لا تسنح فرصة ظهور لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سواء في مقابلات إعلامية أو مؤتمرات، حتَّى يتعرَّض لإيران برسائل تهديد ووعيد. يُطلق رسائله وتحذيراته، دون الأخذ في الاعتبار القدرات الحقيقية لنظامه، ومدى اتساق هذه التهديدات مع الواقع الذي يفرض شروطه على الجميع، وكان آخر هذه الرسائل حديث ولي العهد عن «النووي السعودي»، إذ قال ابن سلمان «أنه إذا طورت إيران قنبلة نووية، فستفعل المملكة العربية السعودية الشيء نفسه في أسرع وقت»، والذي تزامن مع البدء عن منح عقودٍ لبناء أولى محطاتها النووية نهاية العام الحالي، وذلك بتمويلٍ مشترك من الحكومة السعودية والشركة المنفذة.

يحاول التقرير التالي رسم احتمالات حيازة السعودية قنبلة نووية، وحدود قدرتها على إنتاج المادة الانشطارية المُستخدمة في السلاح النووي، وعما إذا كان التصريح مجرد مناوشة استعراضية أمام إيران، الخصم الأهم لابن سلمان، أم أنّ قدرات السعودية قد تجعلها تنتج ذلك في القريب العاجل.

ليس أول تهديد بـ«النووي السعودي»

في ذروة المفاوضات بين الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية مع إيران في مايو (أيار) 2015، كانت المملكة العربية السعودية، أحد المعارضين الرئيسين لهذه الاتفاقية، تروج لمزاعم عبر الرجل السبعيني تركي الفيصل رئيس الاستخبارات العامة السعودية السابق من خلال جولة له حول العالم، حاملًا معه رسالة للجميع: «أيا ما كان لدى الإيرانيين، فسنحصل عليه أيضًا». وأضاف الفيصل بأنه على الرغم من أن «البنود التفصيلية للصفقة لا تزال مجهولة.. فهي تفتح الباب أمام انتشار الأسلحة النووية، ولا تغلقه، كما كان القصد الأولي منها».

Embed from Getty Images
الملك سلمان مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما

ليس أدلّ على كون هذه التصريحات التي لفَّ بها الرجل المخضرم دول العالم وسيلة ابتزاز للولايات المتحدة الأمريكية، سوى المعلومات التي ذكرتها آنذاك «نيويورك تايمز»، حول «رغبة الرياض من وراء هذه التصريحات في الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لتوقيع معاهدة دفاع رسمية مع الولايات المتحدة تتعهَّد فيها أمريكا بالدفاع عنها، إذا تعرضت لهجومٍ خارجي»، وهو الأمر الذي انكشف أمام الأمريكان في ولاية أوباما، ورفضت الرياض طلب السعودية بعدما تأكدوا من خداع السعودية، فضلًا عن معرفة البيت الأبيض الشاملة بغياب القدرات الفنية للسعودية من أجل إنتاج المواد المخصّبة.

وأخذت أشكال الابتزاز الأمريكي سابقًا عن طريق التلويح بورقة النووي مظاهر أخرى، مثل زيارة قام بها وزير الدفاع آنذاك الأمير سلطان بن عبد العزيز إلى محطَّة التخصيب الباكستانية في كاهوتا خارج إسلام آباد عام 1999، أي بعد عامٍ من إجراء باكستان تجارب نووية باستخدام قنابل تحتوي على يورانيوم عالي التخصيب، كرسالةٍ غير مباشر للدول الغربية وأمريكا بالتصدي للجانب الإيراني.

التلويح السعودي بامتلاك قنبلة نووية تحوَّل لسمةٍ أساسية لكُلّ حقبة حُكم في المملكة؛ فالإشارة المتكررة لهذا الأمر لا يعدو سوى مجرد أداة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بحثًا عن شرعيةٍ جديدةٍ لديهم، والحصول على دعمٍ عسكريٍّ من جانبهم، أو كمحاولة لدفع هذه الدول للحيلولة، دون توسُّع إيران في إنتاج المواد النووية المُشعة.

من جديد يعود ولي العهد السعودي، الذي يدشن حُكمه الجديد، لهذه الأساليب التى ابتدعها أبناء عمومته عبر المقامرة بامتلاك سلاحٍ نووي عبر وسائل الإعلام، ربما كمحاولة لابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من أجل مزيد من الدعم العسكري، والتوسع في اتفاقيات تعاون عسكري.

ودأب عدد من الدول على التلويح بالتهديد بالانتشار النووي لابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية، والحصول على مكاسب مادية وسياسية، كحال كوريا الشمالية في أوائل التسعينات عندما هددت بالانتشار النووي مقابل تنازلات مادية من أمريكا، وهو ما تحقق لكوريا الشمالية لإدراك أن تلويح كوريا الشمالية في محله على خلاف تلويحات السعودية. تحقَّق ذلك أيضًا مع اليابان في أواخر الستينات، حين سعى المسؤولون اليابانيون لمساومة الأمريكين بعودة جزر غرب الأطلنطي التي استولت عليها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، مقابل التقليل من إمكانية إنتاج أسلحة من بنيتهم التحتية النووية.

هل تستطيع السعودية حيازة قنبلة نووية؟

لا يبدو في المدى القريب أو البعيد للمملكة العربية السعودية القدرة الحقيقية على إنتاج المادة الانشطارية التي تستخدم في سلاحٍ نووي؛ فهذه المادة التي تُعد أحد العناصر الحاسمة للأسلحة والطاقة النووية، تتطلَّب استيراد بعض العناصر الحاسمة للطاقة النووية قبل الشروع في عملية التخصيب، فضلًا عن تطوير القدرة على التخصيب في 10 سنوات.

Embed from Getty Images
وليّ العهد السعودي في زيارة خارجية

يقف أكثر من عامل يحول دون قدرة السعودية على حيازة هذه المادة الانشطارية منها، والانتقال بعد ذلك لعملية التخصيب؛ فغياب الكفاءات البشرية السعودية في هذا المجال، والعلماء القادرين على تنفيذ وصناعة المواد النووية الانشطارية، يجعل مثل الشروع في ذلك أمرًا محالًا.

يقف إلى ذلك أن مُساعدة السعوديين على تخصيب وإعادة معالجة اليورانيوم أمرًا لن يكون من السهل تمريره في الكونجرس الأمريكي حال موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذى تعوِّل عليه المملكة كثيرًا؛ لاعتباراتٍ يراها أعضاء الكونجرس أن السماح للسعودية بذلك يُعد نقضًا واضحًا وتحوُّلًا في سياسات الولايات المتحدة التي قاومت خلال عهد الرئيس باراك أوباما مطالب سعودية بالحصول على قدرات في هذا الإطار، في محاولةٍ منها لمنع الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط المتقلبة، جنبًا إلى مطلبها الدائم من معظم الدول بتوقيع اتفاقيات تلتزم فيها بعدم تخصيب، أو إعادة معالجة البلوتونيوم، مقابل الحصول على تكنولوجيا نووية أمريكية، ودورها السابق في تدمير التكنولوجية النووية التي حصلت عليها العراق وليبيا في عامي 1991 و2003 على التوالي.

الإشكالية الثانية تتمثل في عدم وجود مصدر يكون موردًا نوويًا للمواد الانشطارية؛ فمجموعة الموردين النوويين، وهو تجمُّع من الدُّول التي تصنع العناصر الحاسمة للطاقة النووية، لديهم قائمة طويلة من الاشتراطات التي تخضع لمراقبة مُشددة من منظمات دولية، يتعهدون بأنهم لن يبعثوا بها إلى الشرق الأوسط، وهو تعهُّد قاطع يخضع لأكثر من التزام.

تذهب بعض الاحتمالات لكوريا الشمالية وباكستان كمصادر محتملة لتوريد العناصر الحاسمة؛ كونهما دولتين تمتلكان خبرة في تخصيب اليورانيوم. وتزيد الاحتمالات بالنظر لباكستان، خصوصًا في ظل التقارب الأخير بين البلدين على خلفية زيارة وليّ العهد السعودي لباكستان في نهاية عام 2016، مع بداية صعوده لسُلَّم السلطة، كما التقى برئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف، وتبادل البرقيات والاتصالات الهاتفيّة مع قادتها، بينما زار رئيس الأركان الباكستاني قمر جاويد باجوا الرياض في فبراير (شباط) الماضي لمدة ثلاثة أيام، وهي الزيارة الثانية له في غضون شهرين.

بيد أن مسألة التعويل على باكستان يقف أكثر من عامل مُقيدًا لها؛ إذ تتمثل هذه العوامل في الرفض الأمريكي، خصوصًا في ظل التماهي بين السعودية وترامب، وكذلك في الطموح الباكستاني نحو الانضمام إلى مجموعة المزوِّدين النوويين الذين تعهدوا بعدم تصدير تكنولوجيا السلاح النووي الحساسة إلى الشرق الأوسط كقوة نووية مسئولة.

ويُشكِّل العامل الثالث أكثر العوامل تقييدًا لتوريد باكستان العناصر النووية المطلوبة، وهو علاقة باكستان مع إيران؛ إذ سعت باكستان دومًا للميل نحو التوازن في علاقاتها مع السعودية، خصوصًا في ظلّ توسع الاتفاقات التجارية بين باكستان وإيران، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2021، وزيادة واردات باكستان من الطاقة الكهربائية من إيران وتعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وإحياء مشروع مدّ خط أنابيب الغاز بينهما، فضلًا عن بلوغ عدد سكان باكستان الشيعة حوالي خُمس سكان باكستان (30 إلى 40 مليون نسمة)، وهو ما يضعها في المركز الثاني في عدد السكان الشيعة في العالم خارج إيران، فضلًا عن كون باكستان بلدًا مستوردًا لاحتياجاتها من النفط والغاز والطاقة الكهربائية والحديد من إيران.

السعودية تتعاقد على محطات طاقة نووية.. هل يعني هذا أنها ستصنع قنبلة نووية؟

أعلنت السعودية عن منح عقود بناء أول محطاتها النووية نهاية العام الحالي، وذلك بتمويلٍ مشترك من الحكومة السعودية والشركة المنفذة، التى ستختارها المملكة ضمن مناقصة أعلنت عنها هذا الشهر الجاري تشمل شركات من كوريا الجنوبية والصين وفرنسا وروسيا والهند. وتأتي أولى الخطوات لتأسيس أول محطات الطاقة النووية ضمن مشروع لولي العهد السعودي يستهدف الوصول بمعدل الطاقة النووية إلى 17.6 جيجاوات بحلول عام 2032 وهو ما يعادل نحو 17 مفاعلًا نوويًا على الأراضي السعودية.

Embed from Getty Images
صورة لأحد المفاعلات النووية

الاتفاقية لن تجعل من السعودية بلدًا نوويًا قادرًا على تخصيب اليورانيوم، أو صناعة الأسلحة النووية؛ فهي تجعل المالك مُشتريًا للكهرباء من محطة طاقة نووية، سواء كانت (روسية، أو أمريكية، أو صينية) مُنشأة على الأراضي السعودية، تعتمد بشكل كامل على القوى العاملة لديها في تشغيلها، وعلى الوقود القادم من بلد الشركة المنشأة للمحطة، والتي تُشير مُذكرة التفاهم إلى الاعتماد التام على الوقود القادم من هذه البلد، كما هو الحال في مصر.

يعزز فرضية عدم إتاحة هذه الاتفاقية للسعودية تخصيب اليورانيوم ما ذكرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول وصولها طلب من السعودية لإجراء مراجعة للبنية التحتية النووية للمملكة في الربع الثاني من 2018؛ وهو ما سيسمح للوكالة بتقييم الجهود لإعداد البنية التحتية السعودية لبدء توليد الطاقة النووية للأغراض السلمية.

لا يختلف الوضع المستقبلي في السعودية عمَّا جرى في مصر قبل عام؛ حين جرى توقيع العقد النهائي بين السلطات المصرية مع الحكومة الروسية لإنشاء محطة «الضبعة» النووية، بقيمة 29.25 مليار دولار، منها 20 % تمويل محلي، والباقي في صورة قرض روسي يسدد على مدار 35 عامًا.

تأسيس محطة الضبعة النووية سيتم من خلال إنشاء أربعة مفاعلات نووية بقدرة 1200 ميجاوات للمفاعل الواحد، وهو الأمر الذي يسري كذلك في حال محطات الطاقة النووية التي سيتم التعاقد عليها مع إحدى الشركات المتقدمة، والتي يُرجح أن تكون الشركة الروسية المنفذة لمشروع الضبعة النووي.

كُل التفاصيل المذكورة سابقًا تُشير إلى صعوبة استخدام هذه المحطات لإنتاج برنامج نووي مُتكامل، وتصنيع وقود نووي، كنموذج دولة إيران أو باكستان، واكتفائها بتوليد طاقة كهربائية من المحطات النووية، خصوصًا كون العقد المُوقع بين الطرف السعودي والشركة المنفذة سيخضع لمراقبة من هيئة الطاقة الذرية.

يٌذكر أن من بين أوائل الدول العربية التي شرعت في تأسيس محطات طاقة نووية لأغراض سلمية دولة الإمارات؛ إذ أسست محطة براكة للطاقة النووية، الواقعة في المنطقة الغربية بدولة الإمارات، أول محطة طاقة نووية في دولة الإمارات، والتي ستضم لاحقًا أربع محطات أخرى، وكذلك بعض الدول العربية التي تعمل حاليًا على بناء محطات الطاقة النووية؛ إذ سيتم بناء أربع محطات في مصر والسودان، ومحطتين في الأردن.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد