1,665

نجحت إثيوبيا التي كانت دولة فقيرة لعقود طويلة، في بسط نفوذها بالمنطقة، بعد ارتفاع معدلات النمو، وتعاظم مشاريع التنمية الاقتصادية، التي جعلت اقتصادها الأكثر نموًا في العبين عامي 2007 و2012.

الوجه الأخر لهذه النهضة الاقتصادية للدولة الإفريقية، ما يتعلق بالقمع السياسي لمعارضي الحزب الحاكم، واستخدام المنح الخارجية، في تمويل برامج حُكومية لتكريس نفوذ السلطات وسطوتها.

التهجير القسري للسكان الأصليين

أمام خطط التنمية، والخرائط الحكومية التي تهدف للتوسع في مشاريع مزارع قصب السكر، هجرت الحكومة الأثيوبية مجتمعات السكان الأصليين، في وادي أومو السفلي بإثيوبيا، تحت قوة السلاح والاعتقالات التعسفية لكُل مُحتج على قرار التهجير.

التهجير القسري للسكان الأصليين، تزامن مع حملة اعتقالات تعسفية وعمليات احتجاز وضرب أي مواطن دفعه تمسكه بموطنه الأصلي، إلى التساؤل عن طبيعة هذه الخطط التنموية، التي تضطر الحكومة فيها لتهجير السكان الأصليين في أكثر من منطقة.

شملت كذلك السياسات القمعية للحكومة الإثيوبية، تجاه سكان هذا الوادي، المقدرين بـ200 ألف نسمة، إرسال وحدات عسكرية بانتظام، قبل عملية الترحيل، لترهيبهم بأساليب متنوعة، كسرقة الماشية المملوكة لهم، أو قتلها، والقضاء على المحاصيل الزراعية التي ينتفعون من ورائها ماديًا، وإرهاب أطفالهم الصغار تحت قوة السلاح.

خطط التنمية الحكومية الإثيوبية التوسعية في وادي أومو السفلي بإثيوبيا، انتهت بتهجير 200 ألف نسمة على الأقل في وادي أومو و300 ألفًا آخرين من الكينيين الذين يعيشون على الجانب الآخر من الحدود حول بحيرة توركانا، التي تأخذ 90% من مياهها من نهر أومو.


«إن الحكومة أخلت أراضي الكويجو والبودي من الزراعات. أخلوا الكثير ونزعوا الذرة. الذرة قاربت على النضج، جاءت شاحنة وهرست المحصول. أراضي الكويجو نُزعت منها المزروعات، وهناك بعض الكويجو الآن بلا أي شيء. بعد تحطيم المحصول فماذا يأكلون؟ ماذا يعطون لأطفالهم من طعام؟»، كانت هذه رواية أحد المتضررين من سياسات التهجير القسري، في مقابلة مع المنظمة الحقوقية الدولية «هيومان رايتس ووتس».

يُذكر أن سياسات التهجير القسري التي تقوم بها الحكومة الإثيوبية، تُخالف المواد التي يتضمنها الدستور الإثيوبي، والذي يمنح هؤلاء السكان حقوق ملكية لهذه الأراضي التي يشغلونها منذ فترات طويلة، ويضمن لهم اعتراف الدولة لهم، وعدم تهجيرهم إلا من واقع موافقتهم الحرة والمسبقة والمستنيرة لحقوقهم التي يكفلها لهم الدستور الإثيوبي والمواثيق العالمية التي وقعت عليها إثيوبيا.

وواجهت السلطات الإثيوبية تظاهرة احتجاجية للمعارضة السياسية، والسكان الأصليين لمنطقة أوروميا، إحدى المناطق التي تعرض سكانها للتهجير القسري، لعملية عنف ممنهج، أسفرت عن سقوط أكثر من 400 قتيل.

الكُل سواء في القمع

يُشكل المسلمون في إثيوبيا، إحدى التجمعات المُعارضة للسلطات الحاكمة، على خلفية حملات الاعتقالات التعسفية، التي يتعرض لها الشخصيات البارزة من هذا المجتمع، بسبب مطالباتهم بحقوقهم كاملة.

وتُظهر الإحصائيات الرسمية، أن المسلمين في إثيوبيا يُشكلون نحو 30% من تعداد إثيوبيا، إذ يعتبر الإسلام ثاني أكبر ديانة في إثيوبيا المسيحية تاريخيًا.

وتنوعت مظاهر القمع تجاه المجتمع الإسلامي الإثيوبي، والتي شملت تدخلات حكومية مُخالفة للدستور، لتقويض تركيبة المجلس الأعلى لشؤون المسلمين عن طريق فرض أعضاء على المجلس، وفرض تعاليم طائفة إسلامية تُدعى بالأحباش، والسعي للسيطرة على شؤون وإدارة مسجد الأولياء.

وامتد قمع السلطات الإثيوبية، إلى استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع داخل المساجد، التي يتجمع فيها المسلمين قبل تنظيم أي تظاهرة احتجاجية ضد ما يعتبرونه تهميشًا لهم، وانتهاكًا لحقوقهم، بالإضافة إلى تفتيش بيوت العديد من القيادات المسلمة، والنشطاء والصحافيين المسلمين.

وتعتقل أغلب القيادات الإسلامية داخل إثيوبيا، دون تهم واضحة، فقط بناءً على قانون مكافحة الإرهاب الذي تصفه المعارضة بـ«الفضفاض». ويقبع أغلبهم في سجن مكلاوي، بأديس أبابا، وهو سجن سيء السمعة، بسبب الانتهاكات الواقعة داخله.


تصفية المعارضة السياسية للحكومة الإثيوبية، لا تقع فقط على المسلمين، أو الحركات الإسلامية الإثيوبية، بل إنها تمتد لكافة أشكال المعارضة وتوجهاتها، بما فيها أعضاء حزب سماياوي (الزرق)، إذ ألقت القبض على عشرات من المنتمين للحزب، بتهم يصفها الحزب بـ«الهزلية»، من بينها المشاركة في أغانٍ مناهضة للحكومة أثناء التظاهرات الاحتجاجية.

هذا، وتتجاهل الشرطة الإثيوبية، الأحكام الصادرة بحق هؤلاء المحتجزين، بالإفراج عنهم. كما أنها تُرغم المعتقلين على حضور جلسات التحقيق بالملابس الداخلية!

المساعدات الأجنبية تتحول لقمع المعارضيين

تحتل إثيوبيا مرتبة متقدمة ضمن قائمة الدول الأكثر حصولًا على المنح، من الدول الأجنبية، والمنظمات الدولية. وتتصدر كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، الجهات المانحة.

الوجه الذي سعت الحكومة الإثيوبية لتصديره إلى الخارج، هو استخدامها لهذه المنح والمساعدات، في مشاريع اقتصادية تنموية، فيما أن الوجه الخفي، هو استخدام السلطات الإثيوبية، لهذه المنح، في تعزيز هيمنة حزب الشعب جبهة الشعب الثورية الديمقراطية الحاكم.

يروي أحد المزارعين من جنوب إثيوبيا، ممن تعرضوا للحرمان من أحد البرامج القائمة على المنح الأجنبية، شهادته لمنظمة هيومان رايتس ووتش، فيقول، إنّ «هناك قروض متناهية الصغر، يمكن للجميع أخذها، لكنها صعبة جدًا علينا نحن أعضاء المعارضة. يقولون لنا: هذه ليست من حكومتك، بل من الحكومة التي تكرهها. لماذا تتوقع شيئًا من حكومة تكرهها؟».

إضافة إلى ذلك، تمنع الحكومة الإثيوبية وصول المنح المخصصة للمجتمع المدني، فضلًا عن بعض سكان المناطق الريفية، الذي يميلون لمعارضة السلطات الإثيوبية، بسبب عمليات التهجير القسري التي طالت ذويهم.

كما تستخدم الحكومة هذه المنح الخارجية، في تهيئة الأطفال وزرع أيديولوجية الحزب في عقولهم، وكذا في ترهيب المعلمين. هذا ويُجبر كل من المعلمين والموظفين، وطلاب الثانوية، على حضور مؤتمرات الحزب، وندواته ومحاضراته، ضمن برنامج «بناء القدرات»، الممول أساسًا من قبل المنح الخارجية.

«شرطة ليو».. آلة القمع الإثيوبية

وهي قوات شبه عسكرية، مدعومة من الحكومة الإثيوبية، تشكلت في عام 2007، بمنحها صلاحيات مفتوحة لقمع أي تظاهرة احتجاجية، بجانب اضطلاعها بمسؤولية تنفيذ الإعدامات للمعارضيين للحزب الحاكم، والتي تجري في كثير من الاحوال دون محاكمات.

وشملت انتهاكات هذه القوة العسكرية المدعومة من السلطات الإثيوبية، تفتيش البيوت، ونهب المنازل والمتاجر، بجانب استخدامها في عملية إجبار المواطنين علي النزوح الجماعي من أراضيهم الأصلية.

وتمارس السلطات الإثيوبية سياسة التغطية على جرائم هذه القوات، عبر فرض قيود مشددة، أو السيطرة على وصول الصحافيين لأماكن التغطية، وكذلك منظمات الإغاثة وجماعات حقوق الإنسان، وغيرهم من المراقبين المستقلين.

تعليقات الفيسبوك