هناك جيل جديد من مقاتلي حزب الله يخوض تجربته القتالية الأولى في سوريا. أتصور أنهم يكتسبون خبرة جيدة في القتال ضمن مجموعات صغيرة في مواجهة حقيقية في ساحة المعركة، لا من خلال معارك وهمية تنفذ عادة في التدريبات.

نشأ جيل جديد من القيادات الشابة داخل حزب الله، تتراوح أعمارهم بين العشرينيات إلى الثلاثينيات، كمحاولة من قادة الحركة لملء الفراغ في المناصب القيادية، التي قتل أصحابها خلال المعارك في سوريا، أو تعرضوا لعمليات اغتيال، فضلًا عن كبر أعمار الرعيل الأول من القادة.

يكتنف أدوار هذه القيادات الشابة الغموض، ويُحاط بهم من جانب قادة الحركة بسياج من السرية حول هويتهم، وأدوارهم، والمسئوليات المخولين بها داخل وخارج لبنان. يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن هذا الجيل الجديد من قيادات حزب الله، وما هي طبيعة أدوارهم التي يضطلعون بها، وما هي سماتهم، وهل يحمل هذا الجيل رؤية مغايرة عن أقرانهم من الرعيل الأول داخل الحركة.

مصطفى عماد مغنية.. الشاب الثلاثيني الصاعد داخل حزب الله

قبل 30 عامًا؛ نشأ شاب لعائلة ذاع نفوذها وحضورها داخل حزب الله؛ فالأب هو الرجل الذي تتحاكى أجهزة الاستخبارات حول كفاءته القتالية، وخططه العسكرية، وصار قائدًا للجناح العسكري لحزب الله، في دمشق عام 2008، أما أبناء عمومته وشقيقه فيتوزعون على جبهات القتال وأودية لبنان مدافعين عن نفوذ الحزب. لم يجد الأب والأم لهذا الشاب أفضل من اسم خاله مصطفى بدر الدين، الذي عين قائدًا للجناح العسكري لحزب الله عام 1984، والذي كان حينذاك سجينًا في الكويت، بناء على توصيات أمريكية.

Embed from Getty Images

صور تأبين حزب الله لقائده السابق عماد مغنية.

لم تكن تلك التنشئة وسط الوديان، والتنقل في السراديب تحت الأرض، سوى بيئة لبزوغ قائد جديد داخل حزب الله، اختار له والداه الانخراط في تدريبات حزب الله منذ سنوات صباه الأولى ليُكمل المسيرة. بدأت أولى مراحله التدريبية في جنوب لبنان، قبل أن ينتقل بحلول سن 18 إلى إيران عام 2005، لاستكمال مهامه التدريبية بعد تخصصه في نفس مجال والده وهو المهام العملياتية داخل لبنان وخارجه.

على عكس أخيه جهاد الذي تداولت وسائل الإعلام صوره، وبات المتحدث الرسمي للعائلة، وتنقل داخل المناصب الأمنية في حزب الله، قبل أن يتعرض لمحاولة اغتيال في غارة إسرائيلية في القنيطرة السورية، سار مصطفى على درب والده؛ فمهامه التي يتحدث عنها الكبير والصغير ليست معروفة سوى لدائرة مُقربة جدًا منه، ويتجنب الظهور في وسائل الإعلام، ولا يعرف أحد هيئته، ويزكيه حسن نصر الله شخصيًا لمناصب كُبرى.

السرية التي تكتنف مهام مصطفى، وعدم الظهور إعلاميًا، ورثها عن والده عماد مغنية، أحد القادة التاريخيين لحزب الله؛ فالأب الذي شكل إحدى نقاط قوة حزب الله عسكريًا واستراتيجيًا، لطالما اعتاد إدارة المهمات الموكلة إليه بسرّية كاملة تحيط بشخصيته الحقيقية، حتى إنه طلب شخصيًا من السيد حسن نصر الله نفي وجود أحد ما اسمه عماد مغنية، داخل جسم حزب الله. يظهر أحد جوانب هذه السرية من واقع إجابة لحسن نصر الله أمين عام حزب الله حين سئُل عن مغنية الأب في إحدى المقابلات التلفزيونية، إذ قال «ليس لدينا شخص بهذا الاسم».

لا يغيب عن الابن مصطفى ما ذكره له والده في صباه حين سأله يومًا عن السرية الشديدة التي كان يُحيط بها أدواره ومهامه: «ماذا إذا لم يعترف حزب الله بك بعد استشهادك»؟ أجابه: «لا أنتظر أحدًا أن يعترف بي. إذا كانت هناك مصلحة لهم بعدم الاعتراف، فلا مشكلة». يستدعي الابن دومًا هذه الكلمات منهاجًا له لشغل دور والده عسكريًا واستراتيجيًا دون الجهر بأدواره، مؤمنًا بأن الخروج للعلن يحمل مساوئ كثيرة قد تقف أمام طموحاته القيادية كحال والده الذي ملأ العالم بسيرته العسكرية الفذة بعد مقتله في دمشق عام 2008.

وفقًا لتحقيق أعده باحث شؤون الاستخبارات، «رونين سولومون»، فمصطفى هو المسئول الأول عن تنسيق تحركات قادة حزب الله في لبنان وسوريا وإيران، والموكل إليه مهمة حمايتهم شخصيًا. علاوة على ذلك، يقال إنه يوفر وسائل تنقل خاله بدر الدين، وهو المسؤول عن أمنه الشخصي أيضًا، قبل اغتياله.

ويُفسر سولومون البقاء على هوية مصطفى غامضة، على عكس أخيه، بضمان إمكانية إشراكه في المستقبل في مهام سرية، مثل التي تنفذها الوحدة 910 – الوحدة التابعة لحزب الله المسؤولة عن تنفيذ الهجمات الخارجية -، التي كانت تحت قيادة خاله مصطفى بدر الدين.

سيرةُ الشابِ الصاعد داخل سُلم التدرج بحزب الله وأدوارُه حولته إلى هدفٍ لعدد من الدول والجماعات الساعية لاغتيال قادة الحركة؛ ليتعرَّض لأول محاولة استهداف في أغسطس (آب) 2011، بعدما ظهر اسمه إثر حدوث انفجار غامض في ضاحية جنوبية ببيروت، المعروفة بكونها معقلًا لحزب الله.

وفُسر استهداف الشاب الصاعد داخل أروقة حزب الله، آنذاك، بمحاولة اختراق للحركة، وتسريب اسم مصطفى مغنية إلى جانب عدة أسماء من القيادات الشابة للموساد، وهي المسألة التي انكشفت تفاصيلها بأن المُسرب لهذه المعلومات هو المسؤول رفيع المستوى بحزب الله «محمد شوربة» الذي بات معروفًا الآن أنه كان يعمل مع الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال تلك السنوات.

لا يُعد مصطفى حالة فردية في حزب الله من الشباب الذين جرى تصعيدهم محل القيادات التي تعرضت للاغتيال؛ إذ تُشير تقارير وشهادات حول إشراف حسن نصر الله بنفسه على تهيئة كوادر قتالية وقيادات ميدانية شابة حلت محل الكوادر التي اعتمد عليها طوال 20 عامًا، وفقدها في الحرب السورية، دون إعلان رسمي عنهم لوسائل الإعلام، واقتصار الكشف عن  هذه التغييرات على الكوادر الداخلية للحركة.

فراغ قيادي وتوسُّع المهام وحماية للاختراق

أدَّى توسُّع أدوار حزب الله خارج حدود لبنان عسكريًا مثل انخراطه بشكل مباشر في سوريا من شمالها إلى جنوبها، وإيفاد قيادات إلى اليمن لرفع مستوى البرنامج التدريبي للمتمردين الحوثيين إلى فراغ في القيادات التنظيمية على إثر سقوط المئات من الجيل الأول من القيادات التي استوجبت تصعيد عدد من القادة الجُدد داخل الحزب، وإرسال أعداد صغيرة من المدربين الشباب لسد هذا الفراغ.

Embed from Getty Images

صور لبعض العناصر الشابة في حزب الله.

ويظهر هذا الفراغ الكبير في عدد القادة المنتمين للجيل الأول داخل الحركة الذين فقدتهم في سوريا مثل محمد أحمد عيسى، أحد مسؤولي ملفي العراق وسوريا في حزب الله، وجهاد مغنية، نجل القيادي العسكري بالحزب عماد مغنية مطلع عام 2015 في محافظة القنيطرة، وفوزي أيوب، الذي يحمل الجنسية الكندية، وكان مطلوبًا لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2009، وفادي الجزار الذي لقي مصرعه بمحافظة حلب في مايو (أيار) 2014، وحسن علي جفال، قائد قوات النخبة بالحزب، وحسن حسين الحاج أحد قادة الحركة المخضرمين، الذي كان مشرفًا على ميليشيات الحزب التي تقاتل في ريفي حماة وإدلب، وأيضًا مصطفى بدر الدين الذي كان يعد رجل الظل في حزب الله.

كما تعرَّض بعض القادة للاغتيال خارج سوريا أبرزهم حسن اللقيس، رئيس قسم المشتريات العسكرية لحزب الله، في بيروت، في ديسمبر (كانون الأول) 2013. كل هذه الخسائر في القيادات خلقت فجوة داخل هيكل الحركة؛ أدت بالضرورة لتصعيد جيل جديد محل هذه القيادات.

مُحدِّد آخر وراء تصعيد قيادات جديدة، وفرض سياج من السرية حول طبيعة أدوارهم، والتشدُّد حول الكشف عن هويتهم، هو وقوع أكثر من اختراق للحركة اللبنانية أكثر من مرة على مدار الأعوام الأخيرة؛ أدَّت لكشف طبيعة تحركات هؤلاء القادة ومهامهم بشكل تفصيلي، وانكشاف مهامهم داخل الحركة سواء داخل لبنان أو خارجها مما ساهم في اغتيال أكثر من قائد بارز منهم، واضطرار الحركة لتصعيد جيل جديد من القادة دون الكشف عنهم بشكل رسمي.

ويُعزز هذه الرواية ما قاله نعيم قاسم، القائد الثاني لحزب الله هذا العام أن الحزب «يحارب التجسس داخل صفوفه». وإشاراته الدائمة حول مسعى الحركة الدائم لإجراء تحريات داخلية بشكل دائم تحول دون اختراقها.

ما الذي يختلف بين الجيل الجديد والرعيل الأول؟

نشأ الجيل جديد من المقاتلين الشباب، ممن شكلت الحرب في سوريا أولى خبراتهم العسكرية، في سياق سياسي داخلي وخارجى مغاير تمامًا لما نشأ عليه الجيل الأول من قادة الحركة في سنوات التأسيس الأولى عام 1982، إذ اكتسب هذا الجيل شرعية داخل لبنان وخارجها على ما حققوه كتنظيم عسكري لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى قلب العاصمة بيروت آنذاك، وعززوا هذه الشرعية من تجدد المواجهة في 2006، خصوصًا بعدما فشلت إسرائيل في كسر شوكة الحزب وانتهى الأمر بوقف لإطلاق النار.

Embed from Getty Images

حسن نصر الله يخطب في أنصاره من حزب الله.

لم يبق من آثار هذه الشرعية لهذا الجيل الجديد ما يعززون به حضورهم في الداخل والخارج خصوصًا لدى الكتلة السنية داخل لبنان؛ إذ ضاعف زوال هذه الآثار انخراط هذا الجيل في أولى معاركه الخارجية في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، ما ساهم في  خسارة قطاعات كبيرة سنية مؤيدة لهم، خصوصًا السنة داخل لبنان الذين تصل نسبتهم حوالي 40% من المجندين في الجيش اللبناني، الذي يخضع لسيطرة من جانب حزب الله.

حسب «جيفري وايت»، المتخصص في الشؤون العسكرية بمعهد واشنطن، فقادة حزب الله الجدد أصبحوا هدفًا للعناصر السنية العاملة في لبنان، التي توغلت إلى قلب المنظمة في جنوب بيروت. كما ساهمت مشاركة «الحزب» في الصراع السوري في زيادة التوتر السني الشيعي في لبنان. مردفًا أن حزب الله، الذي كان محبوبًا في العالم العربي ذات يومٍ، يُنظر إليه الآن، على الأقل في بعض الأوساط، على أنه عدو السنة.

أخذ هذا الجيل فترة تدريبه العسكري عند الثامنة عشرة من أعمارهم في جنوب لبنان، لينتقل بعد ذلك من يُرشح للتدريب على قيادة المجموعات على الأرض إلى إيران، كحال مصطفى مغنية، قبل أن يتم إرسالهم للتخصص في مجال عسكري معين، وهي المسألة التي عمقت من صلاتهم مع إيران على اعتبار أن الحرس الثوري كان المسؤول عن تأهيل هؤلاء.

ساهم انخراط هذا الجيل الشاب بالحرب الأهلية السورية في اكتساب مهارات حربية ربما تفوق الجيل الأول نظرًا للصعوبات الكُبرى التي تواجههم في المواجهات العسكرية بسوريا؛ فهذه المواجهات أتاحت لهذا الجيل خبرات ومهارات الحرب مع المليشيات غير النظامية في مناطق لا يعرفون جغرافيتها جيدًا، وتغيب فيها نقاط تمركزهم العسكرية، والتحصينات والحواجز حسب تحليل منشور في معهد واشنطن للأبحاث السياسية والعسكرية.

تمثلت هذه المهارات في خبرة القيادة والسيطرة، وجمع المعلومات الاستخباراتية التكتيكية والعملياتية واستخدامها. ويعزز الطرح السابق ما ذكره «أندرو إكزوم»، الموظف السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والخبير في الشؤون اللبنانية، لوكالة فرانس برس، «هناك جيل جديد من مقاتلي حزب الله يخوض تجربته القتالية الأولى في سوريا. أتصور أنهم يكتسبون خبرة جيدة في القتال ضمن مجموعات صغيرة في مواجهة حقيقية في ساحة المعركة»، لا من خلال معارك وهمية تنفذ عادة في التدريبات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد