منذ أيام انتشرت أخبار عن صدور مسودة قانون «الأحوال الشخصية» الجديد من الحكومة المصرية، والتي هي بصدد عرضه على البرلمان لمناقشته، تمهيدًا لدخول حيز التفعيل في الفترة المقبلة، وهو القانون الذي أثار موجة من الغضب والانتقاد على منصات التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»، بالأخص من قبل بعض المنتمين للتيار النسوي المصري.

رأى البعض أن القانون مُنصفًا للمرأة على حساب حقوق الرجل «الشرعية» من وجهة نظر دينية، خاصةً في مسألة «التعدد»، في حين يرى البعض الآخر أنه الامتياز الوحيد للمرأة في ظل القانون الجديد، الذي يجحف من حقوقها الأخرى بدايةً من «قائمة المنقولات» و«حق الولاية»، ووصولًا إلى المواد الخاصة بـ«حضانة الأطفال»، وفي السطور التالية نبحث معًا في مواد القانون الجديد، والوضع الحقيقي للمرأة من الناحية القانونية في ظله.

بماذا اختلف قانون «الأحوال الشخصية الجديد» عن القوانين القديمة؟

قبل أيام نشر موقع «اليوم السابع» المصري مسودة «قانون الأحوال الشخصية» الجديد كاملة، تحت عنوان «انفراد.. نص مشروع قانون الحكومة عن الأحوال الشخصية»، وذلك قبل أن يقوم الموقع بحذف المسودة فيما بعد، لتندد بتلك المسودة «مؤسسة المرأة الجديدة» النسوية في بيان منشور على الصفحة الرسمية للمؤسسة بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»؛ وفيما يلي عرض لأهم ما جاء من مواد داخل المُسودة:

بيان «مؤسسة المرأة الجديدة»
من تسريب مشروع قانون الاحوال الشخصية الصادر عن رئاسة الوزراء أمس على موقع اليوم السابع قبل…

Posted by ‎مؤسسة المرأة الجديدة – New Woman Foundation‎ on Thursday, February 25, 2021

يحق للولي فسخ «عقد القران»

في الفصل الثاني «عقد الزواج»، جاء في المادة السادسة ما يفيد «حق الولي» فسخ عقد الزواج خلال مدة لا تزيد عن سنة، وذلك «إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء». يعني هذا إمكانية الولي فسخ عقد زواج المرأة – حتى وإن كانت كاملة الأهلية – من خلال المحكمة خلال سنة من انعقاد الزواج، إذا ارتأى عدم كفاءة الزوج.

(جزء من مسودة اليوم السابع التي جرى حذفها ونشرها مستخدمو فيسبوك)

قائمة المنقولات

ورد في المادتين رقم 29 و30 من الفصل الخامس «آثار الزواج وأحكامه»، ما يفيد ملكية الزوجة الخالصة لقائمة المنقولات، إلا أن القانون اختص «محكمة الأسرة»، في فض النزاعات المتعلقة بقائمة المنقولات بدلًا عن محكمة الجنح، على خلاف ما كان سائدًا في القوانين السابقة.

(الجزء الخاص بقائمة المنقولات من المسودة التي حذفها اليوم السابع)

تغير ترتيب الأب في الحضانة

أما في المادة رقم 89 من الفصل السادس الخاص بـ«الحضانة»، فقد ورد تغيير ترتيب حضانة الأب إلى الرابع، بدلًا عن رقم 16 في القانون القديم، ليكون الترتيب كالتالي: (الأم، أم الأم، أم الأب، الأب). ليتقدم في ذلك قائمة الخالات والعمات وباقي نساء العائلة. وقد حدد القانون انتهاء سن الحضانة للأم عند 15 سنة، يحق بعدها للقاضي تخيير الطرفين لتولي الحضانة، دون أجر حضانة إذا كانت الحاضن هي الأم.

(الجزء الخاص بالحضانة على المسودة المحذوفة)

عقوبات الزواج من أخرى دون علم الزوجة

في القانون الجديد نجد في المادة 191 من القسم الثالث «العقوبات»، ما يفيد معاقبة الزوج مدة لا تزيد عن عام، مع دفع غرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه مصري ولا تزيد عن 50 ألف، في حال عدم التزامه بإخطار الزوجة بالزواج الجديد، وهو أمر جديد لم يكن موجودًا في القوانين السابقة.

(عقوبة الزواج من أخرى في مسودة اليوم السابع)

لماذا حذف القانون من «اليوم السابع» و«البوابة الإلكترونية» للحكومة المصرية؟

بعد يومين من نشر التسريب الخاص بمواد قانون «الأحوال الشخصية» الجديد على منصة «اليوم السابع» والبوابة الإلكترونية للحكومة المصرية، حذفت المسودة الكاملة من الموقعين، مع احتفاظ بعض الجرائد والمواقع الإلكترونية الأخرى، بنص الخبر والتركيز على مسألة التعدد، والعقوبات المفروضة على الزوج المُقترن بأخرى دون علم الزوجة الأولى.

عن ذلك تقول منسق البرامج بمؤسسة المرأة الجديد، لمياء لطفي لـ«ساسة بوست»: «إن أول ما يلفت النظر بخصوص نشر تسريب مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد ومن ثم حذفها، هو التشكيك في صحة وحقيقة هذا القانون، وهو أمر غريب». 

تضيف لمياء لطفي أنه لم يكن هناك أيضًا من شركاء فاعلين في مناقشة هذا القانون؛ إذ لم يُعرض القانون الجديد على الأحزاب السياسية أو المجلس القومي للمرأة والجمعيات النسوية. قائلة: «هذا الأمر يجعلنا نفكر في مدى جدية التسريب». 

تشير لطفي إلى أن هناك حالة من عدم الفهم، خاصةً مع حذف المواقع لنص القانون الكامل مع عدم التنويه عن أسباب الحذف أو النشر من الأساس إن كان سيحذف. تقول عن ذلك: «هذا الأمر يجعلنا نتسائل حول ما إذا كان القانون سيخضع للعرض على الجهات المجتمعية المعنية، أم سيجري تطبيقه على الفور مثلًا».

عن ذلك صرحت مروة عبد الحميد، الناشطة بعدة جمعيات نسوية مصرية، لـ«ساسة بوست» أن القانون الجديد متحيز وعنصري ضد المرأة ولم يناقش المشاكل الحقيقية للنساء المصريات اللواتي يعانين أمام المحاكم، خاصةً مع وضع مسودة القانون دون مشاركة الحوار المجتمعي مع الأطراف المعنية من منظمات نسائية وجمعيات، من وجهة نظرها.

كيف تعامل المجتمع مع القانون؟

فور نشر تسريب المسودة الكاملة لقانون «الأحوال الشخصية» الجديد على موقع اليوم السابع، تباينت ردود الأفعال حوله على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ما بين التنديد بكونه قانون ظالم للرجل وحقوقه التي أقرها الشرع الإسلامي، أو فرحة بنصف النساء في مسألة التعدد. وبين اعتباره قانونًا مجحفًا في حق النساء في بقية مواده، فيما يلي عرض لأهم ما جاء في وجهات النظر المختلفة.

»قانون ظالم للرجل ومُنصف للمرأة»

عارض الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، نص القانون الجديد فيما يتعلق بجزء العقوبات خلال مداخلة على التلفزيون المصري، في حال إخفاء الرجل زواجه الثاني، قائلًا أن بعض مواده «مخالفة للشريعة الإسلامية»، مُشيرًا إلى أن التقنينات الأخيرة في قوانين الأحوال الشخصية تعمل على هدم الأسرة المصرية وتفسدها. يشير أحمد كريمة إلى أن الأحوال الشخصية شأن إسلامي خالص، ولهذا يجب أن يكون «الأزهر» جزءًا من التشريع كما ينص على ذلك الدستور المصري.

(معارضة الدكتور أحمد كريمة للقانون الجديد)

في حين عارض عصام حجي، المحامي بالنقض المسودة المُسربة للقانون الجديد، مُشيرًا إلى أنها ظالمة للرجل وتهدم الأسرة المصرية. قائلًا عن ذلك: «قانون الأحوال الشخصية نسائي بحت ويستهدف وضع الرجال في مفرمة». إذ بالنسبة إليه يقيد القانون الجديد استضافة الأب للابن في حالة حدوث الطلاق. الجدير بالذكر أن «الاستضافة» لم تكن متواجدة في القوانين السابقة الخاصة بالحضانة والرؤية.

وفور انتشار المادة الخاصة بالعقوبات المقررة على الزوج في حال عدم إعلام الزوجة بالزواج الثاني، انتابت بعض النساء على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تعبيرات واسعة عن السعادة؛ إذ اعتبرن أن قانون الأحوال الشخصية الجديد ينصف المرأة في مصر أخيرًا، ويسير على خطى الدول بإلغاء التمييز بين الرجل والمرأة في القانون، من حيث تقييد عملية «الزواج الثاني».

»قانون مجحف بحق النساء»

على الجانب الآخر، فيما يخص موضوع العقوبات على الزواج من ثانية، نشرت الناشطة المصرية، نهاد أبو القمصان، على صفحتها بموقع التواصل «فيسبوك» قائلة: «وطوا شوية صوت الزغاريد»، مُشيرة إلى عدم الفرح الغامر بالقانون الجديد، لأنه لم ينصف المرأة كما هو مُبين. تقول عن ذلك: «حبس الزوج للزواج من أخرى وهم، لأن الإثبات يعتمد قانونيًا على جواب مسجل بعلم الوصول، وهي الطريقة التي من الممكن أن يتلاعب بها الزوج، بحسبها، وذلك من خلال وضع عنوان خاطئ للعين».

أما مسألة طلب الطلاق للضرر نتيجة الزواج من أخرى، تشير أبو القمصان إلى أن الطلاق في كل الأحوال مقرون بالضرر، وليس الزواج من أخرى، والأزمة الحقيقية تكمن في إثبات هذا الضرر الواقع على الزوجة من اقتران زوجها بأخرى، والذي غالبًا ما يكون أثرًا نفسيًا. 

تشير أبو القمصان إلى أن الحل الحقيقي لإنصاف المرأة يكمن في نص «القانون المغربي» للأحوال الشخصية، والذي لا يجيز التعدد من الأساس إلا بإذن قاضي يبحث في القدرة المالية والجسمانية للزوج طالب التعدد، وذلك بحضور الزوجة الأولى أمام القاضي، بحسبها.

وطو شوية صوت الزغاريد 😳
حبس الزوج للزواج باخرى وهم ،،،،
لان الاثبات بكل طرق الاثبات
منها جواب مسجل بعلم الوصول على…

تم النشر بواسطة ‏Hekayat Nehad – حكايات نهاد‏ في الأربعاء، ٢٤ فبراير ٢٠٢١

لذلك ترفض «الجمعيات النسوية» القانون الجديد بمصر

تشير لمياء لطفي إلى أن سبب انتقاد «الجمعيات النسوية» لنصِ القانون الجديد، هو أنه يُفقد المرأة أهليتها بالمادة الخاصة بحقِ الولي «فسخ عقد الزواج»، خاصةً وأن الحكم في هذه الحالة هو «عدم الكفاءة»، وهو تعبير مطاط بحسبها، يمكن أن يستخدم تبعًا لأهواء الولي ومنظوره الخاص لكفاءة زوج كريمته من عدمها.

تضيف لمياء أنها لا تعارض على سبيل المثال مسألة تقديم «ترتيب الأب في الحضانة» بعد الجدات، بل تعتبرها حقًا أصيلًا للرجل، ومن حقه حتى أن يتقدم إلى المرتبة الثانية بعد الأم مباشرةً، فقط عندما يُلغى التمييز بينه وبين المرأة فيما يخص مواد الحضانة والزواج الثاني، بحسبها.

إذ تشير إلى أن المرأة تحرم بموجب القانون من حضانة أبنائها في حالة الزواج الثاني، بخلاف الرجل الذي يحق له الاحتفاظ بحضانة الأطفال بعد الزواج الثاني. على الجانب الآخر تلفت النظر الناشطة النسوية ووكيلة مؤسسي حزب «العيش والحرية»، إلهام عيدروس، في تصريحها الخاص لـ«ساسة بوست»، إلى مسألة أخرى قائلة إن منظومة الزواج في مصر تعاني من خلل كبير، إذ على الرغم من أنها تعتمد في الأساس على الشرع الإسلامي، والذي يقضي بدفع مهر للعروس من أجل تجهيزها، إلا أننا في العصر الحالي لا نعتمد على روح تلك التشريعات، فلم يعد الزوج يدفع مهرًا للعروس، بل يشارك والدها بتجهيز منزل الزوجية مناصفةً.

تضيف إلهام: «في يومنا الحالي، لم يعد هناك أحدًا في مصر يدفع مهرًا للعروس». وبالتالي فإن القانون المصري – بحسبها – أصبح قائمًا على منظومة لم تعد متواجدة حقًا على أرض الواقع، وهو ما يوجب إجراء التغييرات والتعديلات فيها بما يتواكب مع روح العصر والنظم السائدة حاليًا في الزواج.

تشير إلهام إلى أن الجزء الخاص بقائمة المنقولات في القانون الجديد غير مُنصف للمرأة، إذ يمكن للرجل التلاعب بسهولة فيه، ولم يعد الأمر ورقة ضاغطة كما كان من قبل، تضمن حق المرأة، خاصةً وأن أغلب محتويات قائمة المنقولات، تكون مُشتراة من قبل والد العروس، وبالتالي فإن تلك «القائمة» تضمن حق أموالها التي دفعتها بالفعل، بحسب إلهام.

وعلى الرغم من الضجة الكبرى التي اقترنت بنشر تسريبات قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر، إلا أنها ركزت بشكلٍ أساسي على على مسألة تقييد الزواج بأخرى دون علم الزوجة الأولى بعقوبة وغرامة مالية؛ إلا أن هناك أمرًا قد لفتت النظر إليه المحامية والاستشارية القانونية آية حمدي في تصريحٍ خاص لـ«ساسة بوست»، وهو ما يترتب على التغييرات التي طرأت على قانون الأحوال الشخصية الجديد -في حال تطبيقه- فيما يتعلق بجزء «قائمة المنقولات».

تشير آية حمدي إلى أن قائمة المنقولات في القانون المصري الحالي، تعتبر من قبيل الأمانة، أي مال منقول، بمعنى أن القانون الحالي يعامل تلك القائمة معاملة «وصولات الأمانة» فيما يتعلق بالمحاكمة، إذ ينظر فيها أمام محكمة الجنح وفقًا للقانون الجنائي. وهو ما يسعى القانون الحالي لتغييره.

إذ ورد في مسودة القانون الجديد – السابق ذكرها – أن محكمة الأسرة تصبح هي الكيان المختص بالنزاعات حول «قائمة المنقولات» وبالتالي قد خرجت من إطار القانون الجنائي ليصبح من قبيل المنازعات الأسرية وهو ما ينفي بالتتابع العقوبة الجنائية المترتبة على تبديدها.

تؤكد آية حمدي أن القانون الجديد قد أهمل أيضًا الجزء الخاص بآلية التنفيذ، مما قد يسهل التلاعب بالقوانين ويجرد المرأة من ورقة الضغط الوحيدة في يدها التي تضمن حق استرداد منقولاتها. هذا إلى جانب الجزء الخاص بحق الزوجين في الانتفاع بالمنقولات حال وجودها في منزل الزوجية، وهو الأمر الذي يغير ما كان معترفًا به سابقًا، وهو معاملة قائمة المنقولات مثل وصل أمانة يحفظ حق الزوجة مهما طالت مدة الزواج. وهو الأمر الذي يغير من حق المرأة الخالص في قائمة المنقولات التي اشترت أغلب محتوياتها بأموالها الخاصة، مما يُسهل فيما بعد تبديد محتويات القائمة دون ضمان حق الزوجة.

في النهاية تشير إلهام عيدروس إلى أن التركيز على جانب واحد من جوانب تلك التغييرات – الخاص بعقوبات التعدد دون إذن الزوجة الأولى – والذي يعد الإنصاف الوحيد للمرأة في التغييرات التي أقرتها مسودة القانون الجديد من وجهة نظرها، هو ما يسمح بتمرير المواد الأخرى التي تسلب المرأة حقوقها الأخرى، سواء في قائمة المنقولات أو الحضانة، كما يسلبها أهليتها حتى بعد بلوغها السن القانونية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد