كثيرًا ما نعتقد أنّ «حضارة العراق» هي أول من شرّع القوانين، وأسس لحياةٍ مدنية، وكرّم المرأة، وكتب الشعر والملاحم، والشرائع الأولى كانت في العراق قبل آلاف السنين، ومسلة حمورابي تُعدُّ شاهدًا ومرجعًا في أيِّ حوارٍ عن الحضارة والمدنيّة. لكن هل قرأنا المسلّة فعلًا؟ وهل تساءلنا أنها ربما تكون حجةً علينا؟ المسلة التي تقف في متحف اللوفر الآن، وتتمدد في رؤوس أبناء العراق، حُفِرَ عليها 282 قانونًا، هي شريعة حمورابي الأكثر قسوة من أي شريعة تزامنت معها أو تلتها.

milkau_oberer_teil_der_stele_mit_dem_text_von_hammurapis_gesetzescode_369-2
مسلة حمورابي

شريعة بلاد وادي الرافدين

لم يقتصر تطبيق قوانين حمورابي على الحقبة الزمنية التي عاشها ملكًا على بابل، إذ تشير الدراسات إلى أن شريعته صارت نظامًا كلاسيكيًا في العالم القديم، فقد وجد العلماء نسخًا من القوانين مكتوبة على ألواح نُسِخت في وقت متأخر من القرن الخامس ق.م. – أكثر من 1000 سنة بعد وفاته – ومن الممكن أن تكون هذه القوانين تعديلًا أو تحسينًا أو تنقيحًا لقوانين أخرى عامة تاريخية، أيًّا كان فإن هذه الشريعة نافذة على القيم السائدة في بابل القديمة، وقد استمرت دليلًا قانونيًا للمنطقة لعدة قرون. كما نقلها «الملك عيلام» لاحقًا إلى منطقة خوزستان الإيرانية ليتم الاطلاع عليها وإعادة تداولها من قبل الإمبراطورية الفارسية.

عالم الآثار غوستاف جكواير يكتشف الشاهدة المنقوشة عليها شريعة حمورابي في خوزستان 1901.

الوحشية

ليس المهم فقط أن يقتل الإنسان في شريعة حمورابي فقد تكون الطريقة التي يقتل بها أهم، فإن أخذنا بالاعتبار فقدان 31 بندًا، فإن مجموع قوانين «دستور» العراق القديم يكون 251 قانونًا، 15% منها عقوبته الموت بطرق متعددة (38 قانونًا)، في أعراف عصرنا هذا هي طرقٌ وحشية. موزعة كالآتي:

19 بندًا عقوبتها القتل بشكلٍ مباشر، ثمانية بنود عقوبتها القتل ذبحًا، ستة بنود عقوبتها الموت غرقًا، خمسة بنود عقوبتها القتل حرقًا، بالإضافة إلى أربعة بنود حكمها قطع اليد، وبندٍ واحدٍ حكمه قطع ثدي المرأة، وبندين اثنين حكمهما قطع الأذن. علمًا أن البنود الـ251 تشمل أحكام الحرب، والصناعة، والزراعة، والعبادة، والطب، وتسيير الحياة اليومية للسكان.

الظلم

مع أن فكرة العقوبة وجدت لينال المذنب جزاءه المستحق، إلا أن العقوبات في شريعة بلاد ما بين النهرين متطرفة إلى حد صار القاضي فيه أكثر جرأة على الظلم من المتهمين. وهذه بعض الأمثلة من عقوبات المسلَّة:

يُقطع لسان الطفل الذي تبناه أحد رجال الهيكل إن قال للمتبني لستَ أبي، أو لستِ أُمي، وتفقأ عينه إذا احتقر متبنيه بعد أن يعرف أبويه الحقيقيين!

  • إذا لعن رجلٌ آخر دون مبرر، فإن اللاعن يُقتل.
  • من سرق مالًا خاصًا بأحد الآلهة، أو بيتٍ كبير، وَجَبَ قتله، كذلك يُقتل من قبل استلام هذه المسروقات.
  • إذا حصل خلاف حول ملكية شيء ما تم بيعه وتداوله بين ثلاثة رجال، يُحضِر كل منهم شهوده، والشخص الذي يعتبر القاضي حجته ضعيفة، يُذبح!
  • إذا رفضت بائعة خمر أن تقبل حبوبًا ثمنًا للشراب وقبلت الفضة، فإنها تُرمَى في الماء.
  • إذا افتتحت راهبة – بعد أن تغادر الدير – حانوتًا للخمر أو دخلته لتحتسي: تُحرَق.
  • تُقطع يدا الطبيب إذا عالج جرحًا خطيرًا لرجل وتسبب بموته خطأً.
  • إذا شبّت النار في منزل إنسان، وذهب آخر لإطفائها، فسرقَ أشياء من المنزل، أُلقيَ به في النار نفسها.

ومن المسلة يمكن تشخيص طبيعة المجتمع المتفلت أيضًا منذ ذلك الزمن، وكذلك قسوة السلطات والحكام منذ تأسيس الدولة الأولى.

4245370037_dbbd8424cc_b
قوانين حمورابي باللغة المسمارية

«الحرية جريمة»

تحارب قوانين حمورابي حرية العبيد بكل الطرق الممكنة ومن يساعدهم، ولذلك نجد سبعة قوانين مُشدَّدة تُجرّم العبيد إن هم حاولوا نيل حريتهم، إذ يُقتل من يساعد عبدًا أو أمَةً على الهروب من البوابة، أو يأويهم في منزله، وفي المقابل إذا سلّم أحدهم عبدًا هاربًا يحصل على مقدارٍ من الفضة، وتُصلَمُ أذن العبد إذا قال لمالكِه «لستَ سيّدي».

قوانين المرأة.. حقوق وعقوق

التناقض في تشريع قوانين المرأة يبرز المزاجية الذكورية في التعامل مع المرأة آنذاك، ففي الوقت الذي تأخذ جزءًا من حقوقها في قانون، تُؤخذ حياتها في قانونٍ آخر، فمثلًا:

  • حين يؤسر رجلٌ ما، وتغادر زوجته إلى منزل رجلٍ آخر فإنها إما أن تكون صاحبة الحق أو تُلقى في النهر، وحياتها أو موتها يُقرره الطعام. فعندما يعود الزوج من الأسر، يُنظَر في خروجها من البيت، فإذا تبين أنه لم يترك لها طعامًا، لا لومَ عليها (قانون 134) والأطفال الذين أنجبتهم من الآخر ينسبون لأبيهم (قانون 135)، أما إذا تركَ لها طعامًا فهي مذنبة لأنها «لم تصُنْ جسدها» وتُقتل غرقًا (قانون 133).

الرجل يستخدم زوجته في سداد ديونه!

تُلقى المرأة في النهر إذا تبين أنها أهملت زوجها لكن إذا كان الإهمال منه فأقصى ما يمكن أن يناله هو، دفع بائنتها والسماح لها بالعودة إلى أبيها. *قانون 142، 143.

وكذلك يُمكن للرجل في شريعة حمورابي أن يستخدم زوجته لسداد ديونه، ما لم تشترط عليه قبل الزواج أن لا يقدمها لدائنيه (قانون 151).

عشتار، آلهة الخصوبة والجمال عند البابليين
عشتار، آلهة الخصوبة والجمال عند البابليين

القُبلة

في الأساطير الهندية القديمة يجيء ذكر القُبلة في سياقٍ رقيق يحكي عن قُبَـلِ العشَّاق ووصفها. في أسطورة «كاماسوترا» مثلًا هنالك فصلٌ خاص عن القبلة ومواضعها على جسد الحبيب. وفي أسطورة مهاباهارتا أيضًا يوجد مثل ذلك:

وضَعَتْ فمها على فمي، فأحدثت صوتًا أشعل المتعة داخلي.

في الأساطير العراقية – بلاد الرافدين – يرِدُ ذكر القبلة ولكن على نحوٍ مُختلفٍ تمامًا. ففي قصَّة الخلق «إينوما إيليش» نقرأ عن تقبيل الأقدام والأرض تضرعًا وتوسلًا وتذللًا:

ثمَّ فتحت الإلهة ماما فاها

وقالت تخاطب الآلهة العظام:

لقد عهدتم إليَّ عملًا فأكملته

وما دمتم قد ذبحتم إلهًا رغم قدسيته

فها أنا قد رفعت عنكم عناء أعمالكم الشاقة

وجعلتُ الإنسان يحمل سلة عملكم

وها أنتم قد وهبتم صراخكم للبشرية

وها أنا حللتُ عنكم النير

حررتكم من الواجبات

ولمّا سمع الآلهة كلامها

تراكضوا إليها وقبَّلوا قدميها

وقالوا: في السابق الإلهة ماما كنّا نناديك

والآن : ليكن «سيدة الآلهة» اسمك.

لوحةٌ بابلية

«جلجامش».. الملك المُتسلِّط

«جلجامش لم يترك ابنًا طليقًا لأبيه
وما فَتِئَ يضطهدُ الناسَ بمظالمهِ ليلَ نهار
على أنَّهُ راعي سور أُوروك والحمى».

* ملحمة جلجامش، ص78 ، ترجمة طه باقر.

هكذا تبدأ ملحمة الملك الأسطوري الذي قتل حارس أرض الآلهة «الوحش خمبابا» وصارع «أنكيدو» البشري المتوحش، قسوة نافرة، وقتل واضطهاد واغتصاب بذريعة السلطان وحماية أسوار المدينة، وهو إذ لا يكتفي بسوق أبناء أُوروك إلى الحرب يعمد إلى أخذ حبيباتهم العذراوات بقوَّة الـ«نصف إله» الذي فيه من أجل إشباع غريزة النصف البشريّ.

إن شهواته لا تترك عذراء لحبيبها

ولا ابنة المحارب ولا زوجة النبيل.

جلجامش يصارع ثور السماء
جلجامش يصارع ثور السماء

قوانين لتكريس الاستبداد

ناداني أنّو وبِل، أنا حمورابي الأمير الأعلى، الذي يخشى الآلهة، لكي أنشر العدالة في العالم، وأقضي على الأشرار والآثمين، وأمنع الأقوياء من ظلم الضعفاء.

يعتبِر حمورابي أن الآلهة هي من أرسلته ليسنّ هذه القوانين:

«أنا حمورابي، أنا الذي اختاره بِل حاكمًا، والذي جاء بالخير والوفرة، والذي وهب الحياة لمدينة أرك، والذي أمدّ سكانها بالماء الكثير، والذي أعان شعبه في وقت المحنة، وأمن الناس على أملاكهم في بابل، حاكم الشعب، الخادم الذي تسرّ أعماله أنونيت».

غير أن القوانين التي جاءت بهِ الآلهة من أجلها هي في حقيقتها تكريس لسلطته وتسلطه، فنحن نقرأ في قوانين الحرب أن:

  • إذا أُمِر جنديٌّ بالخروج إلى الحرب في سبيل الملك ولم يذهب عُدّ عاصيًا ويُقتل.
  • إذا أُمِر جندي بالذهاب إلى الحرب فلم يذهب بنفسِه واستأجر بديلًا عنه، يُعدّ عاصيًا ويُقتل ويمتلك الآخر منزله.
  • إذا سمح رئيسٌ في الجيش بهروب جندي منه وقبِلَ جنديًا مستأجرًا ليُقاتل مكان الجندي الهارب، يُقتَل ذلك الرئيس.
  • على بائعة الخمر أن تقبض على الثوار إذا اجتمعوا عندها وتسلمهم إلى البيت الكبير، وإلا فإنها تقتل.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!