خلال الأسابيع القليلة القادمة، وبعد سنوات من المماطلة والمراوغة، قد توافق إيران أخيرًا على كبح برنامجها النووي. ففي مقابل تخفيف العقوبات، ستقبل إيران بأن عليها السماح بإجراء عمليات تفتيش شاملة وتحديد كمية اليورانيوم المتدفقة إلى أجهزة الطرد المركزي الخاصة بها. وبعد العام 2025، سيسمح لها بتوسيع أنشطتها النووية التي تصر طهران على أنها سلمية، لكن العالم مقتنع أنها مخصصة لإنتاج سلاح نووي.

في خطاب سياسي ألقاه أمام الكونغرس الأمريكي في وقت سابق من هذا الشهر، عبر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عن غضبه من مثل هذا الاتفاق. وذلك لأنه اتفاق مؤقت ويترك معظم البرنامج النووي الإيراني قائمًا، وهو يمهد الطريق لإيران نحو إنتاج القنبلة. وقد يؤدي امتلاك إيران للسلاح النووي إلى وضع العالم على شفا حرب نووية، وذلك حسب اعتقاده.

إن اعتقاد السيد نتنياهو عن الصفقة خاطئ. فهي أفضل عرض قُدم حتى الآن وأفضل بكثير من عدم إبرام اتفاق على الإطلاق، بما قد يؤدي إلى الدخول في مأزق والدفع في نهاية المطاف نحو إنتاج القنبلة التي يخشاها. لكنه محق في خشيته من اندلاع حرب نووية. فبعد 25 عامًا من انهيار الاتحاد السوفييتي، يدخل العالم عصرًا نوويًا جديدًا. فقد أصبحت إستراتيجية امتلاك سلاح نووي ساحة للتنافس بين الأنظمة الفاسدة والأعداء الإقليميين الذين يزاحمون القوى النووية الخمس الكبرى (أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا).

تداعيات خطاب براغ

بعد نهاية الحرب الباردة، تمسك العالم بفكرة أن التدمير النووي غير مطروح على الطاولة. وعندما دعم باراك أوباما، في خطاب له في براغ في 2009، هدف تخلص العالم من الأسلحة النووية، عومل على أنه رجل دولة وليس أحد دعاة السلام. ولكن يبدو طموحه هذا اليوم محض خيال. وعلى الرغم من أن العالم يواصل إقناع نفسه بفكرة أن التدمير المتبادل أمر مستبعد، فإن خطر قيام طرف ما باستخدام السلاح النووي يتعاظم.

تنفق كل قوة نووية مبالغ طائلة لتحديث ترسانتها النووية. فقد نمت ميزانية الدفاع الروسية بنسبة 50% منذ 2007، يذهب ثلثها لتطوير الأسلحة النووية. كما تنفق نصف الميزانية الدفاعية لدول مثل فرنسا والصين على زيادة مخزونها والاستثمار الكثيف في إنتاج الغواصات وبطاريات الصواريخ المتنقلة. كما تكدس باكستان العشرات من الأسلحة النووية لتعويض تأخرها عن الهند في مجال الأسلحة التقليدية. ويعتقد أن كوريا الشمالية قادرة على إضافة رأس حربي كل عام إلى مخزونها، وهي تعمل على تطوير صواريخ قادرة على ضرب الساحل الغربي لأمريكا. بل إن حتى الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام في البيت الأبيض قد طلب من الكونغرس 350 مليار دولار لتحديث الترسانة الأمريكية.

لقد حول دخول لاعبين جدد إلى مجال السلاح النووي الأمر إلى عملية تخمين. فخلال الحرب الباردة، لطالما أخطأ الاتحاد السوفييتي والأمريكيون في توقع ما سيفعله الآخرون. فالهند وباكستان لم يكن لديهما ما يرشدهما وقت الأزمات سوى فقدان الثقة والهلع. وإذا اندلع سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، بدخول إيران والسعودية وربما مصر مجال السلاح النووي إلى جانب إسرائيل، سيتعين على كل منها إدارة جبهة مواجهة رباعية الأبعاد.

أسوأ ما في الأمر هو انعدام الاستقرار. فخلال معظم فترات الحرب الباردة، كانت القوتان العُظمَيَان على استعداد لإبقاء ذلك الوضع قائمًا. أما اليوم فتتغير الأرض من تحت أقدام الجميع. تصر باكستان على أن أسلحتها النووية آمنة، لكن العالم الخارجي يخشى وقوع تلك الأسلحة في أيدي إرهابيين إسلاميين.

يريد آخرون أن تُغَيِّرَ الأسلحة النووية من الوضع القائم. فقد بدأت روسيا في استخدام التهديدات النووية كسلاح ردع ضمن إستراتيجية الترهيب التي تتبعها. وعادة ما تشمل تدريباتها العسكرية هجمات نووية وهمية على عواصم مثل وارسو وستوكهولم. كما احتوت خطابات السيد بوتين على تهديدات نووية مبطنة، وقد هدد عضو في الكرملين بتحويل أمريكا إلى “حطام إشعاعي”.

قد يقول البعض أن تلك مجرد تهديدات. لكن اغتيال المعارض الروسي بوريس نمتسوف كان أحدث إشارة على أن بوتين ينوي دخول المناطق الوعرة الجيوسياسية. تريد روسيا إعادة صياغة القيم الغربية التي تدعم الوضع الراهن. وقد أظهرت روسيا أنها سوف تزيد من مستوى تشددها لتأكيد سيطرتها على جيرانها وإقناع الغرب بأن التدخل لا يجدي نفعًا. وحتى لو كان بوتين يخادع في التهديد باستخدام السلاح النووي (وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بذلك)، فإن أي زعيم قومي سيأتي بعده قد يمثل تهديدًا أكبر.

نحو منتصف الليل

تمثل الصين تهديدًا أبعد قليلاً ولكن لا يمكن تجاهله. وعلى الرغم من أن العلاقات الصينية الأمريكية بالكاد تبدو كالحرب الباردة، يبدو أن الصين قد باعدت نفسها عن تحدي الولايات المتحدة على السيطرة على أجزاء واسعة من آسيا. والتمدد النووي مصمم لمنح الصين فرصة للثأر باستخدام “هجوم ثانٍ” حال حاولت أمريكا تدمير ترسانتها. ومع ذلك لا تتحدث القوتان عن أي حالات طارئة نووية. كما قد تشعر اليابان، برؤيتها مدى كبر حجم القوة العسكرية الصينية التقليدية؛ بأنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على أمريكا في الحماية، لذا فقد تندفع كل من اليابان وكوريا الجنوبية نحو إنشاء القنبلة، وسيشكلان مع كوريا الشمالية محورَ مواجهةٍ إقليميًا آخر.

ما العمل إذن؟ الحاجة الأكثر إلحاحًا الآن هي تنشيط الدبلوماسية النووية. وتمثل إحدى الأولويات الدفاع عن معاهدة حظر الانتشار النووي، والتي تبطئ انتشار الأسلحة بتطمين البلدان بأن جيرانهم لا يعملون على تطوير الأسلحة النووية. وكان من الضروري أن تبقى إيران ضمن المعاهدة (على عكس كوريا الشمالية التي انسحبت). ويتمثل الخطر في أنه، مثل إيران، سينظر الموقعون إلى عملية التخصيب وإعادة المعالجة على أنه استعداد لإنتاج القنبلة، بما سيدفع جيرانهم إلى تخصيب اليورانيوم أيضًا. وهذا يستدعي الدعوة إلى جهد جماعي للحد من التخصيب وإعادة المعالجة.

لقد أصبح الحد من التسلح جزءًا حيويًا من العلاقات السوفيتية الأمريكية. ويمكن تطبيق نفس الأمر بين الصين وأمريكا، وبين أمريكا وروسيا. ويمكن لخصوم مثل الهند وباكستان تعزيز الاستقرار ببساطة عن طريق الحوار.

في عام 1960 كتب ألبرت ولستيتر، وهو خبير نووي أمريكي، إنه “يجب علينا التفكير في بعض الاحتمالات غير السارة للغاية، فقط لأننا نريد تفاديها”. وهكذا أيضا اليوم، فإن الخطوة الأولى الأساسية في مواجهة التهديد النووي المتزايد هو التركيز عليه بشدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد