ما لا يقتلك يقوّيك، هكذا تمثل المرشح الرئاسي في الانتخابات البرازيلية جايير بولسونارو المثل الشعبي، فبينما كان متكئًا بين عدد من مؤيديه في السادس من سبتمبر (أيلول) الماضي بمدينة جويز دي فورا، جنوب شرقي البلاد، طعنه رجلٌ يحمل سكينًا خرج لتوه من بين الحشود المؤيدة، اخترقت السكين معدته، وكبده وإحدى رئتيه، قبل أن يُنقل إلى مشفى محلي قريب من موقع الحادثة.

في غضون شهرٍ واحد ارتفعت أسهم المرشح الرئاسي، وتصدر بثباتٍ استطلاعات الرأي لا سيما بعد أن أكدت المحكمة الحكم على الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا وحرمته فرصة المنافسة في الانتخابات، ليحل بولسونارو في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي على رأس المرشحين الرئاسيين الثلاثة عشر، متصدرًا بنسبة 46%، حاجزًا مقعده باعتباره أول اثنين سيخوضان جولة الإعادة نهاية الشهر الحالي.

من هو اليميني المتطرف جايير بولسونارو؟

كالنار في الهشيم صعد اليمين المتطرف في العواصم الغربية، فشل في أغلبها لكنه نجح في أهمها، واشنطن الآن تضع على رأسها دونالد ترامب، ويحقق الرجل وفقًا لمبدأ الربح والخسارة مكاسب كثيرة، يبتز ممالك الخليج ويقوض مصالح أوروبا السياسية والتجارية ويشاكس الصين الفتيّة، صحيح أنها ربما في نظر منتقديه مكاسب قصيرة الأجل، ذات أثر مدمر على المدى البعيد، لكن الجماهير لا تفكر بعقول الفلاسفة ورواد النوادي السياسية، ما يلمع في عيونهم هو ما يظهر لهم على السطح.

Embed from Getty Images

المرشح الرئاسي المتصدر في الجولة الأولى جايير بولسونارو

تشبّه المرشح البرازيلي اليميني المتطرف جايير بولسونارو، صاحب 63 عامًا، بدونالد ترامب في مناسبات عديدة، تصريحاته مثيرة للجدل، ومسيرته السياسية محاطة بالعديد من الأسئلة، فهو الذي توعد حال وصوله للسلطة بتعديل قانون حقوق الإنسان في البرازيل، وحجته في ذلك أنه لا بد وأن يُعامَل المجرم باعتباره مجرمًا، لا إنسانًا، فإذا كان يحمل مسدسًا وجبت مواجهته بالبندقية، وإن كان يحمل بندقيةً وجبت مجابهته بالدبابة، لا مجال للحب والسلام مع المجرمين – على حد قوله -.

لم تكن تصريحات بولسونارو هذه زلة لسان، إنما تعبر عما يؤمن به ويعتقده من أعماق قلبه، حتى إنه في مناسبةٍ أخرى، قُبيل محاولة اغتياله سالفة الذكر بأسبوع، صرح بأنه يتمنى لو يطلق النار على بعض الأعضاء الفاسدين من حزب العمال!

لا، لا توجد حلول سهلة لموقفنا، ولا يوجد أي شخصٍ قادرٍ على هذا. * جايير بولسونارو

يمتلك جايير روح الدعابة والكاريزما اللازمة لأي سياسي للتأثير في جماهيره، وحيازة تأييدهم، لديه أيضًا الكثير من روح الدعابة والقدرة على إلقاء النكات، لكن الشيء الوحيد الذي يفتقر إليه هو القدرة على حل مشاكل البرازيليين، مع المعدلات المتزايدة من التضخم والفساد، وصعود مؤشرات البطالة والجريمة.

لكن ما دفع الجماهير لانتخابه في الجولة الأولى ربما هو رغبتهم في التغيير، تمامًا كما الأمريكيين عندما انتخبوا دونالد ترامب، إذ باتوا يضيقون ذرعًا بحديث الساسة المنمق، المليء بالوعود والمشاريع، فانصرفوا منه إلى مَن لا يعدهم بشيء، ويخلق لهم أعداءً وهميين يمكن السيطرة عليهم، كهجومه على المهاجرين، ورغبته في الحفاظ على العادات والتقاليد، والعودة بالمؤشر السياسي إلى الدين، ونقد المثلية والإجهاض، حتى إنه تمنى لو أن ابنه يموت ولا يكون مثليًا.

لا يكف بولسونارو عن الحديث عما يجب أن تعلمه كتب الثقافة الجنسية للأبناء، لكنه لا يولي اهتمامًا بأكبر مشكلتين في البلاد، البطالة والرعاية الصحية.

Embed from Getty Images

تظاهرات في ساو باولو ضد المرشح الرئاسي جايير بولسونارو

بعد كل ما قيل عن الرجل، ليس مستغربًا أن نقول إنه منذ صعد إلى الحياة السياسية بانتخابه عام 1989 ضمن مجلس بلدية ريو دي جانيرو، وبعدها عام 1991 عضوًا بمجلس النواب عن الولاية نفسها، وهو يتبنى آراء اليمين المتطرف إلى الحد الذي جعله يمتدح حقبة الحكم العسكري في البرازيل. عُرف جايير قبل هذا الوقت بينما كان ضابطًا في الجيش وكتب مقالةً لصحيفة برازيلية ينتقد فيها الأجور المتدنية لضباط الجيش، ما تسبب في حبسه 15 يومًا، قبل أن تُبرئه المحكمة بعد هذا التاريخ بعامين.

في هذه الانتخابات التاريخية في البرازيل، والتي يبدو أنها ستكتب السطر الأخير من حقبة اليسار، وأبناء العم لولا دا سيلفا، يمثل جايير الحزب الليبرالي الاجتماعي، ويُحسب أيديولوجيًا على اليمين القومي الشعبوي، المؤمن بحرية السوق وسحق الأجانب، وتبني سياسات أكثر تحفظًا.

حداد «اللبناني» أمل اليسار الأخير

من داخل غرفة الاحتجاز، أعلن الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا دعمه لوزير التعليم في حكومته فرناندو حداد، سرعان ما مرر حزب العمال ترشيح حداد. حداد لبناني الأصل، تبوأ منصبه وزيرًا للتعليم في الفترة بين عامي 2005 و 2012، أحدث خلالها العديد من الإنجازات تزامنًا مع الطفرة البرازيلية التي أحدثها دا سيلفا، فأنشأ عدد 14 جامعة، 214 مدرسة فنية، مع استحداثه مشروع «الجامعة للجميع» المنوط بتقديم المنح الدراسية للطلاب ذوي الدخل المنخفض، لكن ذلك لم يشفع له ليكون وجهه معروفًا للجماهير البرازيلية، فكان ترشحه للرئاسة مجازفة ومحاولة، تبدو للمتابعين بائسة، من حزب العمال للحيلولة دون انتهاء التجربة البرازيلية التي بدأت مع رئاسة «بطل الفقراء» لولا دا سيلفا.

Embed from Getty Images

المرشح الرئاسي فرناندو حداد

بدأت علاقته بالسياسة منذ أن كان طالبًا في كلية الحقوق، إذ انضم إلى إحدى الحركات المناهضة للديكتاتورية العسكرية، حرر العديد من الأوراق اليسارية، وانضم إلى حزب العمال في ظل قائده لولا دا سيلفا، الذي أصبح فيما بعد أباه الروحي، وأستاذه الذي اختاره وزيرًا للتعليم (2005 – 2012)، ودعمه فيما بعد لرئاسة بلدية ساو باولو إبان حكم الرئيسة السابقة روسيف (خليفة لولا دا سيلفا)، وها هو لولا اليوم يجدد الدعم لحداد في معركته للوصول إلى رأس السلطة في البلاد، وكانت الظروف السياسية السيئة في البرازيل إبان فترة الرئيسة ديلما روسيف قد انعكست على رئاسة حداد لبلدية ساو باولو، وخرجت التظاهرات ضده احتجاجًا على استضافة البلاد لكأس العالم، ورفع تذاكر مواصلات الولاية، فما كان إلا أن مُني حداد بهزيمة مُذلة في انتخابات البلدية للفترة الثانية 2016.

خسر حداد الكثير من الأصوات المؤيدة له في انتخابات البلدية، وبعد أن كانت نسبته في انتخابات 2012 تكاد تصل لـ 55%، وصلت في العام 2016 لـ 13% فقط، صحيح أن ذلك لا يمكن عزوه فقط لفشل حداد في رئاسته للبلدية، لكنه مؤشرٌ واضح على تراجع شعبية العمال، نتيجة لاتهامات الفساد التي لاحقت قياداته في هذه الفترة.

بعد سنوات مذهلة.. الانكماش يعطل قاطرة اقتصاد البرازيل

سباق محتدم

خلال العقدين الماضيين، تناوب على رئاسة البرازيل يسار الوسط ويمين الوسط، حزب العمال والحزب الديمقراطي الاجتماعي، إلا أن الانتخابات الرئاسية الحالية تُقدم مشهدًا استقطابيًا حادًا، نتيجة طبيعية لخمس سنوات مضطربة، سببتها الاحتجاجات الجماهيرية، والركود الاقتصادي، وحرب المؤسسات المفتوحة على حزب العمال لإزاحته من السلطة. تصدر الرئيس السابق لولا دا سيلفا استطلاعات الرأي، لكن المشكلة هي وجوده رهن الاحتجاز، وبعد أن أكدت المحكمة حكمها الصادر بحقه سبتمبر الماضي، استحالت قدرته على المنافسة بفضل قانون الصفحة البيضاء الذي قدمه هو بنفسه إبان رئاسته، وبقي لدينا مرشح قويٌ واحد، هو اليميني المتطرف جايير بولسونارو، يحاول خليفة لولا (فرناندو حداد) منافسته والنيل منه، لكنها تبدو لدى أغلب المتابعين منافسةً صعبة.

Embed from Getty Images

المرشحين في جولة الإعادة فرناندو حداد (يمين) وجايير بولسونارو

هذه الصعوبة ترجمتها نتائج الجولة الأولى، فبينما حصل حداد بالكاد على 29% من الأصوات، حصل منافسه الأوفر حظًا بولسونارو على 46%، وحل ثالثًا سيرو جوميز، مرشح حزب العمل الديمقراطي بنسبة تقارب 12.5%، لتكون جولة الإعادة حصرًا على المرشحين الأول والثاني. منافسة تبدو صعبة على أبناء لُولا، لكنها أصعب على الجماهير البرازيلية التي وُضعت في اختبارٍ قاس، بين من دعم الفاشية العسكرية ومَن ناضل في مواجهتها، غير أن اليأس الشعبي هو  ما يدفع الجماهير للتصويت، حيث تشهد البرازيل معدلات مرتفعة جدًا من الفساد، ويخضع تسعة من كل 10 نواب اتحاديين للتحقيق، فيما يواجه الرئيسين السابقين، لولا دا سيلفا وديلما روسيف المسار ذاته، في ظل معدلات مرتفعة من البطالة والتضخم والفقر.

تبدو فرص حداد في الفوز بمقعد الرئيس صعبة للغاية في ظل هذه الأجواء، لكن يرى أليكس هوشولي (باحث ومستشار مقيم بولاية ساو باولو) في مقالة نشرها على موقع اليسار الأمريكي الشهير جاكوبين، أنه حتى لو فاز حداد وهي مفارقة صعبة للغاية، فإنه سيواجه عددًا من المشكلات، أولها كونه مرشحًا ضعيفًا وأكاديميًا يفتقد للتواصل مع القاعدة الجماهيرية للحزب، ولم يثبت خلال مسيرته الكاريزما التي تسمح له بعقد التحالفات وتشكيل قاعدة شعبية حول شخصه، كذلك حال فوزه سيواجه حداد مجلس نواب معاد وغير متعاون، على عكس ما كان الوضع إبان حكم الرئيسة روسيف، والذي انتهى بنهاية المطاف إلى عزلها من منصبها.

الحنين إلى الديكتاتورية

تمامًا كحال باقي دول العالم الثالث، تخلصت البرازيل من الاحتلال البرتغالي 1822 وأسست من بعده الإمبراطورية البرازيلية، كانت الإمبراطورية كيانًا يضم ما يعرف حاليًا بالبرازيل وأورجواي، يحكمها الإمبراطور بيدرو الأول وابنه بيدرو الثاني، إلى أن أضاعها الأخير لصالح عدد من رجال الجيش، تحملوا على عاتقهم بناء الجمهورية البرازيلية الأولى، عام 1889، وبدأ معهم البرازيليون مرحلة طويلة من حكم الجيش.

كانت البلاد في عهد الإمبراطورية البرازيلية متزنة، تحقق رقمًا تنمويًا جديرًا بالاحترام، وتسجل تقدمًا في مجال حقوق الإنسان، حيثُ نُظمت أول حملة لحقوق المرأة في البرازيل، لكن خسارة الإمبراطور بيدرو الثاني لأولاده الذكور، وانحصار وراثة العرش في ابنته الكبرى إيزابيل، أفقده الحماسة للحفاظ على العرش ومقاومة الجنود الطامعين في حكم البلاد وجعلها جمهورية.

لم يكن حكم الجيش في البرازيل بداية من سقوط الإمبراطورية أكثر من مجرد ديكتاتورية وحشية، لا تعرف الحقوق ولا الحريات، لكنها ومع ذلك حققت في البداية نجاحًا في عدد من الملفات الشائكة من مخلفات الإمبراطورية، أغلبها مشكلات حدودية مع الجيران ذات طابع عسكري، حتى كانت حرب أكري نذيرًا بضعف الجمهورية الأولى وبداية تحللها، ثم مشاركتها في الحرب العالمية الأولى ضمن معسكر الحلفاء، وبداية الضعف الاقتصادي، ما شكل حلقات متصلة من السقوط انتهت بالجمهورية البرازيلية الأولى وانقلاب 1930، وبداية ما يعرف بعهد فارجاس.

الديكتاتور البرازيلي جيتوليو فارجاس

الجدير بالقول أن الانقلاب على جمهورية البرازيل الأولى، والتي شكلتها جوقة من العسكريين، كان أيضًا بيد عسكريين. جيتوليو فارجاس، الزعيم المعارض «أبو الفقراء» تسلم البلاد بدعم عسكري 1930، اتسمت سياساته بالإصلاح الاجتماعي، ورعاية الفقراء، وكانت في أول الأمر محط إعجاب الكثيرين من أبناء البلاد، حتى انحرفت فيما بعد إلى الفاشية، ودخل فارجاس الحرب العالمية الثانية إلى جانب رفيقه موسوليني، فلما وضعت الحرب أوزارها أُقصى عن السلطة بفعل العسكريين السابقين، الذين هزمهم قبل 15 عامًا، وعاد فارجاس إلى السلطة مرةً أخرى عام 1954 لكن هذه المرة من باب الديمقراطية، إذ انتخب رئيسًا لفترة لم يكملها وتخلص من جسده بطلقة في القلب أغسطس (آب) 1954.

توالى على حكم البرازيل ثلاثة من الرؤساء المؤقتين بُعيد فارجاس، إلى أن أتى جوسيلينو كوبيتشيك، المعروف بإنجازه لعاصمة البرازيل الجديدة برازيليا، والذي استتب له الأمر أربع سنوات وعرف بوصفه أحد أهم من تولوا رئاسة البرازيل وأكثرهم إنجازًا في الحقبة الماضية، لكن ذلك لم يمنعه من الاتهام بالفساد والتربح من وراء المشاريع الكبرى في البلاد، لم ينجح في الصمود أمام الشائعات وخسر السلطة لصالح جانيو كوادروس، الذي أعلن أنه جاء لمحاربة الفساد المستشري في البلاد.

وللمفارقة فإن كوادروس نفسه حوكم إبان الحكم العسكري اللاحق بتهم متعددة في الفساد، كان الفساد ولا يزال سمة الحاكمين في البرازيل بمختلف درجاتهم، حتى إنه لم يعد يثني الجماهير عن حب سياسي أو اتباعه، لكنه استُخدم في الآونة الأخير لسحق تجربة البرازيل الناهضة مع بداية القرن الحالي، وجدير بالذكر أن البرازيل كانت لها نهاية القرن الماضي سابقة؛ أنها الدولة اللاتينية الوحيدة التي يحاكم رئيسها بتهمة الفساد، وذلك بعد أن اتهمت فرناندو كولور ميلو عام 1992، أول الرؤساء المنتخبين ديمقراطيًا بعد انتهاء فترة الحكم العسكري، وعودة المدنيين إلى الحكم 1985.

الرئيس البرازيلي الأسبق جوسيلينو كوبيتشيك

الكثير من التشابه بين تجربة جوسيلينو كوبيتشيك ولولا دا سيلفا، كلاهما يقعان أيديولوجيًا في الوسط، كوبيتشيك على اليمين ولولا على يسار الوسط، لكن لكل منهما تجربة ناهضة وفارقة في البرازيل، وكلاهما أُقصيا بالسلاح نفسه، الحرب على الفساد. كوادروس، خليفة كوبيتشيك الذي رفع سيفه بالحرب على الفساد وأزاح رجل الإنجازات هو نفسه قتل بذات السيف، وهذه الدعايا التي يسوقها المرشح الحالي والرئيس المنتظر حسب استطلاعات الرأي جايير بولسونارو، ربما يتضح فراغها من مضمونها إذا ما وصل للسلطة نهاية الشهر الحالي، بعد أن تكون نهاية تجربة اليسار المضيئة قد كتبت.

الهروب الكبير.. هكذا بدأت البرازيل عصرها الذهبي الاقتصادي حين طلّقت «صندوق النقد»

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!