«إن المدينة ليست مجرد بنايات وشوارع وأسوار وبيوت وحَوارٍ وميادين، ولكنها أيضًا روح خلاقة تتبلور في شكل تجليات متعددة منها اللغة والأسطورة والتراث والمقدس والفن والأدب» *د. علي عبد الرؤوف

لدى كل مدينة في العالم قصة ترويها؛ ولهذا فالمدن القديمة هي الأكثر امتلاءً بالحكايات. تلك المدن التي صمدت أمام اختبار الزمن، تعاقبت عليها الحضارات الإنسانية وظلت تحمل في داخلها دومًا علامات الحياة والتفتت والانهيار.

نتذكر هذه المدن بشدة لأن الدكتور علي عبد الروؤوف يخبرنا في كتابه «مدن العرب في رواياتهم»، بأن تداعيات عصر ما بعد العولمة ألغت شخصية المدينة، ولهذا أصبحت المدن في عالمنا العربي، وخاصة دول الخليج، نسخًا من مدن أوروبا والولايات المتحدة، وهنا يكمن الخطأ الأكبر الذي ترتكبه المدينة، أن تتبنى قصة مدينة أخرى فتغدو مسخًا شائهًا. في هذا التقرير سنحكى لكم قصص أقدم مدن في التاريخ؛ والتي ربما تملك النصيب الأكبر من الحكايات.

1. أريحا الفلسطينية وتاريخ يعود إلى العصر الحجري القديم

سكن البشر مدينة أريحا منذ فجر التاريخ، وتحديدًا في العصر الحجري القديم؛ إذ يقول المؤرخون إنها أقدم مدينة في العالم، ولهذا فقد مرت عليها الكثير من الحضارات الإنسانية، ففي العصر الكنعاني عُرفت أريحا باسم «مدينة القمر» نسبة إلى الإله الكنعاني «باريخ»، ثم تغير اسمها إلى «يريح» بمعنى العطر ليصبح اسمها مدينة القمر المعطرة.

فيما بعد، مرت المدينة بالعهد الروماني، وفيه عُمرت أريحا بالآثار؛ إذ شيد الملك هيرودس قصرًا شتويًّا له في وادي القلط ضمن سلسلة قصور بناها في فلسطين، وشيد العديد من القنوات لنقل المياه إلى قصره الشتوي، وبعد مرور السنوات انتشرت الديانة المسيحية في أريحا ولكن أتباعها كانوا يتعرضون للبطش من حكام الرومان وهو الأمر الذي دفعهم إلى الاختباء في كهوف وادي القلط، وهناك شيد الرهبان الكثير من الأديرة مثل دير القديس جورج.

حين جاء الإسلام اشتهرت مدينة أريحا بالزراعة لتتحول في العهد الأموي إلى منارة ثقافية كبرى على يد الخليفة هشام بن عبد الملك، الذي بنى فيها قصره الشهير، ومسجدين، وفسيفساء، وفناء، وخلال فترة الحكم العثماني تدهورت أحوال المدينة لتقع بعد ذلك تحت الانتداب البريطاني بعد سقوط الخلافة العثمانية، ومع حلول النكبة عام 1948 تدفق اللاجئون على أريحا واستقروا في مخيماتها، مثل مخيم عقبة وعين السلطان.

2. جبيل اللبنانية وتاريخ يصل إلى 8 آلاف سنة

عبر تاريخها الطويل الممتد منذ أكثر من 8 آلاف سنة، شكلت مدينة جبيل اللبنانية نقطة تلاقي الحضارات القديمة التي تعاقبت عليها، مثل حضارة الكنعانيين، والآشوريين، والفرس، والرومان، وحضارة اليونان، والعثمانيين، وفي الوقت الذي يرى فيه بعض المؤرخين أن الصيادين هم من بنوا المدينة في الأساس، تقول الأساطير إن بناء المدينة كان على يد الإله آيل كبير الآلهة عند الكنعانيين ولهذا السبب استمد اسمها من اسمه.

وقد ترك الكنعانيون الكثير من آثارهم في المدينة التي تعبر عن نمط حياتهم، وذلك قبل أن يحتل الإسكندر الأكبر المدينة خلال عام 330 قبل الميلاد، لتخسر جبيل شخصيتها الكنعانية وكذلك اسمها، وتتبنى التقاليد الهلنستية ويصبح اسمها الجديد بيبلوس المشتق من كلمة بيبلون اليونانية، والتي تعني «المدينة الأم للكتابة»، وخلال العصر الروماني عُززت المدينة بالكثير من المعابد والآثار، كما بُني وقتها أيضًا المسرح الروماني.

وفيما بعد بقيت مدينة جبيل تحت السيطرة العربية حتى احتلها الصليبيون عام 1104، حيث استقروا هناك وبنوا قلاعهم الحصينة، وحتى يومنا هذا تزخر المدينة بالكثير من الآثار، مثل القلعة البحرية، والسوق القديمة، والكنائس والمساجد، تلك الآثار التي تظل شاهدة على صراع الإنسان لبناء حضارته.

3. حلب السورية.. مدينة منذ الألف الثالث قبل الميلاد!

على غرار البشر تحمل المدن في بذرة تكوينها الأول عناصر شخصيتها؛ وإذا ما أردنا أن نصف شخصية مدينة حلب يمكننا أن نطلق عليها اسم المدينة المقاومة أو المقاتلة، التي تنهار تمامًا ثم تقوم من بين الركام مرة أخرى وتستكمل مسيرتها.

فبعد اندلاع الثورة السورية تعرضت حلب للكثير من القصف بالمتفجرات من قبل قوات الجيش السوري وحلفائه الروس، إلى الدرجة التي وضعت حلب في خانة المدن المنكوبة، فهل يمكن أن تعود للحياة من جديد يومًا ما؟ هذا ما سيخبرنا به تاريخها الطويل.

في الألف الثالث قبل الميلاد كانت حلب تعرف باسم «أرمان»، وفي الكتابات الآشورية كانت تُسمى «خلوان وخلابا»، وخلال القرن السادس عشر قبل الميلاد عُرفت باسم خرب وخلبو وحلبو، ولكن بعد ذلك وحين انقسمت مملكة الإسكندر المقدوني، عُرفت المدينة باسم «بيروا» وبقيت تُعرف بهذا الاسم طوال فترة حكم اليونان والرومان والبيزنطيين، وسميت المدينة باسم حلب عام 1800 قبل الميلاد، حين كانت عاصمة مملكة يمحاض الأمورية.

تاريخ

منذ 3 أسابيع
كبرى مدن الرومان في المغرب.. تاريخ مدينة وليلي منذ ما قبل الميلاد

وقد عاشت مدينة حلب أزهى عصورها أيام المملكة الحمدانية وخاصة في عهد الأمير سيف الدولة، ولكنها تعرضت فيما بعد لحصار خانق عام 974 من الرومان أثناء الصراع البيزنطي السلجوقي، وهو الأمر الذي انتهى باحتلالها وتدميرها وحرقها، وفيما بعد توالى على المدينة حكم الفاطميين المرادسيين والسلاجقة، ثم جاءت الحملات الصليبية التي حاولت اختراق المدينة ولكنها لم تنجح بسبب قلاعها الحصينة.

تمكنت حلب من الخروج للحياة على يد الأمير عماد الدين وابنه نور الدين الزنكي، لكن هذا الأمر لم يطل كثيرًا؛ إذ تعرضت المدينة لزلزال مدمر عام 1138، والذي يعد رابع أقوى زلزال في التاريخ؛ إذ راح ضحيته أكثر من 230 ألف إنسان.

بعد الزلزال حاول الأمير نور الدين إعادة إعمار المدينة، وبعد سنوات دخلت في حكم الدولة الأيوبية عام 1183، وخلال عام 1260 احتل المغول حلب بقيادة هولاكو، الذي ذبح السكان بوحشية، وبعد معركة عين جالوت استُردت حلب من المغول، ولكنهم هاجموها مرة أخرى عام 1271 لينقذها الظاهر بيبرس هذه المرة، ثم يعود إليها المغول مرة ثالثة عام 1280 ليعيثوا هذه المرة فيها فسادًا كبيرًا ويدمروا المساجد والأسواق.

4. الفيوم المصرية.. مدينة إمنمحات الثالث وزوجته

حفر الملك إمنمحات الثالث أحد ملوك العائلة الثانية عشرة بحيرة موريس قبل أكثر من 4 آلاف عام، وكان لهذا الملك زوجة تُدعى سبك نفرورع، ولأن الوثائق التاريخية تؤكد أن الاسم القديم لمدينة الفيوم كان «بي سبك» فيرجح أنها سُميت على اسم زوجة الملك، كما أُطلق على الفيوم أيضًا اسم «بيومع» بمعنى مدينة اليم، واسم الفيوم بالهرمسية فايوم أو بايوم.

وبداخل إقليم الفيوم تقع منطقة ماضي، التي تأسست خلال عهد الدولة الوسطى  2123 ق.م – 1778 ق.م في إطار الاستصلاح الزراعي لإقليم الفيوم؛ فهناك شُيد معبد الإله سوبك الذي بدأه إمنمحات الثالث 1842ق.م- 1794ق.م، وأتمَّه خليفته إمنمحات الرابع 1794ق.م- 1785ق.م، وقد كان هذا المعبد مخصصًا لعبادة الكوبرا والتمساح، كما كان مكرسًا أيضًا لعبادة الإله حورس.

مع مرور السنوات هجر السكان منطقة ماضي والمعبد الفرعوني الذي فقد أهميته حتى غطته الرمال، ولكن المنطقة استعادت أهميتها مرة أخرى خلال العهد البطلمي (قبل الميلاد)، وتحديدًا في عهد بطليموس الثاني وخلفائه، وفي العهد الروماني ظلت المنطقة حية ونابضة بالحياة حتى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي؛ إذ هجرها سكانها مرة أخرى واستقروا في المنطقة الجنوبية من إقليم الفيوم لتعود لعهدها القديم خلال العصر القبطي، فحينها استقر السكان بماضي وشيدوا الكنائس خلال القرن الخامس والسادس والسابع.

5. مدينة بيروت.. 5 آلاف عام من الحضارة

نشأت بيروت في العصر الحجري القديم، وفي الفترة بين عامي 2000 و1200 قبل الميلاد سكنها الكنعانيون، وهي الفترة نفسها التي تبلورت فيها علاقة بيروت بمصر الفرعونية، والتي امتدت طوال ثمانية قرون، بعدها عاشت بيروت عصرها الذهبي في العهد الفينيقي، ولأن بيروت كانت دومًا مطمعًا للغزاة؛ فقد احتلها الآشوريون والفرس، كما دخلها الإسكندر المقدوني لتدخل تحت حكم اليونان في الفترة من 333- 64 قبل الميلاد.

تاريخ

منذ شهرين
مركز الأسطول الإسلامي وجمهورية التجار.. 4 محطات من عصور بيروت الذهبية

وبعد سبعة قرون من الحكم الروماني لمدينة بيروت بدأ الفتح الإسلامي، ودخلت بيروت تحت الحكم الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب، وبعد مرور الكثير من السنوات وقعت المدينة تحت الاحتلال الصليبي؛ إذ أقيمت فيها بارونية صليبية استمر حكمها حوالي 171 سنة حتى حُررت على يد صلاح الدين الأيوبي.

وخلال تاريخها الطويل تعرضت بيروت للكثير من الكوارث والنكبات؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر حصد وباء الطاعون القادم من أوروبا الكثير من أرواح الناس، وخلال الحرب العالمية الأولى تعرضت المدينة لمجاعة كبرى، كما دمرت حرب السنتين 1975- 1976 المنطقة التي تقوم عليها مدينة بيروت بالكامل، وأتت على أسواقها وبيوتها وجميع مظاهر الحياة فيها.

المصادر

تحميل المزيد