الزمان هو عام 1571، لم تكد أوروبا تتنفَّس الصُّعداء بانحسار المدّ العثمانيّ قليلًا بوفاة السلطان سليمان القانوني – الملقب بسليمان العظيم – حتَّى عادت الأوضاع للاشتعال بعد انتزاع العثمانيين لجزيرة قبرص، والتي كانت تخضع لسيادة جمهورية البندقية الإيطالية.

عندما تولَّى سليم الثاني العثماني كرسيّ السلطنة في الأستانة – إسطنبول – بعد وفاة أبيه، تفاءلت العروش الأوروبية المهتزة من التقارير التي تحدثت عن ضعف قدرات الخليفة الجديد مقارنة بأبيه الذي دمّرت مدافعه مملكة المجر في ساعتين من نهار في موقعة موهاكس الشهيرة ١٥٢٦، والذي قضى ما مجموعه أكثر من 10 سنوات خارج إسطنبول، على رأسِ جيشه يغزو في شرق ووسط أوروبا، كما يذكر المؤرخ يلماز أوزتونا في تأريخه للدولة العثمانية.

شجع كذلك على الاستهانة الأوروبية بالسلطان الجديد سليم الثاني، كونه لم يصل إلى ولاية العهد إلا بتدبير أمه الجارية السابقة روكسيلانا – المشهورة بالسلطانة خُرَّم – والصدر الأعظم – يوازي منصب رئيس الوزراء حاليًا – رستم باشا؛ إذ أوغرا صدر أبيه على أخيه المحارب المخضرم مصطفى ذي الشعبية الطاغية لدى الجند والشعب؛ حتى قتله القانوني خوفًا من أن ينتزع منه السلطنة.

على الجانب العثماني، كان ما ذكرته التقارير الأوروبية يحمل قدرًا من الصحة، ومع ذلك لن تخرج الأمور عن السيطرة كثيرًا، رغم الفارق الكبير بين سليم وأبيه؛ إذ كان يمسك بالزمام – بجوار سليم الثاني – رجل الدولة القوي، الصدر الأعظم، محمد باشا صوقيللو.

من «الدفشرمة» إلى الصدارة العظمى

ولد محمد باشا صوقيللو عام ١٥٠٥ بالبلقان جنوبي شرق أوروبا، لأسرة مسيحية من البوسنة، لا يعرف الكثير عن طفولته، ولا كيف ساقته الظروف إلى أن يدخل في نظام «الدفشرمة»، والذي كان أحد أعمدة الدولة العثمانية؛ إذ كان يُجلَب من خلاله الآلاف من الأطفال الصغار سنويًا من البلقان، ويُرسلون إلى المعاهد العسكرية في إستانبول؛ حيث يتم على مدار سنوات تربيتهم تربية عسكرية صارمة، وكذلك  تعليمهم الإسلام وفنون الحرب والحساب واللغة التركية… إلخ. كان هؤلاء يشكلون عماد الفرق الإنكشارية التي كانت القوة الضاربة للجيش العثماني لقرون، وكذلك كان يتاح للنابغين منهم الترقي في مناصب الدولة.

تقلّب محمد صوقيللو في الرتب العسكرية؛ حتى أصبح من كبار قادة الأسطول، ثم أصبح واليًا على الرومللي، والتي تمثل الجزء الأوروبي من الدولة العثمانية، ثم أوصلته قدراته ونفوذه وعلاقاته في البلاط إلى منصب الصدارة العظمى عام ١٥٦٥، السنة الأخيرة من حكم القانوني.

برزت قيادته عندما استطاع السيطرة على زمام الأمور في الجيش الغازي لما توفي القانوني أثناء حصار قلعة سيجتوار الألمانية؛ فقد كتم الخبر عن الجنود، واكتفى بإشاعة أنَّ السلطان لا يبرز لهم لكونه مريضًا. بالفعل سقطت القلعة في يد العثمانيين بعد ساعاتٍ من وفاة السلطان، ثم قفل الصدر الأعظم عائدًا بالجيش، ولم يعلم الجنود بوفاة السلطان، إلا بعد 48 يومًا في طريق العودة للعاصمة إستانبول، بعد أن اكتملت البيعة لسليم الثاني.

الأنظار تتوجَّه إلى قبرص

عام ١٥٧٠ بعد أربعة أعوام من توليه السلطنة اقتنع سليم الثاني بنصائح بعض مستشاريه بالإعداد لحملة بحرية برية كبرى لانتزاع جزيرة قبرص من حكم جمهورية البندقية الكاثوليكية؛ لكونها قاعدة متقدمة للمد الصليبي في قلب الخاصرة الإسلامية؛ فهي تبعد أقل من ١٠٠ كم عن السواحل الجنوبية لتركيا، ومثلها عن السواحل الشامية، وحوالي٣٥٠ كم عن السواحل الشمالية لمصر.

Embed from Getty Images
السلطان سليم الثاني

كانت آخر محاولة إسلامية لانتزاع قبرص قبل هذا بقرن ونصف، عندما نزلتها جيوش الأشرف برسباي المملوكي، وأخضعت ولاءَها للعرش المملوكي، وفرضت عليها جزية سنوية لخزينة القاهرة. وبعد ضم العثمانيين لمصر عام 1517، وخضوع قبرص لسيادة البندقية، كانت الجزية السنوية تُدفع لخزانة إسطنبول لسنواتٍ طويلة.

في كتابه «تاريخ الدولة العثمانية»، يروي المؤرخ التركي يلماز أوزتونا تفاصيل عن التفكير في حملة قبرص، وأعدادها وأحداثها، فيذكر مثلًا أن الصدر الأعظم القوي محمد باشا صوقيللو كان ضد الفكرة؛ لأنه كان يخشى أن هذه الحملة لن تسبب فقط حربًا ضروسًا مع جمهورية البندقية الغنية التي تسيطر على شطرٍ هامٍ من تجارة البحر المتوسط وأساطيله، إنما قد تتضامن معها قوى أوروبية كاثوليكية أخرى في حملة عسكرية موحدة، وقد كان، كما سنفصّله لاحقًا.

كان هناك سببٌ آخر وراء معارضة الصدر الأعظم لتلك الغزوة، وهو أن القوانين العثمانية تمنع خروج السلطان أو الصدر الأعظم بنفسيهما في الحملات البحرية؛ خوفًا عليهما. فكان محمد صوقيللو يخشى من النفوذ الذي سيكتسبه القائد الذي سينفرد بقيادة هذه الحملة الكبرى المرتقبة.

غلبت كفة الرأي المائل لغزو قبرص داخل الإدارة العثمانية، خصوصًا وأن هناك وترًا هامًا يمكن أن يلعب عليهِ العثمانيّون لكسب ولاء سكان الجزيرة، وضمان سيادتهم عليها بعد انتزاعها، وهو أن غالبية القبارصة من اليونانيين الأرثوذوكس، الذين كانوا يعانون من التمييز وسوء المعاملة من قبل (المحتلين) الإيطاليين البنادقة الكاثوليك.

بدأت الخطوات الفعلية للغزو بنجاح القوات السرية العثمانية في القيام بعمل تخريبي واسع في أهم ميناء لتصنيع ورسو السفن البندقية بالجزيرة؛ مما سبب تلف الكثير منها، وانتشار الذعر في الجزيرة. تفطَّن حكام البندقية إلى أن قبرص قد تكون الهدف التالي للمارد العثماني؛ فأرسلوا لحمايتها أسطولًا ضخمًا يتألف من 200 سفينة، لكن لسوء طالعهم فقد أعدَّ العثمانيون لغزو الجزيرة أسطولًا لم يشهد البحر المتوسط مثله منذ قرون؛ يتألف من أكثر من 400 سفينة.

دخلت الأساطيل العثمانية ميناء ليماسول القبرصي في مطلع يوليو (تموز) 1570، وعلى متنها 100 ألف مقاتل عثماني، منهم حوالي 60 ألف من القوات المخصصة للغزو البري. بدأت الموانئ والمدن والقلاع القبرصية تتساقط تباعًا أمام القوات العثمانية تحت قيادة لالا مصطفى قرة باشا كتساقط أحجار الدومينو. اتجه معظم الأسطول العثماني إلى عرض البحر المتوسط، وهاجم سواحل إيطاليا؛ وذلك ليشغل الأساطيل البندقية، ويمنع وصول المدد منها إلى جزيرة قبرص.

مطلع أغسطس (آب) 1571 سقطت ماجوسا آخر القلاع الحصينة على الجزيرة في يد العثمانيين، وهكذا تمَّ فتح قبرص في حوالي 13 شهرًا، وغنم العثمانيون الكثير من الموارد والأسلحة والذخائر البندقية. منح العثمانيون لرئيس الأساقفة القبرصي الأرثوذوكسي الكثير من الامتيازات التي كان محرومًا منها في العهد البندقي، وبدأوا في استقدام عشرات الآلاف من الأتراك من الأناضول إلي الجزيرة لتعميرها، والدفاع عنها، وتثبيت الأمر الواقع. عمَّت الاحتفالات أرجاء الدولة العثمانية، خاصة عاصمتها اسطنبول، لكن لن تدومَ هذه الاحتفالات كثيرًا.

البحر المتوسط.. بين العثمانيين و«الحلف المقدس»

لا توجد في العالم المسيحي أية دولة مسيحية يمكنها أن تقف وحدها تجاه الدولة العثمانية، وبناء على ذلك يجب على كافة الدول المسيحية أن تتحد لتكسر الغرور التركي. *البابا بيوس الخامس في رسالته إلى فيليب الثاني ملك إسبانيا

استشاط البابا بيوس الخامس القويّ غضبًا من الوثبة العثمانية الجديدة على قبرص، والتي تفتح الطريق للسيطرة الإسلامية على البحر المتوسط، والإغارة على الشواطيء الجنوبية لأوروبا، والممتلكات البابوية، وقد تُجدِّد أحلام محمد الفاتح قبل قرن بغزو روما. لذا وبينما عملية الغزو العثماني لقبرص ما تزال تدور، لم تهدأ مراسلات البابا بيوس الخامس مع ملوك وأمراء أوروبا الكاثوليكية لمساندة جمهورية البندقية بتشكيل حملة صليبية جديدة ستكون هي الثانية عشرة التي تستهدف الدولة العثمانية في أقل من٢٥٠ عامًا.

ستكون الحملة بالأساس حملة بحرية، تهدف إلى استعادة زمام الأمور في البحر المتوسط من الأساطيل العثمانية، وكذلك إعادة جزيرة قبرص إلى سيطرة البنادقة. وهكذا تشكل «الحلف المقدس» والذي لا يزال – بعد قرون – يحظى ميلاده بالكثير من الرمزية لدى المتدينين الكاثوليك.

أُسندت قيادة القوات المشتركة إلى شخصية اشتهر اسمها كثيرًا، وهو القائد الشاب دون جوان النمساوي، وكان ذا 24 خريفًا، وهو الابن غير الشرعي لشارل الخامس، والذي كان أقوى حكام أوروبا في  القرن السادس عشر الميلادي، خاضت جيوشه حربًا عالمية مفتوحة مع الدولة العثمانية الفتية في عهد القانوني في شرق ووسط أوروبا، وسواحل أفريقيا الشمالية. تشكَّلت الحملة بالأساس من سفن البندقية (سيدة التجارة العالمية في ذلك الوقت)، وإسبانيا (أقوى الممالك الكاثوليكية، والتي كان يحكمها فيليب الثاني بن شارل الخامس، وأخو دون جوان)، مع قوات رمزية من فرنسا، والبرتغال، وجنوة، ونابولي، وصقلية، ومتطوعين من أماكن أخرى من أوروبا.

أنفقت البندقية والكنيسة بسخاء على الحملة، واستنفر الانتصار الكامل للعثمانيين بقبرص حمية الأوروبيين. لم تخلُ مرحلة الإعداد من مشاكل كبرى، كاعتراض البعض على إسناد قيادتها لابن غير شرعي، لكن تمَّ التغاضي عن هذا؛ نظرًا للشعبية الكبيرة التي يحظى بها جوان لدى الكنيسة ورعاياها، خاصة لدوره في إخماد ثورات بقايا المسلمين الأندلسيين (الموريسكيين) في غرناطة عام 1569، ولجهوده البحرية في مواجهة غارات البحارة المسلمين على السفن والموانئ الإسبانية في البحر المتوسط.

وكذلك برزت بعض المشكلات نتيجة التاريخ الطويل من التنافس بين البندقية وإسبانيا على النفوذ في شبه الجزيرة الإيطالية والبحر المتوسط. عمومًا، ضمن بروز العدو العثماني المشترك تغاضي الأطراف عن خلافاتهم، وهكذا تواطأت كبريات القوى الأوروبية اقتصاديًا وعسكريًا على القيام بالعمل الموحد الذي تنعقد عليه آمال أوروبا الكاثوليكية لإعادة التوازن المختلّ أمام العدو العثماني المتفوق برًا وبحرًا.

تشكَّل الأسطول الصليبي المشترك من حوالي 300 سفينة، بعضها حديثة تتفوق في إمكاناتها على السفن العثمانية، وأكثر من 30 ألف جندي بحري. ولم يكد يمضي شهران على إتمام سيطرة العثمانيين على قبرص حتى كان أسطول الحلف الصليبي المقدس يمخرُ عُبابَ البحر المتوسط شرقًا باتجاه السواحل اليونانية وقبرص.

وما أدراك ما «ليبانتو»

في ذلك الوقت، كان الأسطول العثماني الكبير متفرقًا في جهاتٍ عدة، وتخضع بعض سفنه للإصلاح من بعض الأعطاب، بعد شهورٍ من الإبحار، لكن تجمَّع الشطر الأكبر من السفن العثمانية في ميناء ليبانتو العثماني على الساحل اليوناني. كان قائد هذا الأسطول بالأساس قائدًا بريًا، لم يكن له خبرةً طويلة في الحروب البحرية، لكن تمّ تعيينه في منصبه هذا لولائه للسلطان وللصدر الأعظم محمد باشا صوقيللو. نقلت الجواسيس العثمانية اقتراب الأسطول الصليبي الموحَّد من السواحل اليونانية، واستهدافه تحديدًا للأسطول الراسي في ليبانتو؛ وذلك لتكسير عظام الهيمنة البحرية العثمانية على شرق البحر المتوسط.

تشاور قادة الأسطول العثماني بليبانتو في الخطوة الأمثل للمواجهة، بعد أن نقلت لهم العيون حجم الأسطول الصليبي المهاجم. رأى أغلب القادة البحريين عدم التسرُّع بالخروج لمواجهة الغزاة في البحر؛ لاختلال التوازن نسبيًا لصالح الصليبيين، وكذلك لإتاحة الفرصة للمدفعية العثمانية الساحلية طويلة المدى لاستنزاف سفن الغزاة قبل الصدام المفتوح معها، وكذلك لضيق الخليج المطلّ عليه الميناء، والذي لن يسمح للسفن العثمانية بقدرٍ كبير من المناورة، لكن كان للقائد برتو باشا ومُساعِده زادة علي باشا رأيٌ آخر.

يقسو المؤرخ يلماز أوزتونا على قائد الأسطول العثماني في ليبانتو، فيتّهمه بالجهل والكِبر والصَّلف؛ إذ صاح في قادته المعترضين – وعلى رأسهم البطل البحري العثماني أولوج باشا – على خطته: «أيّ كلبٍ كافر يجعلني أخاف الخروج لمواجهته؟ أين غيرة الإسلام؟ أين شرف السلطان؟» هذه المزايدة أجبرت الجميع على الإذعان إلى خطة الخروج للهجوم في عرض الخليج بعيدًا عن الساحل المحصَّن جيدًا.

وهكذا دارت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 1571 موقعة ليبانتو البحرية، واحدة من أضخم المعارك البحرية في التاريخ الإنساني، وواحدة من المواقع الفاصلة في تاريخ الحرب المفتوحة حينئذٍ بين العالم الإسلامي بممثله العثماني، والعالم المسيحي بممثله الكاثوليكي الصليبي. أسفرت المعركة عن هزيمة كبيرة لم تنلْ مثلها الأساطيل العثمانية منذ تأسيس الدولة قبل قرنين ونصف، وكان من أخطر نتائجها، الإخلال بهيبة الدولة العثمانية، والتي كانت تمثِّل لدى عموم الأوروبيين إلى ذلك الحين عدوًّا لا يقهر.

قُتل الآلاف من البحارة العثمانيين، وعلى رأسهم بعض كبار القادة، كزادة علي باشا، وأحد أبنائه، وسقط المئات من الأسرى. وخسر الأسطول العثماني حوالي 140 سفينة، ما بين غارقة، أو جانحة، أو مأسورة. وتمَّ إنقاذ سفينة القيادة، وبرتو باشا، بأعجوبة. وحاز الصليبيون الكثير من الغنائم ذات القيمة المادية والعسكرية، وكذلك المعنوية، ومنها راية زادة علي باشا المطرَّزة بالذهب، والتي أرسلت إلى الفاتيكان لتظل هناك 400 عام؛ حتى أعادها البابا إلى تركيا عام 1965 كبادرة صداقة.

لم يكن الانتصار الصليبي سهلًا أبدًا؛ فقد أصيبت تقريبًا كل سفن التحالف في المعركة، وتعرَّض القائد العام دون جوان للإصابة. كما قتل حوالي 8 آلاف صليبي، وأصيب ضِعفُهُم. وأيضًا نجح الأدميرال العثماني أولوج باشا في النجاة بكامل فرقته المكونة من 40 سفينة، بعد أن سبَّب خسائر جمَّة للأسطول المعادي، عندما قام باختراقٍ نَجَح من خلاله في استدراج بعض سفن الصليبيَّة إلى المياه المفتوحة.

كذلك لم يستطِع الأسطول الصليبي ترجمة الانتصار لنتيجةِ مادية ملموسة، كالاستيلاء على ميناء ليبانتو الحيوي، أو حتى استكمال المسار فورًا إلى قبرص التي كانت الهدف الرئيس من هذا الجهد الصليبي الاستثنائي. وستُبرهِن الشهور التالية للموقعة على فقر قيمة نتائجها المادية، وإن كان هذا لا يقلل أبدًا من قيمتها المعنوية الكبرى، والتي ستبني عليها الأمم الأوروبية كثيرًا في صراعها المحموم مع العثمانيين على مدار القرون الثلاثة اللاحقة.

«اللحية العثمانية» تنمو سريعًا وبكثافة

لقد كانت قبرص ذراعًا لكم وكسرناها، أما أسطولنا في ليبانتو فلم يكُن سوى لحيةٍ لنا حلقتموها، واللحية تنمو أسرع وأكثف بعد الحلاقة. *الصدر الأعظم محمد باشا صوقيللو محتدًا على سفير جمهورية البندقية عندما ذكَّره بهزيمة ليبانتو

جنَّ جنون العثمانيين من أخبار الهزيمة؛ إذ لسنواتٍ طويلة لم تعتدْ أسماعَهم مثل هذه الفواجع. كادت تحدث فتنة عظمى في إسطنبول نتيجة محاولة عامة الشعب الانتقام من كل الرعايا الأوروبيين، وكانوا بالآلاف، لكن حالت السلطات دون حدوث ذلك. ولرفع الروح المعنوية للشعب والجيش، أمر السلطان بتنظيم استعراضٍ بحري كبير في مياه إسطنبول بأكثر من 80 سفينة عثمانية، على رأسها بطل ليبانتو أولوج باشا، والذي تمَّ ترقيته إلى قائد عام للقوات البحرية العثمانية، بينما أحيل برتو باشا قائد أسطول ليبانتو إلى التقاعد.

وضعت كافة إمكانات الدولة تحت هدفٍ واحد، وهو إعادة بناء الأسطول العثماني، واستعادة زمام الأمور في البحر المتوسط. صرف الصدر الأعظم محمد باشا صوقيللو – وهو بحَّار سابق – جل جهوده في شتاء 1571 / 1572 لبناء وتشييد السفن، وأعطاه السلطان دعمًا مفتوحًا لهذا الغرض، حتى أنه – السلطان – سمح باستخدام حديقة قصره مصنعًا مفتوحًا لبناء ثماني سفن عملاقة. ونشطت الاستخبارات العثمانية لتخفي عن الأعداء هذا النشاط المحموم.

في ربيع وصيف 1572 بعد ثمانية أشهر من ليبانتو، عاد دون جوان للإغارة بالأسطول الصليبي الموحَّد على شرق البحر المتوسِّط، فأراد الهجوم على إقليم المورة اليوناني الخاضع للعثمانييين، فكانت المفاجأة الصادمة؛ فقد فوجئ الأسطول الصليبي بأكثر من 250 سفينة عثمانية بقيادة أولوج باشا تندفع نحوه كالقَدَر المحتوم، فلم يملكْ جوان خيارًا سوى الانسحاب، قبل صدامٍ قد تُنسى معه ليبانتو إلى الأبد، وقام الأسطول العثماني بعدها ببعض الإغارات على السواحل الإيطالية. لم يكن لهذه «الريمونتادا» السريعة أن تحدث، لولا نجاح الدولة العثمانية في بناء أكثر من 150 سفينة جديدة في ستة أشهر، وهذا أكثر مما فقدته في «كارثة» ليبانتو.

في غضون ذلك، توفي البابا بيوس الخامس في مايو (آيار) 1572، وتفاقمت الخلافات داخل الحلف المقدس، خاصة بين قطبيْه الكبيريْن: إسبانيا، والبندقية، ومن ثَمَّ تفكَّك الحلف الصليبي بعد عامٍ من تأسيسه، وهكذا عادت البندقية منفردةً أمام فوهة المدفع العثماني الشَّرِه للانتقام.

صلح 1573.. ليبانتو إلى «الموت السريري» مؤقتًا

في 7 مارس (آذار) عام 1573، وقَّعت الدولة العثمانية وجمهورية البندقية اتفاقية سلام تنهي الحرب العثمانية – البندقية المستعرَّة منذ ثلاثة  أعوام، والتي كانت الحرب الرابعة في تاريخ البلديْن. ستستمر هذه الاتفاقية أكثر من 70 عامًا، حتى عام 1645، عندما اندلعت حرب كبرى بين الطرفين حول السيادة على جزيرة كريت المتوسطيَّة.

كانت شروط الصلح أشبه باستسلام حربي مُذلّ من البندقية لصالح عثمانيين. وكانت أهم النقاط ما يلي:

  • تعترف البندقية بالسيطرة العثمانية الكاملة على قبرص (ستستمر هذه السيطرة ثلاثة قرون، حتى عام 1878، عندما وُضعَت تحت الحماية البريطانية).
  • تسدد البندقية للخزينة العثمانية غرامة مقدارها 300 ألف دوكا، وهي أكثر من تكلفة إعادة بناء الأسطول العثماني.
  • تعترف البندقية بسيادة الدولة العثمانية على بعض الأراضي في إقليم دلماتيا الكرواتي الواقع على ساحل البحر الأدرياتيكي، والخاضع لسيادة البندقية.

بعد المعاهدة بثلاثة أشهر، قاد أولوج علي باشا أسطولًا عثمانيًا ضخمًا مكونًا من أكثر من 200 سفينة حربية؛ وذلك لتأديب القطب الثاني في التحالف المقدَّس المنهار، فهاجم بضراوة السواحل الإيطالية المطلَّة على البحريْن الأدرياتيكي والتيراني، والتي تخضع معظمها للسيادة الإسبانية، وكانت هذه الغزوة البحرية مقدمةً لتحرير تونس من الاحتلال الإسباني.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد