شكلت مهام «حركة طالبان» الأفغانية، على مدار السنوات السابقة، خصوصية كُبرى واستثناءًا في أدوار قادتها بين الحركات المُسلحة؛ فهم تارة يقاتلون بالأسلحة داخل أوكار الهجوم في المناطق الصحراوية، ويُنفذون أعمالًا وهجمات مسلحة؛ قبل أن تتبدل هيئاتهم ويرتدوا زيّ الدبلوماسي، الذي يُفاوض بالوسائل السلمية في بهو الفنادق الفخمة بالعواصم العربية والغربية، ويتنقلون في هيئات سرية، ويكتشفون عوالم جديدة على خلاف حياتهم في المناطق الجبلية.
يستعرض التقرير التالي صورة كاملة لهذه المهام المُتناقضة، والمُفارقات المرتبطة بها، والخلفية التاريخية حول التنقل بين تلك الأدوار، وانعكاسات ذلك على حياة قادتهم.

التحالف مع «طالبان».. مصيدة إيرانية لـ«قصم ظهر» واشنطن

«طالباني ومبعوث دبلوماسي».. خلفية تاريخية حول هاتين المهمتين المتناقضتين؟

لعقود طويلة، مارست «حركة طالبان» الأفغانية مهامًا متناقضة؛ فهي تارة تُنفذ أعمالًا مسلحة، يرتدي فيها أعضاؤها لباس «المُقاتل المُجاهد»؛ ويدعون الرجال لإطلاق لحاهم والنساء لارتداء النقاب، ويُطبقون عقوبات الإعدامات العلنية على المُدانين بجرائم القتل أو مرتكبي الزنا، وكذلك بتر أيدي من تثبت إدانتهم بالسرقة، ويُهاجمون مقار الحكومات الدولية؛ ما يضطر تلك الحكومات إلى إنفاق مليارات الدولارات لاجتثاث هذا التنظيم واستهداف أعضائه من خلال استخدام أحدث الأسلحة.

وتارة أخرى مغايرة تمامًا، لكنها موازية للأولى؛ يتحول فيها عضو الحركة، الموصوم بوصف «الإرهابي» من جانب هذه الحكومات، إلى شخص يجلس على مائدة التفاوض معهم في إحدى الدول الوسيطة، بوصفه «دبلوماسيًا»، يُفاوض قادة تلك الحكومات التي كانت تدفع نحو اجتثات حركته، ومحو وجوده، مُتظاهرًا بسمت رجال الدولة، غير عابئ بأفعاله السابقة في القتل والذبح.
وبالعودة سنوات للوراء من أجل فهم هذه المهام المزدوجة التي اضطلعت بها الحركة وأبرز تجلياتها؛ نعود تحديدًا إلى خريف عام 1994 حين برزت نجم الحركة الأفغانية، بعد نشأتها في أوائل التسعينات، عقب انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي السابق من أفغانستان، لتُشكل فاعلًا مؤثرًا في مناطق البشتون المنتشرة في باكستان وأفغانستان، بعضوية آلاف من مُقاتليها التي تنتمي الغالبية منها إلى البشتونية.

قدّم قادة الحركة أنفسهم للعالم الخارجي على أنهم عناصر مُسلحة، ساعين لحُكم بلادهم بهدف تطبيق الشريعة الإسلامية، وبدأوا في تحقيق هدفهم عبر مهاجمة القوات الحكومية التابعة لحكومة كابول، وفرض سلسلة قوانين على السكان الموجودين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
بمرور السنوات اكتسبت الحركة نفوذًا واسعًا بفضل ارتفاع أعداد المنضوين تحت رايتها، وتلقيهم دعم مالي كبير من دول مُساندة لهم، أتاحت لهم تسليح أعضائها بمُعدات عسكرية متطورة، لتتحول إلى قوة قتالية هائلة في أفغانستان، تُشكل تهديدًا خطيرًا لحكومتها، حتى نجحت في الوصول إلى السلطة في منتصف التسعينات، بعدما أطاحت الحركة بنظام حكم الرئيس برهان الدين رباني ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، وتحديدًا في عام 1998.
وقد امتد نفوذ الحركة للجارة الباكستانية، بعدما سيطر أعضاؤها على مساحات في شمال غربي البلاد، ونفذوا موجة من التفجيرات وهجمات أخرى مسلحة؛ ما جعل تلك المناطق حاضنة رئيسة للأعضاء التابعين لها.
كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 على «مركز التجارة العالمي» بالولايات المتحدة، نقطة تحول في مسار الحركة، وسبب رئيس في بروز مهام مُتناقضة، ستضلع بها قادة الحركة؛ بعدما أطاح غزو التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بحكم طالبان في أفغانستان؛ بعدما اتهمتها واشنطن بتوفير ملاذ آمن في أفغانستان لزعيم «تنظيم القاعدة» الراحل أسامة بن لادن، وأعضاء التنظيم الذين اتهموا بالمسؤولية عن هذه الهجمات.

هل تنجح طاولة التفاوض فيما فشلت فيه حرب الألف مليار دولار؟

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ركزت جهود واشنطن – بعد نجاحها في الإطاحة بها من الحكم – في الحد من نفوذ الحركة عبر نشر أكبر عدد من القوات خارج حدود أفغانستان، وصلت أعدادهم مع قوات «حلف شمالي الأطلسي» إلى 140 ألف جندي مدعومين بأحدث الأسلحة وموارد مالية لا محدودة.
فشلت جهود واشنطن في اجتثاث طالبان، أو محو وجودها، بعد سنوات طويلة من الهجمات والحروب التي كلفت الولايات المتحدة حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار، ما أجبرها على طرق باب مواز، والدخول في مفاوضات مباشرة مع الحركة بهدف التوصل إلى تفاهم، وتفاوض في جلسات برعاية دول وسيطة.

ديفيد هيرست: هذه خطة ابن زايد «لاغتيال» زعماء طالبان التي عرضها على أمريكا

الدبلوماسية وسيلة لعيش «حياة مُرهفة»

اكتسب قادة الحركة بفعل استمرار حضورهم العسكري وصمودهم أمام هجمات القوات الأجنبية نفوذًا دوليًا، جعل التواصل معهم بواسطة الطرق الدبلوماسية، أمرًا حتميًا للحكومات الأجنبية التي عجزت عن مواجهتها بالوسائل العسكرية؛ ليلتقط قادة الحركة الخيط، ويقبلون بمنطق براجماتي مبدأ التفاوض، وربط ذلك بشروط أدت لتحسين موقفهم التفاوضي.

كانت المحطة الأولى لقادة الحركة نحو الانتقال من أوكار القتال إلى بهو الفنادق، والجلوس على موائد الحوار، في عام 2010، حين وصل ممثلون عن «حركة طالبان» سرًا إلى قطر قبل نحو ثلاث سنوات لإجراء محادثات مع مسؤولين غربيين.
بعد ذلك تحولت العاصمة القطرية إلى حاضنة لعشرات من قادة «حركة طالبان»، يستقرون فيها بشكل دائم، مُمثلين للحركة في التفاوض مع الوفود الغربية، أو جعلها محطة الانتقال لحضور اجتماعات في عواصم غربية والعودة لها مُجددًا، وهو ما تكرر خلال الأعوام الماضية حين غادر قادة الحركة من قطر إلى اليابان وفرنسا وألمانيا وإيران للمشاركة في مؤتمرات حول أفغانستان عقدت هناك.
الوجه الآخر لهذا التحول تجلى بشكل رئيس في اكتشاف قادة الحركة مظاهر جديدة للحياة لم يألفوها من قبل؛ ووسائل ترفيه لم تنكشف أمام عيونهم في البيئة الصحراوية التي استقروا فيها، لتتفتح عيون هؤلاء القادة وأسرهم على هذه المظاهر في الدول التي تنقلوا فيها، وبالأخص الدوحة التي استقر مُمثلو الحركة بالمفاوضات فيها هم وعائلاتهم.

كان الاتفاق بين هؤلاء القادة مع الحكومة القطرية على عدم الظهور إعلاميًا، في وسائل إعلام أجنبية، أو الإكثار من الحديث، سواء كان مع السكان المحليين أو الأجانب، مقابل التمتع بالحرية في الحركة، والتنزه والتسوق كحال أي مواطن أجنبي في البلاد؛ ليكتشف هؤلاء حياة جديدة لهم ولذويهم؛ ما أدى إلى ازدياد أعدادهم إلى أكثر من 20 عنصر من عناصر «طالبان» رفيعي المستوى نسبيًا يعيشون رفقة عائلاتهم.

«لقد أبلغني أحد أعضاء حركة طالبان ذات مرة أنه سئم بعد 30 عامًا من الحروب، وهو الآن يرغب في أن يعيش في بيئة مسالمة».

كان التصريح السابق لرجل أعمال أفغاني، يعيش في الدوحة، ويتمتع بصلات مع قادة الحركة المقيمين بالعاصمة القطرية، واصفًا لمراسل موقع «بي بي سي» انطباعات رجال طالبان عن حياتهم الجديدة.

ويقول مراسل موقع «بي بي سي» عربي، في تقرير حول وجود قادة طالبان في الدوحة: «من آن لآخر نرى بعض ممثلي الحركة يقودون سياراتهم ويمشون في الشوارع ويرتادون مراكز التسوق والمساجد، يعيشون في الدوحة في منازل مريحة يتولى دفع تكاليف الإقامة فيها قطريون».
كان انكشاف عالم جديد لقادة «طالبان» دافعًا رئيسًا نحو الانخراط أكثر في عملية التفاوض، والقبول بالجلوس مع قادة أوروبيين، كان يصفوهم في السابق بالـ«مجرمين» الذين يتوجب قتالهم؛ لتُقرر الحكومة الأفغانية افتتاح مكتبين لـ«طالبان» في تركيا والمملكة العربية السعودية؛ غير أن مكتب الدوحة ظل الحاضنة الرئيسة لهم.
لعل المُفارقة الرئيسة لقادة «طالبان»، بعد اكتشافهم جوانب جديدة للحياة، هو ظهور رغبة لديهم في البقاء الدائم في تلك العواصم، باعتبارهم مُمثلين للحركة بعيدًا عن أوكار القتال والمناطق الصحراوية؛ وهو ما ظهر في تقديم عدد من قياديي «طالبان» رفيعي المستوى طلبات لجوء إلى قطر، ولكن هذه الطلبات رفضت سرًا أو تم تجاهلها لعدد من الأسباب.

«عمال عاديون أو رجال أعمال أفغان».

هذه هي الهيئة التي يتنقل بها قادة «طالبان» بين الدول، من أجل محادثات السلام، للتحايل على بعض القوانين الدولية التي تحظر سفرهم، وذلك بالاتفاق مع حكومات هذه الدول التي يتنقلون بينها من أجل المفاوضات؛ التي لا تزال مُستمرة وقائمة، بل صارت أكثر أهمية للولايات المتحدة الأمريكية، عقب سحب آلاف من قواتها من داخل الأراضي الأفغانية؛ والتي كان آخر محطتها الأخيرة الشهر الماضي، بلقاءات جديدة انعقدت في العاصمة القطرية، أبرزها كان لقاء بين زلماي خليل زاد، وهو مبعوث أمريكي بارز مع الملا عبد الغني برادر، أحد مؤسسي تنظيم «طالبان».
وتجدر الإشارة إلى أن انخراط الحركة الأفغانية في التفاوض، وتحول قادتها لدبلوماسيين مُمثلين عنها في المحادثات، لم يثنها عن نشاطها الأساسي المُسلح من جانب عناصرها الذين لا زالت النسبة الأكبر منهم باقية في تلك المناطق الخاضعة لسيطرتهم؛ إذ يتناوب هؤلاء بين فترة وأخرى على تنفيذ هجمات مُسلحة تجاه مقار تتبع قوات حكومية أفغانية، أو حيال القوات الأجنبية الباقية على الأراضي الأفغانية.

المُلا عبد الغني.. من «السجن» إلى مائدة المفاوضات

التجلي الأوضح للتنقل بين أدوار قادة طالبان، والتنقل بين موقع «المُقاتل» إلى دبلوماسي يتمثل في التدقيق في مسيرة الملا عبد الغني أحد المؤسسين الأربعة لـ«حركة طالبان» عام 1994، وثاني أهم قائد في الحركة بعد الملا عمر، وقائد عملياتها بعد الإطاحة بطالبان من الحكومة.

ظل الملا مواظبًا على مهامه، قائدًا للعمليات العسكرية التي نشطت تجاه القوات الحكومية، والمقار التي تتبع القوات الأمريكية؛ إلى أن تم القبض عليه في فبراير (شباط) عام 2010، في مدينة كراتشي الباكستانية، بعد عملية عسكرية مشتركة بين القوات الأمريكية والباكستانية.
ظن الجميع أن المُلًا، وهو الشخص الذي كان شديد القرب من زعيم «تنظيم القاعدة» السابق أسامة بن لادن، سيقبع في السجن سنوات طويلة بعد تورطه في الهجمات الدموية ضد القوات الحكومية، وصدور قرار من جانب «مجلس الأمن» التابع للأمم المتحدة بتوقيع عدد من العقوبات عليه؛ والتي منها منعه من السفر وتجميد أمواله. غير أن كُل تلك الظنون ذهبت أدراج الريح، عندما تم الإفراج عنه، بعدما جاء على رأس قوائم المسجونين الذين طالبت الحركة بإطلاق سراحهم، في مفاوضاتها المتعاقبة مع المسؤولين الأمريكيين والحكومة الأفغانية، ليُطلق سراحه في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بعد مفاوضات بوساطة قطرية.
ومن السجن خرج المُلا منه إلى طاولة المفاوضات، بالعاصمة القطرية، ليكون على رأس المفاوضين التابعين للحركة، ويكتسب نفوذه المفقود من جديد في هيئة تبدو مُناقضة تمامًا لأدواره السابقة.
إلى جانب ذلك؛ حقق قادة «حركة طالبان» مكاسب كُبرى أخرى من وراء دخولهم عالم الدبلوماسية والتفاوض، وذلك من خلال رفع حظر السفر عن القادة المُمثلين لهم؛ من أجل التنقل بسهولة ويسر، دون خضوع لعقوبات أو احتمال توقيفهم في المطار على ضوء قرارات سابقة للأمم المتحدة بحظر سفرهم.

تحت أعلام الإمارات وأمريكا.. ماذا تفعل إسرائيل في أفغانستان؟

المصادر

تحميل المزيد