33,205

«الجمال يستدعي نوعًا معينًا من الفضول، أعلم ذلك، ولكني أعلم أيضًا أنه كما قال عنه أوسكار وايلد: الجمال مدته خمس دقائق فقط. ولذلك إن لم يكن لديك شيء آخر سوى الجمال تقدمه؛ فلن تستطيع الحفاظ على هذا الفضول إلى الأبد. لا أعتقد أنني قمت بصنع مهنة كاملة؛ فقط لأنني جميلة، ولكني أؤمن أن المخرجين عندما يقومون بالاتصال بي لأجل دور ما، فهذا من أجل الموهبة».

هكذا بدأت مونيكا بيلوتشي حديثها عن الجمال ورؤيتها له، فبدايتها كعارضة أزياء، منتمية لعالم الموضة سببت لها دائمًا تحديًا ما، فهناك نظرة معممة لعارضات الأزياء تتهمهم بالجمال والغباء في نفس الوقت، وهو ما حاولت طوال عمرها الهروب منه، وعندما أرادت أن تصبح ممثلة لم تكن تريد تلك الأدوار السهلة التي بإمكان الجميع القيام بها، بل أرادت شيئًا تتحدى به نفسها، ونظرة المحيطين لها، تتحدى فيها كونها امرأة جميلة، ومن هنا جاء اختيارها لتلك النوعية من الأداءات التي تتطلب نوعًا معينًا من الجرأة، ليس بإمكان الجميع أن يقدمها.

بدايتها كعارضة أزياء كانت مجرد مرحلة ضرورية في حياتها، توفر من خلالها النقود اللازمة لاستكمال دراستها في مدرسة الحقوق، ولكنها سرعان ما أصبحت واحدة من أشهر عارضات الأزياء، تشارك في العروض المهمة كـ« Dolce and Gabbana»، وتتصدر صورتها المجلات الشهيرة كمجلة هي «Elle» الفرنسية، فيقول زوجها السابق «vincent cassel» عن ذلك: «لقد كانت مونيكا محط أنظار العالم منذ أن كانت في السادسة عشر من عمرها، وإن كان هناك شيء علمتني إياه، فهو ألا آخذ نفسي على محمل الجد، خاصة أمام كاميرات الإعلام».

البداية الحقيقية لبلوتشي: فيلم الشقة «L’appartement»

عندما طرقت مونيكا بيلوتشي باب السينما كان ذلك من خلال أدوار صغيرة تليفزيونية في بلدها الأم «إيطاليا»، وكانت خطوتها الأولى للشاشة الفضية هي من خلال دور صغير كزوجة لأحد مصاصي الدماء في الفيلم الأمريكي Bram Stoker’s Dracula عام 1992، ولكن بدايتها الحقيقية كانت من خلال الفيلم الفرنسي المستقل «الشقة» أو L’appartement عام 1996 والذي رشحت من أجله كأفضل ممثلة في مهرجان سيزار بفرنسا، ويحكي الفيلم عن ماكس «فنسنت كاسل»، العائد إلى بلده فرنسا بعد رحلة عمل من نيويورك استغرقت سنتين، والذي يرى شبح حبيبته السابقة «ليزا» التي تجسدها مونيكا بيلوتشي في إحدى الأماكن بباريس؛ فيصبح مجنونًا بمطاردتها في الشوارع، ويتتبعها عدة مرات حتى يعرف مكان سكنها – الشقة – ليكتشف في النهاية أنه يتتبع الفتاة الخاطئة.

وفي هذا الفيلم قامت مونيكا بيلوتشي بأداء دور الفتاة الجميلة، ولكن ببراءة بالغة بحسب العديد من النقاد، لا تشبه أبدًا جرأتها في أدوارها التالية، والتي احترفت فيها دور المرأة الغاوية للرجال ذات الجمال القاتل، والتي عرفناها جميعًا منها، فهذا الفيلم الذي يحمل بدايتها الفنية، لم تكن فيه المرأة المشتهاة، بقدر ما كانت الحبيبة الضائعة، والتي يحاول حبيبها بكل جهده أن يستعيدها، ليس لأنها جميلة، ولكن لأنه أحبها بصدق.

لم يكن الفيلم فقط شرارة شعلة نجومية مونيكا، والتي اقتحمت من خلاله عالم السينما لتتصدر بعدها شاشات العرض كنجمة أولى يتابعها الجميع من كل أنحاء العالم، ولكنه قد غير حياتها الشخصية أيضًا وإلى الأبد، فقد قابلت من خلاله زوجها الثاني «فنسنت كاسل» وكان هذا الفيلم هو بداية لقصة حب وزواج استمرت منذ 1996 وحتى عام 2013، فيقول عن ذلك فنسنت كاسل: «مونيكا هي أول حب حقيقي أواجهه، لقد تقابلنا أثناء تصوير فيلم الشقة، وكنت قد اتخذت قرارًا قبلها ألا أواعد زميلة عمل حتى لا يكون الأمر كارثيًا، كما اعتقدت أن المخرج قد اختارها فقط لأنها عارضة أزياء، لكن ما حدث هو أنني انجذبت إليها، ووجدتني أتودد لها».
وعن هذا تقول مونيكا في حوار آخر معها لـ Dailymail: «أعتقد أننا لا نختار الأشخاص الذين ننجذب إليهم، وكأنهم موجودون في الحياة، وما علينا فقط سوى أن نعثر عليهم، على الأقل هذا ما حدث معنا».

مريم المجدلية: الوجه الآخر لمونيكا بيلوتشي

«أعتقد أنني كنت مريم المجدلية في حياة أخرى»، هكذا تحدثت مونيكا بيلوتشي عن المرحلة الأكثر ثراءًا في تاريخها الفني، تلك التي قدمت فيها أدوارًا مغوية، وكأن مريم المجدلية هي قرينتها في الناحية الأخرى من الكون، فبدأتها بفيلم «مالينا» والذي قالت عنه: «إذا فكرت في الأمر ستجد أن مالينا ما هي إلا إختصار لمريم المجدلية في اللغة الصقلية».
فالمجدلية كانت أكثر الشخصيات جدلًا في تاريخ المسيحية، صورها البعض على أنها هي المرأة الخاطئة والتي قال عنها المسيح: «من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر»، وهي إغواء المسيح الأخير في القصص السينمائية، والذي قاومه.
قال البعض: إنه كان يحبها، وآخرون: إنه تزوجها، وبعضهم قالوا: إنها المرأة التي خلص منها الرب سبعة شياطين، فأصبحت من بعدها أحد أتباع المسيح الذين لا يفارقونه، ولكن ما اتفقت عليه الأناجيل الأربعة هي أنها كانت هناك في أهم حدثين في حياة المسيح، فكانت حاضرة أثناء صلبه، والوحيدة الشاهدة على قيامته.

ربما وبسبب هذا الجدل، سببت شخصية المجدلية هوسًا لمونيكا بيلوتشي، فرأت في مالينا، مريم المجدلية الخاطئة، وقدمتها بطريقة تجعلك تتعاطف مع مأساة تلك المرأة التي اضطرتها الظروف للخطيئة؛ فعملت كعاهرة لضباط الجيش الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، فتقول مونيكا بيلوتشي في إحدى الحوارات معها: «كامرأة، لطالما كانت شخصية العاهرة مثيرة للجدل بالنسبة لي، بسبب هذا المفهوم الشائع عن أنهم يعرفون الرجال أكثر منا»، لكن بالنسبة إليها فهي لم تر مالينا تقديمًا لشخصية عاهرة، بل رأتها إنتاجًا خاصًا لتلك الحقبة الزمنية التي عاشت فيها المرأة بلا هوية محددة بعيدًا عن الرجل، فتقول عنها: «لقد حاربت طوال حياتي حتى لا أصبح تلك الشخصية التي لا ترى نفسها سوى من خلال عين الرجل الذي معها، حاربتُ لأحصل على حريتي».

هذا هو المفهوم الواسع والعميق لديها لما قدمته والبعيد تمامًا عن جمالها الشكلي، فيقول عنها تورناتوري مخرج الفيلم: «خلف جمال مونيكا يكمن عالم كامل تحاول جاهدًا للوصول إليه، فهي بخلاف كل السيدات الجميلات لا تظن أن جمالها كل شئ، بل تعمل جاهدة لإثقال موهبتها، فهي تعطي روحها كاملة للعمل، دون أية حدود، ففي إحدى المشاهد الصادمة بالفيلم والذي تتعرض فيه البطلة للضرب من سيدات المدينة التي تقطنها واللاتي تحركهن الغيرة، قد صممت مونيكا على عمل هذا المشهد بنفسها، دون استخدام «دوبلير»، فإن كان هذا المشهد قد خرج بطريقة مؤثرة، فهذا فقط لأنه كان حقيقيًا».
ولكنها – وعلى الرغم من كل هذا الجهد المبذول – لم يرها أغلب الجمهور سوى مالينا: جسدٌ جميل متحرك، محوليها إلى أيقونة جمال مغري، ترصدها أعين الرجال أينما ذهبت، أما هي – فعلى الرغم من اعتزازها بجمالها وأنوثتها – فقد حررت نفسها بتحديات تقتنص فقط الأدوار الصعبة، بأداءات استثنائية.
كان أداءها الثاني، والذي اعتبرته من أصعب الأدوار التي قدمتها، هو في فيلم Irreversible أو «لا رجعة فيه»، والذي عرض بعد فيلم مالينا بعامين، وهو أحد أشهر أفلام المخرج الفرنسي الأرجنتيني جاسبر نوى «Gasber Noe»، والذي قدمت فيه دور إمرأة تتعرض للاغتصاب في إحدى الأنفاق، فيسعى زوجها للوصول للمغتصب وقتله، والذي شاركها بطولته زوجها في ذلك الحين فنسنت كاسل، وقد احتوى الفيلم على مشهد للاغتصاب مدته تسع دقائق تُعرض على الشاشة، قال عن ذلك مخرجه: «إن أردت أن تصور فيلمًا عن الاغتصاب، يجب أن يكون حقيقيًا قدر الإمكان، يجب أن تصور بشاعته، وإلا فما الغرض من الفيلم؟! »

وتقول مونيكا عن هذا المشهد: إنها لم تستطع – لا هي ولا زوجها – مشاهدته على شاشة السينما، فقد أدارت بوجهها بعيدًا حينما كانت تشاهد العرض الأول للفيلم، في حين رأت فنسنت يبكي أثناء مشاهدة المشهد.
وعلى الرغم من أن الفيلم يعتبر من أهم الأفلام الفرنسية التي صُنعت في الآونة الأخيرة لواحد من أكثر المخرجين إثارة للجدل في المهرجانات العالمية، إلا أن مشهد الاغتصاب الذي علق في أذهان الناس، استكمل رؤيتهم لمونيكا على أنها المرأة المُغوية، المُشتهاة.
واستكملت مونيكا مرحلة مريم المجدلية في حياتها، والتي لم تنته بانتهاء فيلم مالينا، بل بدأت معه، وظلت تطاردها في أغلب أعمالها، كهوسٍ خاص، حتى أنها قد سعت بنفسها للقيام بدور المجدلية في فيلم «آلام المسيح»، والذي قام بإخراجه الممثل والمخرج ميل جيبسون.
تقول عن ذلك مونيكا: «كنت قد انتهيت للتو من عمل فيلم «لا رجعة فيه 2002» حين أتى إلى مسامعي أن ميل جيبسون يقوم بالتحضير لفيلم عن المسيح، وكان أول سؤال تطرق إلى ذهني هو من سيقوم بدور مريم المجدلية؟ كان جيبسون لم ينته من اختيار الممثلين، بعد حين اتصلت بوكيل أعمالي، وطلبت منه أن يقوم بالتحضير للقاء يجمع بيني وبينه، وفي هذا اللقاء تم اختياري لعمل الدور».

مينا الإيرانية: مرحلة النضج الفني

«إن كان الآخر سيجعل دمائي ملوثة، فيدي لن تُفلت وريدي»- موسم وحيد القرن

تأتي أبيات الشعر هذه كوشم، قد قامت برسمه – مينا – الشخصية الرئيسة في فيلم موسم وحيد القرن، والتي قدمتها مونيكا بيلوتشي.

إنه الدور الذي انتقل ب مونيكا إلى مرحلة جديدة، تجسد من خلالها الشابة المُغوية، زوجة الشاعر الإيراني ما قبل الثورة الإيرانية في السبعينات من القرن الماضي كما اعتدناها، ولكن جنبًا إلى جنب مع السيدة العجوز «الأم» والتي تقوم بدق الوشوم على الأجساد بأبيات شعر زوجها، لتتحمل عبء المعيشة لعائلة بأكملها بعد اضطرارهم للهجرة من إيران لتركيا. فيلم «فصل وحيد القرن» للمخرج الإيراني «باهمان غوبادي» كان واحدًا من أكثر الأفلام شاعرية، فالشعر فيه يتخذ جزءًا كبيرًا ليس فقط من الحوار، وإنما من الصورة أيضًا. ربما يكون هو الفيلم الذي خلص مونيكا بيلوتشي من متلازمة المجدلية، حتى وإن جسدت في الجزء الأول منه دور المرأة الجميلة.

طوال شريط الصوت نستمع لمونيكا بيلوتشي – مينا – تلقي قصائد الفيلم بالفارسية، بصوتٍ حميمي منمق، متماشيًا مع الصور الشاعرية، والتي صنعها باهمان غوبادي، لتجسد قصة الحب المأساوية إبان الثورة الإيرانية، والتي حولت حياتهم لجحيم، فقد سجن زوجها مدى الحياة، كما سجنت هي لعشر سنوات، وعندما خرجت من السجن أخبروها بموت زوجها، على الرغم من أنه حي يرزق، فنرى الفيلم وكأنه رحلة عشق استمرت لسنوات، حبيب، وزوج وشاعر يخرج من السجن يبحث عن حياته القديمة فلا يجدها.

نرى من خلال الفيلم مونيكا بعينٍ جديدة، عين تستطيع أن تميز تلك الفنانة التي كانت على استعداد لتمويل الفيلم حتى وإن كان الدور سيذهب لممثلة إيرانية، فيقول غوبادي عن ذلك: «لقد تواصلت بالفعل مع إحدى الممثلات الإيرانيات، والتي رفضت الحضور لتصوير الفيلم خوفًا من الحكومة الإيرانية، فأفلامي مثلي، ممنوعة من دخول البلاد، وبيلوتشي تشبه النساء الإيرانيات كثيرًا، كما أنها شخصية رائعة على المستوى الإنساني».

وعن هذا تقول مونيكا: إنها لم تعتقد يومًا أنها ستعمل مع مخرج إيراني وستتحدث الفارسية، وتستكمل حديثها عن الفيلم قائلة: «فالمرأة في هذا الفيلم هي امرأة فقدت كل شيء، وعندما يسألني المحيطين عن كيف بإمكاني أن أتفهم شخصية بعيدة كل البعد عني كهذه، أقول لهم: إنني أتيت من بلادٍ كان الرجل بإمكانه أن يقتل زوجته، دون أن يذهب إلى السجن حتى 60 عامًا مضت، ومن ثقافة تعتقد أن العذرية هي أمر حتمي للزواج، ولذلك فإني أتفهم جيدًا مأساة مينا».

الفيلم تم عمله عن قصة حقيقية لشاعر إيراني قضى ثلاثين عامًا من عمره في السجن من أجل كتابته للشعر، وقد قامت مونيكا بيلوتشي بتعلم الفارسية، بل بعمل بحث كامل عن الثقافة الإيرانية لتناسب هذا الدور، قائلة: «إنه إختياري أن أكون ممثلة؛ لأنه وفقط من خلال التمثيل أستطيع التواصل مع شخصيات وثقافات بعيدة كل البعد عني».