ربما تفكر حين تغوص في عالم رواية ما، أنك انفصلت عن كل ما حولك، واستمتعت فقط ببعض الوقت، لكن ما لا يدركه معظمنا هو حجم التأثير الذي تحدثه الرواية فينا، بعد أن نطوي آخر صفحاتها، ونعود للواقع من جديد.

تندمج مع الرواية في تجارب ومِحَن لم تختبرها، وتقترب من شعور أبطالها الخياليين، وتفكر  معهم في حلول لمشكلات قد تبدو لك مستحيلة، فهل تقتصر كل هذه التأثيرات على المتعة فقط؟

عبر السطور القادمة ستكتشف أن الأمر تعدَّى ذلك فعلًا، وأن التأثير الكبير لقراءة الروايات على تكوين الشخصية، دفع الكثيرين من الباحثين لدراسة إمكانية استخدام القراءة والرواية تحديدًا في علاج الاضطرابات، وحتى علاج الأمراض الجسدية، بحيث أصبح لكل مرض رواية.

 القراءة علاج.. منذ القدم

على مر التاريخ استخدمت الكتب في «شفاء الروح» كما كُتب على مدخل إحدى المكتبات الإغريقية القديمة، كان ذلك يتم بأشكالٍ مختلفة، ففي أمريكا تدرب أمناء المكتبات على مهارات تقديم الكتب إلى المحاربين القدامى في الحرب العالمية الأولى. كما استخدمها «سيجموند فرويد» في جلسات التحليل النفسي للجنود العائدين من القتال في الحرب العالمية الثانية.

ولاحقًا اعتمدت المستشفيات القراءة كوسيلة علاج فعالة لتقويم سلوك السجناء، وعلاج الذاكرة لدى كبار السن، ولعلاج أغلب اضطرابات الشخصية، والتعامل مع مشكلات المراهقين، وقد استُخدمت كتابات «جين أوستن» لأغراض علاجية في بريطانيا، وقيل إن الروائية نفسها استطاعت عبر برنامج للقراءة أن تتجاوز حزنها على فقد شريك حياتها.

وفي بدايات القرن العشرين أوصى الفيلسوف والمحلل النفسي «إريك فروم» بدراسة بعض النصوص الأدبية لـ«بلزاك، ودوستويفسكي، وفرانز كافكا»؛ للعثور على فهم عميق للإنسان، قد لا يتوفر بالقدر نفسه في الكتابات التحليلية النفسية، وقبل ثلاثة أعوام فقط نشرت الـ«نيويورك تايمز» مقالًا بعنوان (تناول قليلًا من «تشيكوف» لتحظى بمهارات اجتماعية أفضل).

ولا تتوقف الأبحاث التي تشير إلى أن مطالعة القصص والروايات تسمو بالروح، وتعزز القدرة على مواجهة تحديات الحياة، فالقراءة بشكل عام تساعدنا على التفكير التحليلي، وتجعلنا ندرك الأمور بمنظور أفضل، خاصة فيما يتعلق بسلوكياتنا وسلوكيات الآخرين، والروايات ـ بشكل خاص ـ تعزز قدراتنا على تفهم، وقراءة مشاعر الآخرين، وقد نشرت دورية «علم النفس الاجتماعي التطبيقي» بحثًا ـ العام الماضي ـ أشارت فيه إلى أن قراءة روايات «هاري بوتر» جعلت الشباب في بريطانيا، وإيطاليا أيضًا، أكثر إيجابية، وتقبلًا للفئات المهمشة.

آثار القراءة على الدماغ من الناحية الطبية

تناول أحد الأبحاث العلمية آثار القراءة على الدماغ، عبر إجراء مسح للدماغ بالرنين المغناطيسي للمشاركين في التجربة، وأثبتت التجربة أن الذين يقرأون عن تجربة معينة يسجلون إشارات تحفيزية للمناطق العصبية التي تنشط حين يخوضون التجربة بأنفسهم.

وأشارت دراسات أخرى لنتيجة مشابهة حيث توصلت إلى أن قراء القصص يتعاطفون بشكل أكبر مع الآخرين. كما أشارت إحدى الدراسات إلى أن التوتر لدى المرضى قلّ بنسبة 86% بعد مرور ست دقائق فقط من قراءة كتاب (أي كتاب).

واستنتجت دراسة أيضًا أن قراءة الخيال الأدبي حسّنت نتائج المشاركين في اختبارات لقياس درجة التعاطف والإدراك الاجتماعي.

كتاب شامل .. 751 رواية

تتصدر  الرواية أغلب الألوان الأدبية الأخرى، وتحصد وحدها ثلاثة أرباع الجوائز التي تقدم للإبداع الثقافي،  وهذا ما دفع الباحثتان «إيلا برثود» و«سوزان إلدركن» لإجراء أبحاث حول العلاج بالرواية، على مدار 25 عامًا في جامعة كامبردج حيث قدمتا من خلال الرواية علاجًا لأمراض النفس والروح، وحتى الجسد، وقد صدرت نتائج الأبحاث في كتاب بعنوان (العلاج بالرواية من الهجر إلى فقدان الشهية.. 751 كتابًا لعلاج كل ما تشكو منه)، وضعت فيه الباحثتان بالفعل قائمة طويلة بالروايات التي يمكنها علاج كل مرض، وأصبح الكتاب بين أكثر الكتب مبيعًا في بريطانيا، وتقوم الباحثتان حاليًا بتقديم استشارات لعلاج المرضى في «مدرسة الحياة» التي يديرها «إلين دي بوتون» في بريطانيا.

لكلّ شكوى رواية

إذا أُصبت بالأنفلونزا الحادة، فالحل هو قراءة رواية «البؤساء» لـ«فيكتور هوغو»، ولآلام الأسنان؛ اقرأ رواية «آنا كارنينا» لتولستوي. وللبدانة إقرأ رواية «الصرخة الآتية من بعيد» لــ«ريتشارد شريدان»، وإذا كنت تعاني الأرق فاقرأ «اللاطمأنينة» لـ«فيرناندو بيسوا»، إذا كنت سريع الغضب فيمكنك قراءة رواية «اصرخ يا بلدي الحبيب» لـ«ستيورات باتون»، وإذا استبد بك الشوق، فاقرأ رواية «الحرير» لـ«ليساندرو باريكو»، ولحل مشكلة التسويف، وتأخير المهام، يمكنك قراءة «بقايا النهار» لـ«إيشيغيرو»، وللتخلص من الإهمال يمكنك قراءة «الأمير الصغير»لـ«أنطوان دوسانت»، حتى «الفوبيا» يمكنك علاجها بقراءة  رواية «مائة عام من العزلة» لـ«ـماركيز».

وفي الترجمات التي صدرت لهذا الكتاب تمت إضافة بعض الاضطرابات والأمراض المنتشرة في كل بلد، فمثلًا في النسخة الهولندية، تضمنت المبالغة في تقدير قدرات الطفل. والنسخة الهندية، تناولت التبول في الأماكن العامة. والنسخة الإيطالية تضمنت مفاهيم العجز والخوف من الطرق السريعة. وأضيفت في النسخة الألمانية موضوعات تتعلق بـ«كُره العالم».

وحاليا تعمل المؤلفتان على إصدار نسخة أدبية للأطفال يُتوقع أن تصدر في العام الجاري، وتضم أعمالًا أدبية، وسيرًا شخصية، وراويات تعالج المشكلات التي يواجهها الجيل الجديد، على أن يشارك الآباء والأمهات القراءة مع أبنائهم خلال فترة العلاج.

رواية تدعم الشفاء

الآن تعد بريطانيا أكثر الدول التي تتبنى عبر العديد من المؤلفات والبرامج العلاج بالروايات، والنتائج التي يتوصل إليها الباحثون في هذا المجال هي جهد يُضاف لجهود كبيرة تُبذل باستمرار؛ لمواجهة أمراض صارت منتشرة بشدة حاليًا، كمرض السرطان، والقلق المفرط، والاكتئاب، والميول الانتحارية، واضطرابات الشخصية الأخرى.

في آلام النفس قد يكمن السر في أنها تنأى بك عن مشكلاتك؛ لتعيش مع شخصياتها الخيالية، ثم تبعث بالطاقة داخلك، وتملؤك بالقدرة على مواجهة مشكلاتك. وفي آلام الجسد لا تكفي الروايات وحدها لإحداث العلاج المطلوب دون علاج طبي، لكنها تحفز جزءًا من الدماغ قد تحتاجه لتقاوم الآلام.

 

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد