحاد السوفيتي حتى وإن كلفه ذلك تنفيذ عمليات عسكرية ضد جورجيا في عام 2008 لمنع أوسيتيا الجنوبية من الانضمام لحلف شمال الأطلسي أو احتلال شبة جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014 تحت مزاعم بحماية الأقليات الروسية لمنع انضمام أوكرانيا للناتو.

وبالرغم من اعتبار الصين شريكًا للولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي نيكسون للصين عام 1972 التي جاءت ضمن المساعي الأمريكية حينها للضغط على السلطات السوفيتية ونظرة الأمريكيين للزيارة آنذاك باعتبارها فتحًا للصين ووضعها على مسار الديمقراطية والرأسمالية، إلا أن هذه النظرة ذهبت في مهب الريح واصطدمت أكثر بالواقع خاصة مع ما مثله القصف الأمريكي غير المقصود لمبنى السفارة الصينية في بلجراد عام 1999 من رمزية للعداء بين الولايات المتحدة والصين التي تتزايد مطالباتها العبثية بتوسيع حدودها الإقليمية في جنوب وشرق بحر الصين بالتوازي مع تنامي قوتها السياسية والإقليمية.

لقد شجعت الأزمة الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد العالمي في عام 2008 والتي كشفت على ما يبدو عن الضعف الذي يعتري الاقتصاد الأمريكي واستراتيجياتها الخاطئة في كل من العراق وأفغانستان وعجزها السياسي، شجعت كلًا من الصين وروسيا أن يتقدما خطوة نحو الأمام رغم ما تواجههه كلتا الدولتين من تحديات اقتصادية واستراتيجية وعرقية وسياسية، فمن جهتها حاولت الصين أن تحظى بالمكانة الدولية تزامنًا مع تنظيمها لدورة الألعاب الأوليمبية الصيفية في بكين في عام 2008، على الجانب الآخر شرعت روسيا من جانبها في إنفاق خمسين مليار دولار ضمن استعداداتها لتنظيم دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في مدينة سوتشي الروسية في عام 2014 رغم ما تعرضت له من انتقادات على الصعيد الدولي على خلفية اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان والأزمة الأوكرانية وما صاحبها من احتلال لشبه جزيرة القرم وضمها للأراضي الروسية.

باختصار يمكننا القول بأن العلاقات الأمريكية مع الصين وروسيا بعد الحرب الباردة لم تشهد سلاسة أبدًا بل وتدهورت في مناسبات عدة على مدار سنوات في ظل إصرار موسكو وبكين على عدم التخلي عن سياسة “سوء النية الكامنة” التي مثلت نموذجًا للحرب الباردة، فلا تزال كلتا الدولتين تثيران المزيد من الشكوك والشبهات حيال دوافع الولايات المتحده وصولًا إلى انتقادات روسية صينية موجهة إلى سفراء الولايات المتحدة لديهما مايكل ماكفول وجارى لوك على التوالي، ما يشي بعمق العداء الذي قد لا يمكن معالجته والتعاطي معه في الوقت الراهن عبر الحلول التقليدية.

استراتيجية جديدة لحرب باردة جديدة:

  1. تعليق الأحاديث الفضفاضة حول المواجهات العسكرية التي تؤدي إلى الرجوع إلى الوراء واتخاذ مواقف متصلبة.
  2. تحديد أيٍّ من الصين أو روسيا يمثل تهديدًا على المدى الطويل ويتم التعامل معه بحسم مع التأهب العسكري وأيٍّ منهما يمثل تهديدًا على المدى القصير ويتم التعامل معه بدبلوماسية يغلفها الصبر.
  3. لا تحاول أن تعمل على إحياء الناتو والتوجه نحو آسيا في ذات الوقت بل قم بتبني خيار واحد نظرًا لعجز الميزانية الأمريكية عن دعم كل منهما، كما أن الميل نحو كلا الخصمين سيدفع بهما نحو الأمام.
  4. لا تقم ببناء أنظمة تسلح جديدة لمحاربة الحرب الباردة القديمة وعوضاً عن ذلك يجب الحفاظ على القوات المسلحة ودعمها بالتدريب وعلى استعداد لمواجهة التهديدات الحالية.
  5. التوقف عن غزو الدول الأخرى فالتورط في عمليات عسكرية خارج الديار من شأنه أن يسمح للخصوم بتصوير الأمر على أنه رغبة أمريكية في توسيع الهيمنة الدولية، بالإضافة إلى أن الرأي العام الأمريكي والموازنة لن يتحملا نشر المزيد من القوات عبر البحار.
  6. الامتناع عن اتخاذ إجراءات من جانب واحد؛ فالحلفاء يمثلون أهمية على الصعيد السياسي حتى في حالة تحمل الأعباء العسكرية.
  7. السعي نحو تنشيط حلف شمال الأطلسي مع عدم الشعور بالخيبة لو ظلت أوروبا منقسمة وسلبية.
  8. التماس الاكتفاء الذاتي من الطاقة بحيث يتم استيراد القليل من النفط مع تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا لتعويض التهديدات الروسية لخفض الواردات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد