في 14 من يوليو (تموز) 2015، وقع اتفاق تاريخي بين إيران والدول الست الكبرى حول البرنامج النووي الإيراني، نص الاتفاق على رفع عقوبات دولية، وحظر قائم على إيران منذ ثماني سنوات؛ مقابل أن تقوم إيران بتخفيض نسبة تخصيب «اليورانيوم»، وأن تكرس برنامجها النووي للاستخدام المدني.

الآن، وبعد مرور عام على هذا الاتفاق، يقول الإيرانيون إن إزالة العقوبات كان «حبرًا على الورق» فقط، فلا جنى الشعب الإيراني ثمار هذا الاتفاق، ولا استفادت الحكومة من الاستثمارات الأجنبية التي عجزت عن استقطابها، كما كانت تأمل.

أما الولايات المتحدة، فأقرت أنها عاجزة عن احتواء الطموح الإيراني في تطوير برنامج نووي، الذي برز بعدما كشف تقرير استخباراتي في هذا الشهر، سعي إيران لامتلاك صواريخ «باليستية»، إذ لم يفلح تقييد الولايات المتحدة لإيران بعقوبات مرتبطة باتهامها بـ«دعم الإرهاب»، وانتهاك حقوق الإنسان يلجمها عن تطوير سلاحها النووي.

الإيرانيون سمعوا «جعجعة» ولم يروا« طحينًا»

«أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا» أصبح الكثير من الإيرانيين يرون في هذا المثل واقعًا، بعد مرور عام على احتفالهم بتوقيع الاتفاق النووي. الإيرانيون الذين انتظروا تحول العلاقات مع الغرب إلى استثمارات عملية، أيقنوا أن الآمال الكبيرة التي ربطت بالاتفاق على المستوى الاقتصادي والسياسي كانت وهمية، وأيقنوا أنه ليس من السهل أن يمحو هذا الاتفاق العقوبات التي وصل عمرها إلى ثماني سنوات.

فلم يكن للإفراج عن الأموال المجمدة التي قدرت بمبلغ 55 مليار دولار، ولا للاستثمارات الأجنبية (3.5 مليار دولار) أثر كبير على الاقتصاد الإيراني، فلا يزال السوق الإيراني يعاني من كساد، وقلة فرص عمل، وفقر، ونسبة البطالة تبلغ 11 في المئة، وهناك 2.5 مليون عاطل عن العمل، بل إن تقديرات أخرى تؤكد أن عدد العاطلين هو أكبر من ذلك، ويصل إلى 3.5 مليون شخصًا؛ كون العديد من الإيرانيين لم يسجلوا في مكاتب العمل.

ويعكس استطلاع رأي أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية في ولاية «ماريلاند» عن طريق منظمة استطلاعات الرأي المستقلة «إيران بوول» في يونيو (حزيران) أن ما يقارب من نصف الإيرانيين، الذين وافقوا على الاتفاق، انخفضت نسبة تأيدهم للاتفاق إلى 63 في المائة، فالشعب الإيراني «قلل من مقدار العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتبقية إلى جانب عدم اليقين حول السياسيات الأمريكية المستقبلية، ومدى تأثير على وصول إيران إلى الأرصدة المجمدة والتفاعل الاقتصادي» كما تقول «نانسي غالاغر»، المدير المؤقت في مركز الدراسات الدولية والأمنية.

ويوضح الخبير في الشأن الاقتصادي «أحمد طلب» أن «الحكومة الإيرانية فشلت إلى حد كبير في إعداد خطة متكاملة لما بعد الاتفاق، فالقوانين الإيرانية مازالت تحتاج للكثير من العمل، بالإضافة إلى أن النظام المصرفي في البلاد قديم جدًا، ولا نستطيع أن ننكر أن الحكومة قد طرحت العديد من التسهيلات للشركات الاستثمارية، لكن هذا الأمر بدا قاصرًا على قطاع الطاقة. الحكومة أيضًا فشلت في إقناع المستثمرين، والبنوك الغربية، في التدفق، واستئناف أنشطتهم الطبيعية، وضخ استثمارات جديدة في إيران».

وتابع «طلب» لـ«ساسة بوست»، قائلًا إن «هناك بطئًا في رفع العقوبات الاقتصادية، والتي قد تكون برغبة أمريكية، ولعل قرار البيت الأبيض الأخير الذي يقضي بعرقلة صفقة قيمتها 17.6 مليار دولار من شركة بوينج لبيع طائرات لشركة طيران إيران، خير دليل على ذلك».

 

ويشير طلب إلى أن إيران سجلت مكاسب متعددة خلال هذا العام، وذلك في أكثر من مناسبة، كالاتفاق الذي تم مع سلطنة عمان بخصوص مشروع للغاز الطبيعي، وفتح روسيا لاعتماد بقيمة 5 مليارات دولار من أجل الاستثمار في مجال التكنولوجيا، وتوقيع اتفاقية مع ألمانيا من أجل بناء محطة للطاقة الشمسية، ولعل النفط هو صاحب المكاسب الأكبر فقد قفزت صادرات إيران من الخام لتصل إلى 3.8 ملايين برميل يوميًا، لكن حتى الآن المكاسب مازالت محدودة، وأقل كثيرًا مما كان متوقعًا، حسب طلب.

عوامل لم تشجع المستثمرين على دخول السوق الإيراني

إغراءات اقتصادية سرعان ما قدمتها الحكومة الإيرانية لجلب البنوك والشركات الأوروبية الكبرى للاستثمار في إيران، طرحت العديد من التسهيلات للشركات الاستثمارية، خاصة في مجال قطاع الطاقة. لكن في الحقيقة الحكومة الإيرانية فشلت في إقناع المستثمرين والبنوك الغربية باستئناف أنشطتهم الطبيعية قبل العقوبات أو ضخ استثمارات جديدة.

لم تستغل طهران هذا الاتفاق اقتصاديا بالشكل الأمثل حتى الآن، وذلك على مستوى الاستثمارات الأجنبية بشكل خاص، وتقف عدة عوامل وراء عدم تشجع المستثمرين الأوربيين للسوق الإيراني، الذي يوجد به 80 مليون مستهلك، منها استمرار عقوبات تشمل القطاع المصرفي، ونظام التحويل المالي «السويفت الدولي«، هو النظام المصرفي القديم في البلاد، بالإضافة إلى النظام القضائي المسيس. ولا يمكن إغفال أثر المناخ الاقتصادي العالمي الذي تعرض خلال هذا العام إلى أزمات كبيرة؛ دفعت المستثمرين لعدم المخاطرة، ودخول السوق الإيراني هذا الوقت، كما خشيت هذه الشبكات من التورط في شبكة اللوائح والإجراءات المتبقية.

وفيما يتعلق بالنفط، الأهم في مجال الاستثمار في إيران، فقد انعكس وصول أسعار النفط الخام إلى 30 دولارًا للبرميل على عدم استفادة إيران من رفع العقوبات، ففي وقت أغرقت الأسواق بالنفط الإيراني، وتعهدت إيران بالمزيد من الضخ، سينعكس ذلك على تخفيض أسعار النفط لتبلغ 25 دولارًا للبرميل. يقول مدير محللي النفط في شركة «Oil Price Information Service» «توم كلوزا»، إن «السوق فائض بالنفط بالأصل، كما لو أنك حظيت بمطر بمقدار 16 إنشًا في منطقة تعاني من الفيضان أصلًا، والكمية لا تزال بازدياد».

من جانب آخر، يرى المحلل السياسي «أحمد هواس»، أن «الاقتصاد الإيراني اقتصاد مدمر؛ حيث تعتمد إيران على ضخ النفط من الأحواز وكذلك الغاز، وتعتمد على استثمارات لها في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وهي لا تُحسن الوضع المعاشي لمواطنيها، والسبب هو الصرف الهائل على مغامرات الملالي في المنطقة والصرف بسخاء على مشروع تصدير الثورة بالقوة».

وأضاف هوّاس لـ«ساسة بوست»، أنه «من يراقب الاتفاق يعلم انه جاء إنقاذا للاقتصاد الإيراني الذي فيه سعر التومان بشكل مرعب في 2013، وجاء الاتفاق وبقي الاقتصاد الإيراني على وضعه، وأيضًا لم تتوقف إيران عن صناعة وتطوير الصواريخ، وهي في واقع الأمر سرقة للنماذج العراقية بعد الغزو، وإيران تبحث عن الطاقة؛ لأن النفط الموجود لديها هو المرشح الأول للنفاد».

الغرب: طهران لا تزال تعمل من أجل الحصول على السلاح النووي

يُعد ملف الصواريخ الإيرانية أبرز ما سجل كانتهاك «صارخ» للاتفاق النووي، فتطوير واختبار إيران لصواريخ بعيدة المدى يمكنها حمل رؤوس نووية أكد للغرب أن حكومة طهران لا تزال تعمل من أجل الحصول على السلاح النووي، وأشارت مصادر غربية أن غالبية الأموال التي تم الإفراج عنها نتيجة إلغاء العقوبات ذهبت لحرس الثورة الإيراني، ولم تذهب لأغراض مدنية، واعتبر متحدثون أمريكيون أن تجارب الصواريخ ارتفعت درجة، ودعم «حزب الله» يستمر بشكل كامل.

كشفت منظمة التجسس الألمانية عن أن إيران حاولت شراء تكنولوجيا نووية من ألمانيا منذ عدة أشهر، وتحديدًا شراء «ألياف كربونية» من ألمانيا، وهي منتج تكنولوجي متقدم يستخدم أجهزة تنقية اليورانيوم بما في ذلك قطع صواريخ، وحسب تقرير الوكالة إيران في 2015 حاولت 80 مرة شراء تكنولوجيا نووية من ألمانيا، وتؤكد صحيفة «واشنطن تايمز» أن «ملالي إيران لا يزالون يسعون للحصول على أسلحة الدمار الشامل بعد مرور عام على الاتفاق»، وتابعت الصحيفة «أجهزة الاستخبارات الألمانية كشفت أن النظام الإيراني يبذل محاولات غير مشروعة؛ للحصول على تقنيات نووية محظورة من الشركات الألمانية بكميات كبيرة بحسب المعايير الدولية».

ولم تصمت إيران على موقف الغرب من التجارب الصاروخية البالستية، التي أجرتها إيران في مارس (أذار)2016، واعتبرتها الأمم المتحدة أن إطلاق الصواريخ «الباليستية» الإيرانية يمثل انتهاكًا للقرار الخاص بالاتفاق، فأكدت أن برنامجها الصاروخي ضمن استراتيجيتها الدفاعية، وحسابات أمنها القومي.

ويقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية «بهرام قاسمي»، إنّ إيران «أعلنت مرارا أن برنامجها الصاروخي دفاعي الطابع تمامًا، ولم يصمم مطلقًا لحمل رؤوس نووية؛ لذلك فهو لا ينتهك القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، ولا صلة له بالاتفاق النووي».

طهران وواشنطن..اتهامات متبادلة وثقة معدومة

حقق الاتفاق النووي الهدف العاجل للولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل في وقف سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط، ومنع نشوب حرب نتيجة النووي الإيراني، لكن يبدو أن تنفيذ بنود الاتفاق لم تتوفر بعد ظروفها المواتية الخاصة بالثقة بين واشنطن وطهران.

الآن ومع مرور عام على الاتفاق ما زال المعارضون كثر في الولايات المتحدة، وهم ليسوا فقط مرشح الرئاسة «دونالد ترامب»، بل أيضًا في مجلس الشيوخ الذين يقولون بأنه «لا يمكن الثقة في إيران» كما يقول «أوليفر ماير» الباحث من المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن، إذ يؤكد «ماير» على أن المعارضين الأمريكيين ما زالوا مقتنعين أن إيران مستفيدة في ظل رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها، وأن الاتفاق لا يحتوي على تبعات أو عقوبات جدية في حال خرق إيران للاتفاق، ويري الباحث ماير «أن التواريخ التي تعهدت بها إيران لتنفيذ بعض شروط الاتفاق سرعان ما تنتهي في غضون سنوات، كما أنه يمكن لإيران الحصول على السلاح النووي مع احتفاظها بالاتفاق أو من دونه؛ لأن لديها مهلة لتفتيش منشآتها النووية تمتد لمدة 24 يوما، وهي كافية لإخفاء ما تريد قبل التفتيش».

 

على الجانب الإيراني، الإيرانيون يرون أن الولايات المتحدة تتراجع عن التزاماتها، وهذا ما دفع وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» لمطالبة الولايات المتحدة، باحترام التزاماتها، بعد عام على توقيع الاتفاق النووي، ومصرحًا «سيظل من الصعب تحقيق تقدم طالما يسود التفاخر، الذي ينم عن قصر نظر ويتم تطبيق الاتفاق دون حماسة والاكتفاء بالشعارات».

كما أن مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للشؤون الدولية «علي أكبر ولايتي» أكد أن الأمريكيين لم ينفذوا التزاماتهم، كما كان منتظرًا منهم حول الاتفاق النووي.

وقال «ولايتي»، إن «إيران التزمت بتعهداتها، وهذا ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية المعروفة بانحيازها للغرب فيما أمريكا لم تنفذ التزاماتها في رفع العقوبات، وحرية التجارة، والعلاقات العلمية والتقنية والتجارية والمالية بين إيران والدول الأخرى؛ حيث تقر أمريكا كل يوم قانونًا تحت ذرائع مختلفة؛ ما يعيق تطبيق الاتفاق».

وتقف الولايات المتحدة أمام التقارب الإيراني الأوروبي الاقتصادي؛ إذ أبدي الاتحاد الأوروبي رغبة في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع إيران، وأن يصبح أكبر شريك تجاري لإيران من جديد، في قطاعات عدة، منها النقل والطاقة؛ بهدف تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، تقول عضو الهيئة الرئاسية في غرفة التجارة «بدرام سلطاني» «إن الولايات المتحدة تفرض ضغوطًا على الاتحاد الأوروبي؛ للوقوف بوجه هذا التعاون، فالقلق هو العامل الأول الذي يمنع عددًا من المصارف الأوروبية الكبرى من التعاون مع طهران؛ إذ يتعامل هؤلاء مع إيران بحذر؛ كونها معرضة لفرض عقوبات جديدة بسبب أي ملفات أخرى».

عرض التعليقات
تحميل المزيد