طالت ويلات الحرب السورية المفتوحة كافة مناحي الحياة داخل المدن السورية، وتركت أضرارًا في الاقتصاد، والموارد الغذائية، وفرص التوظيف. الناجي الوحيد من ويلات الحرب، العام الجاري، كانت الدراما السورية، إذ بلغت مشاريع الدراما السورية للموسم الرمضاني الجديد 30 مسلسلًا مختلفًا، وهو أعلى معدل إنتاجي في البلاد منذ 2011، والتوسع في إذاعتها تليفزيونيًّا وإذاعيًّا على شاشات وإذاعات القنوات السورية.

الحرب حاضرة في المسلسلات السورية: «بروباجندا» احترافية للنظام السوري

تركت الحرب السورية بصمات واضحة على نوعية المسلسلات المُذاعة عبر شاشات القنوات السورية الحكومية، خلال شهر رمضان. المسلسلات التي تُحاكي الحرب السورية، من وجهة نظر النظام، تنوعت سيناريوهاتها بين تلك التي تحاكي عذابات التنظيمات المُسلحة التي استوطنت بعض المدن السورية، وتُبرز جرائم هذه الجماعات التكفيرية من وجهة نظر صنّاعها، وتربط بين أفعالها التي قامت بها، وأخرى تُبرز معاناة آلاف السوريين المُهجّرين إلى الخارج، باعتبارهم لاجئين يبحثون عن وطنٍ بديل.

الملمح الرئيسي للمسلسلات الرمضانية السورية، هو النأي بأحداثها من البروباجندا المُباشرة لنظام بشار الأسد، مقارنة بالمسلسلات التي أنتجتها الأعوام الماضية، والتي لم تحقق نجاحًا، وفشلت فشلًا مدويًا، فقد اكتفت المسلسلات السورية لرمضان الجاري ببعض الحوارات داخل المسلسلات التي تدافع فيها عن وجهة نظر النظام بشكل غير مُباشر، وبوسائل احترافية، في محاولة لنزع التهمة التي لاصقتهم بدعم بشار الأسد في المسلسلات.

«شوق» هو أحد المسلسلات، التي تحاكي الأوضاع السورية، ويُذاع على شاشات التليفزيون السوري، خلال شهر رمضان، والذي جرى تصويره داخل سوريا في مناطق سيطرة النظام، وبممثلين وفريق عمل يميل معظمه لتأييد النظام السوري.

يقدم المسلسل عددًا من حكايات السوريات المخطوفات في تجارة الرقيق والجنس التي أعادتها التنظيمات الجهادية مثل «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، وتُنوع حلقات المسلسل حالات متعددة من النماذج التي تأثرت بالحرب، والتي دفعتها ويلات الحرب لخيارات اضطرارية.

ويسعى المسلسل عبر حلقاته لترسيخ صورة للمواطن السوري سواء كان مؤيدًا أو معارضًا، لتوحيد جهود السوريين ضد العدو المُشترك لهم، وهو التنظيمات الجهادية. أحد المشاهد التي تسعى لترسيخ هذه الصورة، يجمع بين الناشطة المعارضة روز مع جموع من النسوة المواليات للنظام في سجن داعشي واحد، وحوار جانبي بينهن جميعًا للتوحد ضد عدوهم الذي عصف ببلادهم.

النسبة الأكبر من المسلسلات الرمضانية السورية تدور أحداثها في فلك الرومانسية الحزينة وقصص الحب الفاشلة، والبيئة الشامية، ومقاربة الأوضاع حول العالم في فنتازيا سياسية، بينما غابت المسلسلات التاريخية لصعوبات تتعلق بأماكن التصوير، والكلفة الإنتاجية المرتفعة.

القنوات الخليجية تُحاصر الدراما السورية: الدوافع سياسية

طالت الحرب السورية المسلسلات من باب خنق تسويقها على الشاشات الخليجية، التي اعتادت طيلة عشرات السنوات الماضية، التسابق على شراء هذه المسلسلات من شركات الإنتاج السورية، وعرضها على شاشاتها في مواعيد مُميزة طيلة شهر رمضان، بسبب الصيت الواسع الذي تتمتع به المسلسلات السورية عند المشاهد العربي، واعتيادها على حصد نسب المُشاهدة الأعلى.

الدوافع السياسية كانت المُحرك الأساسي للدول الخليج الخليجية في الامتناع عن شراء الأعمال السورية، كون هذه الأعمال صورت في مناطق تخضع لسيطرة النظام، ومولتها شركات إنتاج سورية تربطها صلات برجال السلطة، حتى وإن ابتعد مضمون هذه المسلسلات عن الواقع السوري.

فقنوات مثل: «mbc» و«روتانا» و«دبي» و«أبوظبي»، التي كانت الشاشات الحصرية للمسلسلات السورية، لم تشترِ مسلسلات تشارك فيها أسماء محددة، بسبب مواقفها السياسية مثل دريد لحام، إلى جانب مقاطعة الشركات التي صورت أعمالها في دمشق.

حسب الناقدة الصحافية السورية سونيا سفر، فهناك أسباب عديدة تقف وراء مقطاعة القنوات والفضائيات العربية لشراء مسلسلات جديدة، أو الاشتراك في إنتاجها بسبب موقف هذه الوسائل الإعلامية الرافض من النظام السوري، أو بسبب موقف المعلنين الذين يساهمون بإعلاناتهم بشكل رئيسي في تمويل بث المسلسلات.

وتضيف في تصريحات لموقع «القصة سورية» أن العديد من مالكي شركات الإنتاج السورية الناشطة في مجال الدراما، رجال أعمال موالون للسلطة، ويخضعون الآن لقوانين عقوبات دولية صارمة. عامل آخر هو تردي الوضع الاقتصادي في سوريا، وذلك لا يشجع رأس المال على القيام باستثمارات كانت في الماضي القريب تبشر بأرباح كبيرة.

شاشة «دبي» التي دأبت على عرض المسلسلات السورية طيلة العام، رفعت شعار «الخليج أولًا» مع بداية نشوب الحرب السورية، مبررة مقاطعتها بكونه «التزامًا تجاه المشاهد الوفي الذي يستحق أن يشاهد أفضل الإنتاجات العربية والخليجية والمحلية والعالمية».

دعم مالي من «الأسد» لشركات الإنتاج.. ونوافذ «حزب الله» شاشات بديلة للعرض

حصار القنوات الخليجية للدراما السورية لا يحدث الآن للمرة الأولى خلال سنوات الحرب؛ إذ عزفت الشاشات الخليجية عن شراء المسلسلات السورية في 2007، على خلفية توتر سياسي مع السلطة السورية، فصدر قرار رئاسي بشراء التلفزيون الرسمي حقوق عرض كل الأعمال.

وتكبدت شركات الإنتاج السورية خسائر كُبرى من جراء هذه الصعوبات التسويقية، بينما سعت السلطات السورية لتقديم دعم مالي تعويضًا عن هذه الخسائر، وإطلاق توجيهات لشراء جميع الأعمال الدرامية التي تصوّر داخل البلد، ومواصلة العمل على الإنتاج السوري التلفزيوني، فيما انسحبت بعض شركات الإنتاج الدرامي في سوريا لأسباب اقتصادية، أو سياسية، مثل: شركة عاج، وسامة، وريل فيلم، وصورة، وبانة.

وشكلت القنوات اللبنانية والسورية الحكومية الشاشات البديلة لعرض المسلسلات السورية طيلة شهر رمضان؛ إذ اتجهت شركات الإنتاج السورية لبيع إنتاجها التليفزيوني لحساب المحطات المحلية، والقناة اللبنانية (lbci)، وتليفزيون المنار الذي يتبع حزب الله.

وغادر نجوم الصف الأول سوريا، على خلفية هذه الأزمة التسويقية لمسلسلاتهم، إذ توزعوا بين عدة دول تأتي في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة دبي، التي احتضنت الممثليين المناهضين لنظام الأسد، ثم مصر ولبنان، وبعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا والسويد.

وانخفضت أجور ممثلي سوريا في ضوء التراجع الحاد لليرة السورية أمام الدولار؛ بسبب فقدان الليرة السورية الكثير من قيمتها، وتمسك شركات الإنتاج بدفع أجور ممثليها بالعملة المحلية.

يُدلل على ذلك بالأرقام؛ فالممثل من الصف الأول الذي يتقاضى مبلغ مليوني ليرة سورية عن دوره، أي ما يعادل 13 ألف دولار، كان يتقاضى نفس هذا المبلغ السوري سابقًا، ولكن بما يعادل 40 ألف دولار، إذ إن سعر صرف الدولار كان سابقًا في سوريا يقدر بحوالي 50 ليرة سورية، فيما يتجاوز الآن عتبة 170 ليرة سورية.

المصادر

تحميل المزيد