يأتي قانون الاستثمار الجديد الذي صادق عليه البرلمان التونسي، السبت 17 سبتمبر (تشرين الأول) 2016، بغاية تشجيع الاستثمار في تونس، كخطوة يتوقع من خلالها فك الاقتصاد التونسي من أزمته.

مثلت تونس تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها في العالم العربي؛ إذ نجحت نسبيًا في تحقيق انتقال سياسي كامل، دون الانجرار إلى حروب أهلية، بالرغم من كل الصعوبات التي واجهتها في هذا المسار، خلافًا لنظيراتها من البلدان التي مستها عاصفة احتجاجات 2011.

لكن هذا الانتقال السياسي، لم ينتج على أرض الواقع ما كان يأمله التونسيون، فبالرغم من أن قوس الحريات زاد توسعًا بالمقارنة مع عهد الرئيس المخلوع «زين العابدين بن علي»، إلا أن الأوضاع الاقتصادية بقيت على حالها، إن لم تزدد تفاقمًا، وظلت التفاوتات بين القطاعات الشعبية والجهات قائمة؛ مما أجج مشاعر السخط والخيبة داخل المواطنين التونسيين.

في هذا السياق، يأتي قانون الاستثمار الجديد الذي صادق عليه البرلمان التونسي، السبت 17 سبتمبر (تشرين الأول) 2016، بغاية تشجيع الاستثمار في تونس، كخطوة يتوقع من خلالها فك الاقتصاد التونسي من أزمته.

امتيازات سخية للمستثمرين

يعتبر قانون الاستثمار الجديد، الذي أقرته تونس حديثًا، هو أول قانون بهذا الشأن منذ الاحتجاجات الشعبية في 14 يناير (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي؛ إذ حظي بموافقة 114 نائبًا برلمانيًا، وعارضه أربعة نواب فيما تحفظ عليه 16 نائبًا. وسيدخل حيز التنفيذ مع بداية السنة الجديدة المقبلة.

وجاء هذا المشروع القانوني لدفع عجلة الاقتصاد التونسي وإخراجه من دوامة التباطؤ والكساد، وذلك من خلال خلق مناخ خصب للمشاريع والأعمال، عبر إزالة الحواجز البيروقراطية أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ومنح المستثمرين تسهيلات مغرية.

ويحتوي القانون على 36 فصلًا، تناولت أهداف القانون والضمانات الممنوحة للمستثمرين وواجباتهم، والمنح والحوافز، وحوكمة الاستثمار، وتسوية النزاعات. وينص المشروع على تشكيل مجلس أعلى للاستثمار يتكفل بإصدار القوانين التفصيلية والتنظيمية لتنزيل مقتضيات المشروع والسهر على تنفيذها على أرض الواقع.

ويمنح قانون الاستثمار التونسي الجديد حزمة من الامتيازات للراغبين في الاستثمار بتونس، تشمل الحماية القانونية للمستثمرين، وتبسيط المساطر الإدارية، ومنع العديد من الفوائد للشركات المصدرة، وفتح مناخ حر للاستثمار، وكذا منح الجنسية التونسية للمستثمرين الأجانب.

بيد أن هذه الامتيازات السخية المقدمة للمستثمرين الأجانب على حساب العمال أثارت حفيظة بعض القوى السياسية والمجتمعية، حيث علق وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي التونسي، «فاضل عبد الكافي» حول هذا القانون قائلًا: إنّه «بالرغم من أني لست راضيًا تمامًا عن هذا القانون، إلا أنه خطوة إيجابية» مضيفا بأن الاستثمار يجب أن يضمن أيضًا وظائف لائقة، وأجور لائقة، وتغطية اجتماعية لائقة.

خلفيات خروج هذا القانون

عانى الاقتصاد التونسي خلال الفترة الأخيرة من ركود حاد زاد من تباطؤ نموه، حيث لم يتجاوز معدل النمو%1.5 خلال العام الجاري، كما تراجع الاستثمار الخارجي إلى %23.4، علاوة على استفحال الفقر والبطالة بين قطاع واسع من الشباب التونسي، بالإضافة إلى استمرار مظاهر التهميش والفساد والتفاوتات الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية التونسية، ما حال دون وصول تونس إلى انتقال سليم ناجح اقتصاديًا يرفع من مستوى معيشة التونسيين.

أمام هذا الوضع المتأزم، قدمت مجموعة من مراكز الدراسات الدولية تقارير اقتصادية متوالية طوال النصف الأول من العام الجاري، تشخص الاقتصاد التونسي وتقدم توصيات لتعافيه. كان التقرير الصادر عن المؤسسة الأمريكية «كارنيجي للسلام الدولي»، التي سبق لها أن عقدت ندوة دولية في تونس، شهر أبريل (نيسان) الماضي من هذه السنة، حول الواقع الاقتصادي التونسي وآفاق تطويره.

وخرج تقرير كارنيجي، المعنون بـ«بين الوعد والوعيد: إطار جديد للشراكة مع تونس» بتوصيات، تحث تونس على «إجراء إصلاحات مؤسساتية لتحسين الحوكمة وإرساء آلية لإطلاق عجلة التنمية»، وهي الدراسة التي عقب عليها «الحبيب الصيد» رئيس الحكومة حينئذ خلال الندوة الدولية التي نظمها مركز كارنيجي، بأن تونس ماضية في الجهود الرامية إلى إرساء بيئة أعمال ومناخ استثمار يستجيبان لمتطلبات التنمية في البلاد عبر تشجيع المستثمرين، وتحفيزهم في كافة القطاعات ذات القدرة التنافسية والقيمة المضافة العالية.

وسبق للبنك الدولي أن أصدر تقريرًا حول واقع الاقتصاد التونسي، يقول فيه إن «القطاع المالي التونسي يعوقه فشل الحكم، وقواعد العمل، والسياسات التنظيمية التي تحدّ من المنافسة، وسياسة صناعية، وأخرى زراعية، تُنشِئان الاختلالات، وترسّخان الفوارق الإقليمية»، ومن ثمة لم يكن غريبًا ترحيب المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، «كريستين لاجارد»، بالقانون التونسي الجديد للاستثمار، واعتبرته «قانونًا يفتح آفاقًا أرحب لدفع عجلة التنمية خاصة بالمناطق الداخلية».

وكان صندوق النقد الدولي قد منح، منتصف هذا العام، تونس 2.9 مليار دولار، موزعة على مدار أربع سنوات، مشترطًا عليها إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية.

إلى جانب ذلك، قاد الهروب الجماعي للمستثمرين الأجانب، جراء الأوضاع الأمنية والسياسية غير المستقرة، تونس إلى الاضطرار إلى إخراج قانون يقدم تنازلات وامتيازات سخية، من أجل جذب رؤوس الأموال وإبقائها داخل البلاد.

هل ينجح القانون في تحرير الاقتصاد التونسي من أزمته؟

تأمل تونس أن من خلال هذا المشروع الجديد، الذي يوفر مناخًا قانونيًا مشجعًا على الاستثمار، إلى مضاعفة الاستثمار الخارجي بالبلد، مما سيوفر وظائف أكثر للمواطنين التونسيين، ويرفع إنتاجيات العديد من القطاعات الصناعية والخدماتية، الأمر الذي سيحرك عجلة الاقتصاد.

وتقدم تجربة سنغافورة، التي بدأت نهضتها بجعل بلدها سوقًا مفتوحًا للشركات الأجنبية، دليلًا على أنه ثمة احتمال بنجاح سياسة تشجيع الاستثمارات، عبر تقديم أكبر ما يمكن من تنازلات، بالرغم من آثارها الوخيمة على الفئات الشعبية الهشة في المراحل الأولية، إذا لم تصحبها قوانين تحترم حقوق العمال.

غير أن هذا الهدف الذي تطمح إليه تونس، يصطدم بالعديد من التحديات، تجعل من القانون الاستثمار التونسي غير كاف لجذب الاستثمارات الخارجية، حيث لا تزال تونس مهددة من قبل الجماعات الجهادية في الداخل وعبر الحدود الليبية، مثلما لا تحيل التباينات السياسية بين المكونات التونسية إلى حكم هش قد لا يصمد أمام الأزمات، وبالتالي فإن غياب الاستقرار الأمني والسياسي من شأنه أن يعرقل توافد رؤوس الأموال الخارجية نحو تونس، بالرغم من الإغراءات القانونية.

كما أن سيل الإضرابات العمالية والاحتجاجات الاجتماعية، الذي تنخرط فيه النقابات التونسية، يمكن أن يثبط سير الأعمال التابعة للشركات المستثمرة. ومنه فإن نجاح خطة تونس الرامية إلى جذب رؤوس الأموال مقترنة إلى حد كبير بمدى تحقق الاستقرار الأمني والسياسي من جهة، وتخفيف حدة الاضرابات العمالية من جهة ثانية.

على صعيد آخر، يرى المراقبون أنه من المستبعد قدرة تونس على تحقيق إقلاع اقتصادي ذاتي دون مساعدات دولية، ولاسيما أنها بلد ذات ثروات طبيعية وبشرية محدودة، وهو الأمر الذي يدركه الساسة التونسيون، حيث لم يتردد رئيس الجمهورية التونسي، «الباجي القائد السبسي»، في لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري»، على هامش المنتدى الأمريكي الإفريقي، بالتعبير عن حاجة تونس لمزيد من مساعدات الولايات المتحدة الأمريكية.

وقدمت الولايات المتحدة أزيد من مليار دولار للحكومة التونس خلال الأربع سنوات الأخيرة، كما سبق لفرنسا وألمانيا ودول أخرى أن منحت دعمًا يقدر بملايين الدولارات للحكومة التونسية. وتوصي مراكز الدراسات السياسية – كارنيغي – الحكومات الغربية بتقديم مزيد من الدعم لمنع التجربة التونسية من السقوط في مستنقع الفشل.

هذا وتتحضر تونس لاستضافة مؤتمر دولي للاستثمار في 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني)، تحضره أكثر من ألف شركة أجنبية؛ بهدف تشجيع الاستثمار في تونس.

عرض التعليقات
تحميل المزيد