قبل 60 عامًا، كان العدوان الثلاثي، وكان أن تعطَّلت قناة السويس لمدة عام، ومعلومٌ كم هو مؤثر أن تقطع شريان التجارة، كل التجارة، بما فيها تجارة الوقود عن العالم. ولأن المنطقة الشمالية الشرقية من مصر لطالما زعزع أمنها التواجد الإسرئيلي، فقد تكرر الأمر بين حربي 1967 و1973. هذه المقدمة التاريخية كان بالإمكان أن نعتبرها جزءًا من التاريخ الذي نتسلى بسرده، مستلهمين البطولات والأمجاد، لكن ماذا بشأن الأخبار الواردة تباعًا عن الأوضاع الأمنية المتردية هناك في سيناء شرقيّ القناة، بحسب روايات الدولة المصرية الرسمية، وعلى ألسن متحدثيها الأمنيين، لا سيما وأن ضررًا طفيفًا لحق بسفينتن للشحن كانتا بعرض القناة في يوليو/ تموز، وأغسطس/ آب، من عام 2013، من جراء قذيفتين أُطلقتا في اتجاههما من قبل مجموعة تنتمي لتنظيم الدولة الإسلامية، بحسب تقارير إعلامية؟

على العالم، كل العالم، إذن أن يقلق ويتدبر -على إثر أي طارئٍ- أمن تجارته ونفطه؟

التهديد الفارسي.. لماذا لا يدخل حيِّز التنفيذ؟

إبان حرب الثمانية أعوام، بين العراق وإيران، تعرضت 411 سفينة شحن للهجوم في مضيق هرمز، كان من بينها 239 ناقلة نفط، غرقت منها 55 سفينة أو تضرَّرت بشكلٍ لا يمكن إصلاحه، عرفت هذه الأحداث بحرب ناقلات النفط. ورغم أن المضيق لم يغلق تمامًا في أيٍّ من الأحداث، إلا أنَّ أمنَهُ لطالما كان مسارَ جدلٍ لاسيَّما وأن إيران هي المتحكم الأول بحركته الملاحية، حتى أنه مع تشديد العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد، تصاعدت في أكثر من مناسبة الأصوات المنادية بمعاقبة المجتمع الدولي بإغلاق مضيق هرمز. وردًّا على العقوبات الاقتصادية المتصاعدة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ صرَّح اللواء محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني: «يعرف الأعداء أننا قادرون بسهولة على إغلاق مضيق هرمز لفترةٍ غير محدودة، إن أي هجوم على إيران سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو أمر لا يرغب أعداء إيران في حدوثه».

التهديدات الإيرانية لم تؤخذ على محمل الجد، ولم تدخل حيّز التنفيذ يومًا ما، فإيران عندما تغلق مضيق هرمز، فإن وارادات إيران وصادراتها النفطية ستتوقف هي الأخرى، فإيران لم تطور إلى اليوم خطوطًا ملاحية جانبية لمرفأ جاسك النفطي يمكن الاعتماد عليها حال تعطُّل المضيق، رغم الخطط الموضوعة لذلك منذ الحرب العراقية وما بعدها.

على جانبٍ آخر

في تركيا، تبنّى حزب العمال الكردستاني بعض الأعمال التخريبية التي لحقت بخطوط النفط والغاز الطبيعي الواصلة بين بلدان جنوب القوقاز، لاسيما أذربيجان، وبين العالم الغربي، مرورًا بالأراضي التركية. في العراق، تعرَّض الخط الرئيس المستخدم في تصدير النفط من العراق إلى تركيا للعديد من الهجمات بيد «تنظيم الدولة الإسلامية»، حتَّى توقَّف عن العمل تمامًا في مارس (آذار) 2014، باستيلاء التنظيم على شمالي غرب العراق.

هذه الأمثلة، تشير إلى العديد من نقاط الضعف التي تعتري شبكات النقل النفطي، وتهدد -عند تعرضها للتوقف المؤقت أو الدائم- أمن العديد من الدول للخطر من ناحية الطاقة، في سياق التقرير التالي نحاول الغوص قليلًا في أبرز نقاط الضعف هذه، وأبرز المشكلات الناجمة عن استهدافها، وكيفية معالجتها.

فلم تكن الحروب الدولية وحدها هي الخطر الوحيد المحدق بأمن الطاقة، كما كان ذلك في حرب الثمانية أعوام بين العراق وإيران، فالمظالم الاجتماعية والانقسامات الداخلية كذلك حاضرة في تهديد أمن الطاقة، فحماية المنشآت النفطية والمرافئ لهو أمر سهلٌ في أغلب الدول التي لم تُقوَّض بنيتها الأمنية بالكامل، مثل سوريا والعراق وربما ليبيا، إلا أن حماية خطوط التوصيل أمر في غاية الصعوبة، ويكلف الدول المصدرة الكثير من الغرامات والشروط الجزائية، ويجعل من نفطها الذي هو ربما فخر تجارتها بضاعةً راكدة من جراء تعطُّل نقلها، وصعوبة تسويقها.

الخطر القادم في أنابيب الطاقة!

«مؤسسة بروكنجز»، كانت قد نشرت في أبريل/ نيسان الماضي تقريرًا مطوّلًا عن أمن الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أعدّه الزميل غير المقيم بالمؤسسة روبين ميلز، وهو واحد من العقول الفذة في مجال الطاقة، حتى وصفته مجلة فورين بوليسي؛ بأنه واحد من أعظم العقول في عالم الطاقة، ليتناول التقرير أبرز الآثار المترتبة على أي خلل قد يصيب منظومة الطاقة من جراء الأعمال التخريبية، المتعلقة منها بـ«الإرهاب» والاحتجاجات الداخلية في بعض الدول، وحتى ما كان منها متعلقًا بالحروب الإقليمية.

يفِّند التقرير الخسائر الناجمة عن تعطيلات الطاقة، ما بين الطفيفة والخطيرة، كما تتشارك فيها العديد من الأطراف: أولًا: المصدّر الذي يتم تخفيض شحناته أو توقيفها من جراء التعطيل. ثانيًا: المستورد والذي تقلّ نسبة وارداته كخسارة مباشرة، يُضاف إليها قيمة الإصلاحات التي تحتاجها خطوط الإمداد المعطَّلة.

هناك خسارة غير مباشرة، يتشاركها كل مستوردي الطاقة المعطل تصدريها جزئيًّا؛ نتيجة ارتفاع الأسعار المترتب على خفض قيمة الإنتاج الكليّة، وهو الضرر الذي يسعد له كل الموردين. ثمة أضرار أخرى جانبية، كُلفة أقساط التأمين المرتفعة، وتدابير الأمن الإضافية.

أحد أبرز الأمثلة على هذا، المثال الذي يسوقه التقرير، فالتغيرات الناجمة عن حرب العراق- الكويت 1990، والتي أدت لخسارة سوق النفط اليومي نحو 3.7 مليون برميل، كانت نتيجتها ارتفاع الأسعار تدريجيًّا قبيل الحرب وإبّانها بنحو 108%، لتعاود الانخفاض مرةً أخرى بتدخل بعض البلدان في منظمة OPEC لمضاعفة الإنتاج والسيطرة على الأوضاع.

الأمر ذاته أو يشابهه، حدث إبان ثورات الربيع العربي، تأثُّرًا بالأحداث التي حلّت بالأراضي الليبية الغنيَّة جدًّا بالنفط، والتي تراجع إنتاجها اليومي بنحو 1.8%، شهدت على إثره الأسعار ارتفاعًا بلغ 24%.

نقاط الاختناق

يشير مصطلح «نقاط الاختناق» إلى الطرق المقيدة جغرافيًّا، ومن ثم فهي الأكثر عُرضة من غيرها للتعطيل بأيٍّ من السيناريوهات المذكورة سلفًا، بالنظر إلى منطقة الشرق الأوسط، يمكن تحديد أربع «نقاط اختناق» تتحكم في عبور النفط بين مختلف أرجاء العالم، وهذه النقاط هي:

1- مضيق هرمز: يقع عند مخرج الخليج العربي، وهو الأهم بين نقاط الاختناق الأربعة، يمر من خلاله الحظ الأكبر من النفط، فضلًا عن كونه طريقًا حيويًّا لنقل الغاز المُسال، وهو واسعٌ وعميق بما فيه الكفاية بحيث لا يمكن إغلاقه عمليًّا، بخلاف قناة السويس -على سبيل المثال-. تاريخيًّا، لم يتعرض المضيق للإغلاق قط، وإن يكن الشحن الخليجيّ من خلاله قد تأثَّر كثيرًا خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988، فيما سُمي بحرب ناقلات النفط، كما أسلفنا الذكر.
درس البرلمان الإيراني عام 2012 مشروع قانون لإغلاق المضيق إذا استمرَّت العقوبات الغربيَّة، ورغم ذلك لم تحاول إيران يومًا تنفيذ التهديدات التي لطالما لوّحت بها في غير مناسبة، فخطوة كهذه فضلًا عن إمكانيتها من الناحية العملية، ستؤدي إلى توقف حركة الصادرات والواردات الإيرانية عبر هذا الطريق، وهو ما لا تجد له البلاد بديلًا، حتى الآن على الأقل.

مضيق هرمز


2- مضيق باب المندب: المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، واصلًا إيّاها بالمحيط الهندي، وتلك  المنطقة هي الأكثر تعرضًا لخطر القرصنة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، شهد عام 2008 اختطاف قراصنة صوماليين لناقلة النفط السعودية «سيريوس ستار» التي كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة محمَّلة بمليوني برميل من النفط.

3- قناة السويس وخط أنابيب السوميد SUMID: تصل القناة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، أُنشئ خط السوميد في 1977؛ لتخفيف وطأة الاعتماد الكُلّي على القناة، ويمتد من العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، وقدرة النقل لخطّيه المتوازيين نحو 2.5 برميل يوميًّا. أغلقت القناة بين عامي 1956-1957 بسبب العدوان الثلاثي، وبين عامي 1967 و1975 بسبب الحرب بين مصر وإسرائيل، واستمرَّت بعد فتحها خطًا مهمًّا للتجارة العالمية، وعملت بشكل طبيعي خلال الثورة المصرية 2011، والاضطرابات التي لحقتها.

خط السوميد

ما الذي يمكن أن يحدث للشاحنات حال إغلاق القناة؟

ستضطر ناقلات النفط إلى أن تسلك طريق «رأس الرجاء الصالح»، وهو ما يضيف إلى مدة الرحلة من الشرق الأوسط إلى أوروبا نحو 15 يومًا إضافيًّا، ونحو 8- 10 أيام مدة العبور إلى الولايات المتحدة، هذا الخيار كان ليكلِّف الناقلات الكثير من الوقت والمال لولا انخفاض أسعار الوقود العالمية الحالي، الذي جعل من الأوفر لبعض السفن اتخاذ رأس الرجاء الصالح بديلًا عن قناة السويس، فقط يلزمها التضحية بالوقت المضاف لرحلتها، ونقص بعض الخدمات التي قد توفرها مرافئ القناة.

4- مضيق البوسفور التركي: يصل البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط، يُنقل من خلاله ما يقارب 3 ملايين برميل يوميًّا من النفط الروسي، ونفط بحر قزوين إلى الأسواق العالمية، ونظرًا للاستقرار السياسيّ المُتصوَّر في تركيا، لم ينظر إلى المضيق بوصفه نقطة خطر محتملة، إذ تلتزم أنقرة بالسماح لسفن التجارة بالعبور المجاني بموجب اتفاقية مونترو عام 1936، غير أن التوترات الأخيرة في العلاقات التركية- الروسية، التي أعقبت إسقاط المقاتلة الروسية، أعادت المضيق إلى الواجهة كونه نقطة اختناق، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان تركيا أن تقيد مرور السفن الروسية أم لا؟


التمرُّد على الجغرافيا

هذه الأزمات التي فرضتها الجغرافيا على المنطقة، بتواجد نقاط الاختناق سالفة التناول، فرضت على دول المنطقة والعالم اتخاذ عدد من التدابير اللازمة لحل بعض المشكلات التي تواجه مسارات الطاقة في المنطقة الشرق أوسطية، في ظل حالة التردي المجتمعي والأمني والاقتصادي التي تجتاح دول المنطقة.

1- إيجاد ممرَّات جانبيَّة بديلة

على سبيل المثال، أنشأت السعودية خطَّ أنابيب بيترولاين -خطان متوازيان بقدرة 4.8 مليون برميل يوميًّا-، يمتد بيترولاين من شرق البلاد إلى ينبع على البحر الأحمر، وبالتالي يؤمِّن هذا الخط طريقًا جانبيًّا يساعد على تفادي الإشكالات الطارئة المحتملة في مضيق هرمز إذا ما نفَّذت إيران أيًّا من تهديداتها. ولكنه يبقى عرضةً لتعطيلات قناة السويس ومضيق باب المندب، كما أنَّ هُنَاكَ مقترحًا بإنشاء شبكة للسكك الحديدية تضم مجلس التعاون الخليجي، وتصل خطًّا يربطُ كلًّا من أبو ظبي مرورًا بمرفأ صحار في سلطنة عمان، وميناء الدقم وميناء صلالة في الجنوب، ويمكن أن تؤمِّن هذه الشبكة طريقًا بديلة لتصدير النفط من دون المرور عبر هرمز -وإن يكن تصدير كميَّات كبيرة من النفط عن طريق السكك الحديدية غير ممكن إذا امتدت حالات الطوارئ لفترة طويلة- لكنه على أية حال يقدم حلًّا لأي طارئ قد يصيب المضيق.

2- التخزين الإستراتيجي

يعني ذلك احتفاظ الدول بكميَّات معيَّنة من النِّفط لتفادي العجز الناشئ في حالات الطوارئ، فمثلًا تحتفظ المملكة العربية السعودية وإمارة أبو ظبي بكميَّات من النفط في اليابان، (حوالي 6.3 مليون برميل لكلٍّ منهما!)، بالإمكان استخدام تلك الاحتياطات في حالات الطوارئ ريثما يتمّ حل المشكلة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ تلك الاستجابة مقيَّدة بالزمان والمكان، ففي حالة اليابان مثلًا، لا تكفي تلك الكميات المخزنة إلا ما يعادل ثلاثة أيام من إجمالي الاستهلاك الياباني، أي أنها تمثل وسيلة استجابة قصيرة الأمد، كما أن تلك الاستجابة في هذه الحالة مقيدة باليابان (مكان التخزين)، وبالتالي لن يكون بإمكانها تقديم المساعدة للمستوردين الآخرين.

3- استخدام القدرة الإنتاجية الاحتياطية

يعني ذلك أن تقوم إحدى الدُّول بزيادة إنتاجها من النفط  لتعويض النَّقص الناتج عن مشكلة في دولةٍ مُنتجة أخرى، ومثال ذلك ما حدث خلال الأزمة الليببة عام 2011، حيث قامت السعودية بتعويض  انقطاع النفط الليبي.

4- الحلول السياسية والديبلوماسية

بشكلٍ عام، تمثل الوسائل السابقة آليات استجابة سريعة وآنية (متفاوتة المدة)، غير أن الحل الأبرز يتمثل في تحقيق الاستقرار بوسائل أكثر استدامة، عبر حلّ الصراعات المحلية، وتحفيز التنمية الاقتصادية، ودمج المجتمعات المحلية في سوق العمل في قطاع الطاقة، بعد إكسابهم المهارات الضرورية، كما يجب إيجاد وسيلة لتحقيق التعاون والحوار بين الدول، فالحروب الإقليمية يمكن تجنبها وتدبر أمرها من قبل المجتمع الدولي، أما المظلوميات الاجتماعية التي ينتج عنها عنفٌ في مواجهة مصالح الدولة، من الصعب جدًّا السيطرة عليه، والتحكم في تبعاته وتحجيمها، هذا بالضبط ما حدث في أراضي الأحواز في إيران إبان الثورة على الشاه، هو أيضًا ما حدث في ليبيا ما بعد القذافي، ويحدث بشكل أقل في شبه جزيرة سيناء، وهو أيضًا ما عطّل قطار أفريقيا الذي لطالما تحدث العالم عن قرب موعد وصوله، نيجيريا.

بنهاية المطاف، ما الذي يمكن أن يشهده أمن النفط في المنطقة من جرّاء أعمال العنف المتزايدة، هناك في جنوب الخليج، والشام، وسيناء المصرية؟ وهل ثمة إجراءات يمكن اللجوء إليها للتخفيف من وطأة االخسائر لمتزايدة من جراء العنف المحلي المنطوي بعضه تحت مظلة المظلوميات المحلية، أو حتى من جراء الإرهاب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد