يشهد السودان أمطارًا موسمية في كل عامٍ، تبدأ من يوليو (تموز) وتستمر حتى أكتوبر (تشرين الأول)، وتواجه ولاية الخرطوم تحديدًا الخطر الأكبر؛ كونها مُلتقى ثلاثة أنهارٍ (النيل الأزرق والأبيض ونهر النيل الرئيسي)، وخلال الموجة الأخيرة من فيضانات السودان، غرقت كل القرى والجزر التي تطل على تلك الأنهار، ولم تعد أغلبها موجودة.

سيولٌ هادرة، وقرى منكوبة، وشيوخٌ ونساءٌ وولِدان باتوا بين ليالٍ وضحاها بلا مأوى يمنعهم من عريم الفيضان. لا ظلالٍ تقيهم من حر الشمس، والكلُ في مصيبته يستجدي بلا أملٍ الحكومة التي لم تُحرك ساكنًا، ولم تُعقِّب إلا بعدما أتى السيلُ على منازلهم، وأفسدت المياه مؤنة عامهم. يصفُ مُسنٌّ حاله بعد الفيضان قائلًا: «خسرنا كل شيء، ولم يتبق لنا سوى أرواحنا».

يوضح التقرير التالي ماذا حدث في السودان، وما تأثيرات الأزمة في وقت يعاني فيه الاقتصاد، وما الأدوات التي تمتلكها الحكومة مُسبقًا.

فيضانات السودان تتسبب في انهيار 100 ألف منزل ووفاة 100 شخص

أودت فيضانات السودان بحياة نحو 100 شخصٍ، وأعلن مجلس الأمن والدفاع السوداني حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وقرر اعتبار السودان منطقة كوارث طبيعية، بعد تضرر أكثر من نصف مليون فرد، وانهيار أكثر من 100 ألف منزل بصورةٍ كُليةٍ أو جزئيةٍ.

نقلت وكالة الأنباء السودانية، عن وزارة الري والموارد المائية، أن منسوب النيل الأزرق في الخرطوم سجل أعلى مستوى له منذ أكثر من قرنٍ، بوصوله إلى 17.32 مترًا، وهو أعلى ارتفاع سجله السودان منذ بدء تسجيل مناسيب النيل في العام 1912، فيما توقعت وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية أن تستمر مؤشرات الارتفاع دون انخفاض قريب، على عكس ما توقعت الحكومة سابقًا قبل إعلان حالة الطوارئ.

وفي تصويرٍ جوي نشرته  وكالة «رابتلي» في أغسطس (آب) الماضي، أظهرت الصور الملتقطة الحجم الفعلي للدمار الذي خلفه الفيضان في العاصمة السودانية، وعرضت اللقطات الجوية نهر النيل وهو يفيض على جانبي ضفتيه في مدينة الخرطوم، فيما بدت المدينة كأنها قطعة غارقة أو سفينة مُحطمة استقر الجزء الأكبر من رُكامها في القاع، فيما ظهر منها أجزاء فوق السطح.

وفي الأسبوع الماضي، تدفقت مياه النيل حتى غمرت شارع النيل، أحد أهم الشوارع الرئيسية في العاصمة، كما وصلت المياه إلى محيط القصر الرئاسي، ومجلس الوزراء، وفيما كان الجيش يقيم الحواجز باستخدام جوالات مملوءة بالتراب، أظهرت صور تداولها مستخدمو الإنترنت على نطاقٍ واسع قيام شباب بوضع أجسادهم أمام تدفق المياه لحجزها في جزيرة توتي، وهي الأكثر تضررًا؛ كونها ملتقى النيل الأزرق والأبيض معًا.

وبينما توقعت لجنة الفيضانات التابعة للوزارة استقرارًا أو انخفاضًا في منسوب المياه، أصدرت لجنة الأطباء المركزية بيانًا أعلنت فيه أنَّ حجم الفيضان هذا العام فاق القدرات الحكومية والشعبية في السيطرة عليه.

وقبل شهرين، انهار سد بوط في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، بشكل مفاجئ ما أدى إلى تدمير 600 منزل، وهو ما نتج منه عمليات نزوح كبيرة زادت وطأتها في الأيامِ الأخيرة على إثر الفيضانات التي ضربت عدة ولايات.

وفيما يُتوقع أن تستمر السيول حتى أكتوبر (تشرين الأول) القادم، لا يبدو أن الحكومة السودانية قادرة على دفع أعباء الفيضان الذي دمَّر آلاف المنازل، والمرافق الخدمية في أنحاء البلاد، وهي فاتورة إضافية وُضعت على كاهل بلدٍ يُعاني بالأساس من اقتصادٍ مُنهَك.

فيضانات السودان مستمرة.. كيف سيتأثر الاقتصاد؟

بحسب بيانٍ رسمي صادر عن المجلس القومي للدفاع المدني التابع لوزارة الداخلية السودانية، طالت فيضانات السودان وسيولها أربع ولايات رئيسية هي: الخرطوم، والقضارف، وشمال كردفان، والجزيرة. وأدت إلى انهيار 24 ألف و582 منزلًا بصورة كُلية، و40 ألفًا و415 بشكل جزئي، بينما تضرر 179 مرفقًا عامًّا بالبلاد، و354 من المتاجر والمخازن، وأدى إلى نفوق خمسة آلاف و482 من الماشية.

العالم والاقتصاد

منذ أسبوعين
رحلة إنقاذ الاقتصاد السوداني.. وصفة إصلاح شاملة قد تتبعها حكومة حمدوك

تمثل الأرقام على ضخامتها حصيلة صغرى من الخسائر إذا ما قورنت بتداعياتها على الاقتصاد السوداني المُتأزم بالأساس، في ظل وصول حكومة انتقالية ضعيفة فشلت – حتى الآن – في تحقيق وعودها الاقتصادية التي كانت أحد أسباب إطاحة الرئيس عُمر البشير في أبريل (نيسان) العام الماضي.

ووفق الجهاز المركزي للإحصاء، وصل التضخم في السودان إلى أرقام قياسية، بتجاوزه حاجز الـ136% في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما كان 114.23 في مايو (أيار) الماضي، والزيادة مدفوعة بأسبابٍ عدة، أبرزها اعتماد البلاد على الواردات، وفشل الخطط الاقتصادية في دعم العملة المحلية أمام سيطرة السوق السوداء، والأرقام مُرشحة للزيادة في ظل الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان.

وقبل بدء موسم الفيضان، أقرت الحكومة السودانية بعدم توفُّر احتياطي أجنبي لوقف انهيار العملة المحلية، تزامنًا مع تضاعف نسبة التضخم نحو ثلاثة أضعاف منذ إطاحة البشير – وصلت في عهده إلى 44.5% – وتتعمد الحكومة طبع النقود لتمويل دعم الخبز والوقود، تزامنًا مع فشل السياسة النقدية في وقف نزيف هبوط الجنيه السوداني.

وفقدت العملة السودانية 50% من قيمتها خلال أقل من خمسة شهورٍ فقط، وتراجع الجنيه مؤخرًا إلى 200 جنيه مقابل الدولار الواحد في السوق الموازي، بينما وصل سعره الرسمي إلى 55 جنيهًا، وعلقت المالية السودانية على تدهور الوضع المالي بأن سلسلة الانهيار ليس لها علاقة بالسياسات الاقتصادية للحكومة.

تعزو الحكومة السودانية أزمتها الحالية إلى عدة أسباب؛ أبرزها أنَّ 95% من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي، بالإضافة إلى أنَّ الطلب على الدولار يفوق المعروض، وارتفاع حمى شراء الدولار بسبب انهيار الجنيه، إلى جانب مضاربات الذهب التي دفعت التجار إلى شرائه بقيمة تزيد بمقدار 10% على سعره العالمي، وهو أحد أكبر الأسباب في زيادة سعر الدولار المتواصلة.

وحتى اللحظة، لم تُعلن الحكومة الانتقالية خطة طوارئ اقتصادية لعلاج الآثار الناجمة عمّا دمرته الأمطار والسيول إلى جانب عمليات النزوح الواسعة، في ظل عجز مالي في الموازنة العامة للعام 2020 يبلغ نحو 160 مليار جنيه (2.9 مليار دولار)، زاد من حدته تبعات فيروس كورونا الذي أدى إلى انخفاض الإيرادات العامة بنسبة 40%.

وقبل أزمة السيول، كان السودان يعوِّل على حصوله على مبلغ 484.7 مليون دولار، معونات دولية من مؤتمر المانحين الخاص ببرنامج دعم الأسر، وهو الرقم الذي بات لا يمثل قيمة كبيرة نظرًا إلى إضافة رقم جديد للأسر المشردة بسبب السيول التي تضرر منها نصف مليون فرد، وهو ما يدفع السودان للحل القديم الفعَّال مؤقتًا، المتمثل في طلب المعونات والدعم من الحلفاء.

رسم بياني يكشف معدل التضخم (أزرق) والناتج المحلي الإجمالي للسودان (أحمر)، منذ 1980 حتى 2020. المصدر: صندوق النقد الدولي.

هل تمتلك الحكومة أدوات لحل الأزمة المتكررة سنويًّا؟

بدأت مشكلة السودان الاقتصادية فعليًّا منذ وضعه على القوائم الأمريكية للدول الراعية للإرهاب عام 1993م، إضافة إلى انفصال الجنوب عام 2011م واستئثاره بثلثي عائدات النفط، مرورًا بالحرب الأهلية ونزاع دارفور الممتد منذ عام 2005م، الذي أغرق النظام في الفوضى والفقر، وخلق موجة لاجئين ونازحين ضخمة.

ويرى حمدوك أنَّ بلاده تحتاج إلى حوالي 8 مليار دولار خلال العامين الجاري والقادم لإعادة بناء الاقتصاد، ولتغطية الواردات، إضافة إلى الحاجة إلى ملياري دولار أخرى احتياطي من النقد في البنك المركزي للمساعدة في إيقاف تدهور سعر صرف الجنيه.

وعدلت الحكومة موازنة السودان الأخيرة بسبب فيروس كورونا، للحفاظ على استمرار دعم القمح، والأدوية، وغاز الطبخ، مما يجعل البلاد فعليًّا غير مستعدة لفاتورة إضافية مخصصة للكوارث الطبيعية الأخيرة، وهو ما دفع السودان لطلب المساعدات الاقتصادية علنًا لتجاوز أزمته.

وخلال مؤتمر المانحين، الذي استضافته ألمانيا قبل شهرين بدعمٍ من الأمم المتحدة، أعلن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك صراحةً أن غياب الدعم والمعونات «قد يؤدي إلى انتشار الاضطراب في منطقة ملتهبة بشرق وشمال شرق أفريقيا ويدفع الشباب لمواصلة الهجرة بحرًا إلى أوروبا»، وهو نفسه المؤتمر الذي تعهدت فيه الدول على منح السودان 1.8 مليار دولار.

عربي

منذ شهر
الشيوعي الجنوبي الذي وصل للسلطة.. لماذا غير حمدوك أفكاره؟

وفي أول رد فعلٍ دوليٍ على فيضانات السودان الأكثر وطأةً من قرنٍ، أرسلت الأمم المتحدة عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 100 طنٍ من المساعدات ومواد الإغاثة لأكثر من 40 ألف لاجئ، و85 ألف نازح، إلى جانب مئات الآلاف المتضريين، وهي الشحنة التي تكفلت الإمارات بشحنها جوًّا.

وعلى مستوى التنافس الإقليمي، تدخلت تركيا عبر الهلال الأحمر التركي، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية، في خطوة سبقت تدخل الإمارات عبر مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، والتي سبق أن تكفلت بإغاثة 50 ألف متضرر من فيضانات السودان العام الماضي.

وتتوقع الحكومة الانتقالية المُثقلة بالأزمات الاقتصادية حصولها على مزيد من الدعم العربي، خاصة بعد إعلانه رسميًّا فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، واعتبار السودان منطقة كوارث طبيعية، خاصة أن الأرقام على الأرض تشير إلى أنَّ أعداد المتضررين في تزايد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد