على طاولة المفاوضات دائمًا ما يوجد السلاح بشكلٍ ما، فالقوة العسكرية هي التي أجبرت طرفًا من الجالسين حول الطاولة على قبول التفاوض، والقوة العسكرية هي التي ستجعل طرفًا يقبل بنود معاهدةٍ أو صلحٍ ربما يظلمه، فقط لأن الآخر يمتلك قوةً أكبر. لذا ومع العد التنازلي للقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والتركي، لا يمكن تخيل لقاء فلاديمير بوتين مع رجب طيب أردوغان دون تخيّل خلفية زيتيّة مرسوم عليها ثلاثة قرون كاملة من الحروب والتناحر.

ففي سياق التوتر القائم بين تركيا وروسيا وتصاعد الأحداث في سوريا، وقبل ساعات من اجتماع بوتين وأردوغان يعود التاريخ ليطل برأسه، لنرى في الخلفية، صورة الحرب العثمانية الروسية، التي لم تكن حربًا واحدةً فقط، بل سلسلة من الحروب بلغت إجمالًا 15 حربًا.

تلك الحروب التي كانت بسبب التنافس الإمبراطوري من أجل بسط النفوذ. فروسيا منذ أن كانت قيصريةً تحاول الوصول إلى بحارٍ أكبر، خاصة البحار الدافئة التي لا تتجمد مياهها في الشتاء. لأن روسيا تعرف كم الخسارة الناتجة عن توقف أعمالها البحرية بسبب تجمد مياه بحر البلطيق لعدة أشهر في الشتاء.

تراجُع العثمانيين.. قُبلة حياة للروس

من الممرات المائية التي أدركت روسيا أهمية السيطرة عليهما هما مضيقا البوسفور والدردنيل، وكلاهما للمصادفة تركيّان. من هذين المضيقين وحدهما مرت 50% من الصادرات الروسية عام 1914، ومر منهما أيضًا 90% من الصادرات الزراعية في العام نفسه، الذي كان العام الأول أيضًا من الحرب العالمية الأولى.

السيطرة على المضيقين أو ضمان حرية الملاحة فيهما على الأقل، كانت على قمة الأولويّات الروسية. فوقعت روسيا «اتفاقية القسطنطينية» السرية مع فرنسا وبريطانيا، والذي بموجبها تحصل روسيا على مضيقي البوسفور والدردنيل والقسطنطينية، عاصمة الدولة العثمانية، إذا انتصر الأصدقاء الثلاثة في الحرب العالمية الأولى. لكن الثورة الروسية وقضاءها على حكم القياصرة عام 1917 ألغى تلك الاتفاقية.

قد تظن أن الصراع بين روسيا وتركيا حديثًا، يعود إلى عام 1915، حيث اتفاقية القسطنطينية، لكن الصراع أقدم من ذلك؛ ولنعود معًا إلى 350 عامًا مضت، كي نتعرف على بداية تاريخ الصراع.

نحن الآن في ساحة أول معركة جيوسياسية بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا القيصرية، ميدانها أستراهان أوبلاست، مدينة تابعة للقرم التي تتبع الدولة العثمانية وقت بدأت الحرب عام 1568، لكنها لن تبقى كذلك عند انتهاء الحرب عام 1570.

حين علمت الدولة العثمانية بخبر الغزو الروسي أرسلت جيشها لأسترهان. حاصرت القوات العثمانية المدينة بريًا وبحريًا لمدة عامين كاملين. البرد القارس ونقص الإمدادات والرياح العاتية؛ كانت ثلاثة عوامل لم يستطع العثمانيون التعامل معها فتركوا الولاية في يد الروس للأبد. وبعد تراجع العثمانيين وقع الطرفان اتفاقية صلح تنازلت بها تركيا عن المدينة للأبد. وبالسيطرة على تلك المدينة حصلت الصادرات الروسية عبر بحر قزوين على قُبلة حياة ثمينة للغاية.

الروس لا يعارضون خلط الدين بالسياسة

لم يكتف الجانب الروسي بما ظفر به من الإمبراطورية العثمانية وتطلع للمزيد. في عام 1681 بدأ القيصر الروسي أليكسي الأول بالتوسع في حدود دولته متجهًا للجنوب، حيث أوكرانيا ورومانيا الخاضعتان للدولة العثمانية. تقابل الجيشان في يناير (كانون الثاني) 1681 في موسكوف الواقعة في قلعة شَهَرِين الكائنة في أوكرانيا.

كان الانتصار هذه المرة حليف العثمانيين، وهُزم أليكسي واضطر لتوقيع «اتفاقية شَهَرِين» التي تقضي بانسحاب الروس من كل المناطق التي سيطروا عليها. لم يبتلع الروس هذه الهزيمة فأعادوا محاولة الهجوم على أوكرانيا بعد خمسة أعوام، فأعاد العثمانيون هزيمتهم.

تاريخ

منذ 10 شهور
مترجم: أسطورة «رجل أوروبا المريض».. هذا ما أسقط الدولة العثمانية فعلًا

وقّع القيصر الروسي بطرس الأول مع العديد من الدول الأوروبية اتفاقًا عُرف باسم «الاتفاق المقدس». كان الاتفاق هو قتال الدولة العثمانية حتى الرمق الأخير عقابًا لها على التقدم نحو فيينا عام 1686. دخل القيصر الروسي في الاتفاق على وعدٍ أن يحصل على منطقتي أزاك والقرم المطلتيّن على البحر الأسود. خلال هذه الحرب الطويلة استطاعت روسيا أن تسيطر على منطقة أزاك، وظلت محتفظةً بها بعد هزيمة الدولة العثمانية عام 1700 واضطرارها لتوقيع اتفاقية سلام.

أغرى هذا النصر الروس بالتعمق أكثر، لكن هذه المرة كان الهدف خليطًا من الجغرافيا والدين. أرادت روسيا أن تسيطر على المناطق الأرثوذكسية الواقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية. هدفٌ نوعي وطريقة جديدة، إذ اختارت روسيا أن لا تتدخل عسكريًا وأن تكتفي بتحريض الأرثوذكس على الدولة العثمانية ليتمردوا.

عام 1710 هرب ملك السويد كارل السابع، إلى الدولة العثمانية مستغيثًا بها من الفتن التي يشعلها الروس. فأرسلت الدولة العثمانية جيشها لتُجبر الروس عسكريًا ومعنويًا على التوقف عن حربهم الباردة والعودة إلى حدودهم، واستعاد العثمانيون في العام نفسه منطقة آزوف وسيطروا على نهر بَروت الفاصل بين رومانيا ومولدافيا.

عندما سعى العثمانيون للانتقام.. فانهزموا

مرت الأعوام لكن العداء لم يتغير. ففي عام 1735 كونت النمسا حلفًا مع روسيا لاحتلال مناطق البلقان التي يسيطر عليها العثمانيون. لكن تركيا نجحت في هزيمة الحليفين طوال أربع سنوات، جولةً تلو الأخرى. لذا لم تجد النمسا بدًا من توقيع اتفاقية سلام في سبتمبر (أيلول) 1739 عُرفت بـ«اتفاقية بلجراد». ولأن القوة العسكرية هي من تحكم مفاوضات السلام فلم تحصل النمسا على أي شيء من خلال توقيع هذه الاتفاقية.

ضع 30 عامًا فوق آخر تاريخ مذكور، سوف تصل إلى العام الذي راسل فيه السلطان العثماني إمبراطورة روسيا كاثرين الثانية. الرسالة كانت قليلة الكلمات وواضحة المعنى، توقفي عن التدخل في شئون بولونيا الواقعة تحت الحكم العثماني. قرأتها كاترين الثانية إعلانًا للحرب، فأرسلت جيشها لحربٍ استمرت ستة أعوام بدأت عام 1768 وانتهت عام 1774.

هزيمة فاضحة كانت في انتظار العثمانيين، وضمت روسيا القرم وجنوب أوكرانيا لها. ولأن الهزيمة كانت موجعة فلم تكتف روسيا بسياسة الأمر الواقع، بل أجبرت السلطان عبد الحميد الأول لتوقيع «اتفاقية كوجوك كاينارجا» التي يُعلن فيها قبول تركيا بوجود روسيا في المناطق التي سيطرت عليها. وبموجب تلك الاتفاقية حصلت روسيا على أهم مكسب لها على الإطلاق، الإقرار بالقبول التركي لوجود أسطول بحري روسي دائم في البحر الأسود.

بعد 13 عامًا من انتهاء الحرب السابقة؛ دق العثمانيون طبول الحرب بعدما استغلوا، السنوات الثلاثة عشرة في ترتيب صفوفهم وتدريب جنودهم وشحذ سيوفهم، لكنهم هُزموا في الحرب التي ذهبوا إليها بمحض إرادتهم عام 1787، فكانت الهزيمة فادحة وموجعة.

راكمت هذه الهزيمة الجديدة الضعف العثماني والغرور الروس، لذا لم يكن من المستغرب توقيع تركيا على «اتفاقية لاشي» عام 1792. تلك الاتفافية التي أعلنت تركيا فيها تنازلها عن كامل الساحل الغربي لأوكرانيا على البحر الأسود.

روسيا مشغولة بنابليون.. لكن لا مانع من مباغتة الأتراك

يتغيّر التاريخ لكن العداء الروسي التركي ثابت. ففي عام 1806 قام السلطان العثماني بعزل الولاة الروس مولدافيا وفالاشيا، ما نتج عنه نشوب حرب جديدة. لكن هذه المرة كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابارت قد دخل على خريطة العالم، وخاف الروس أن يكونوا هم وجتهه القادمة. لذا لم يهدروا جهدهم أو وقتهم في قتال العثمانين، فهدأت المناوشات سريعًا.

في عام 1810، بدأت روسيا التجهيز لحرب وجود مع نابليون، لذا لا تجد أحدًا يتخيل أن تهاجم روسيا العثمانيين، ولا حتى الروس أنفسهم. ومن هنا قرر الجنرال الداهية كوتوزوف أن يخوض هجومًا خاطفًا وكاسحًا ضد الأتراك. بهجومين خاطفين استطاع كوتوزوف أن يجبر الأتراك على توقيع «اتفاقية بوخاريست» عام 1812، والتي تنازلت تركيا بموجبها عن كامل منطقة بيساريا لصالح روسيا.

بإضافة هذه الاتفاقية إلى ما سبقها ضمنت روسيا الساحل الشمالي للبحر الأسود كاملًا. لكن هذا لا يعني نهاية الحروب، فمعارك بسط النفوذ هيّنة إذا ما قُورنت بمعارك الحفاظ عليه.

عام 1828 قامت روسيا بدعم استقلال اليونان عن الدولة العثمانية. حاول السلطان العثماني محمود الثاني أن يقضي على التمرد اليوناني وعلى الدعم الروسي له. لكن الشيخوخة كانت قد بدأت تدب في جسد الدولة العثمانية المترهل، فلم يستطع السلطان أن يحقق هدفه.

بل حدث العكس تمامًا، في 29 سبتمبر 1829 اُضطر السلطان إلى توقيع «اتفاقية أدرنة» التي قَبل فيها استقلال اليونان رسميًا، وزيادةً على ذلك رضخ لطلب وجود أسطول روسي دائم على السواحل اليونانية. واعترفت تركيا بسيادة روسيا على أرمينيا وأجزاء من جورجيا.

بريطانيا وفرنسا تتدخلان لتحجيم الروس

عام 1853 طالب الروس بالوصاية على الأثوذكس في كامل الدولة العثمانية. هنا تدخلت بريطانيا وفرنسا للحد من الطموح الروسي الذي يمتد بلا نهاية، وتحالفًا مع الدولة العثمانية. بدأت الحرب عام 1853 لمدة ثلاث سنوات تلقت فيهم روسيا هزائم متتابعة انتهت بتوقيع «اتفاقية باريس» عام 1856. لكن الدب الروسي يظل مهابًا حتى وهو جريح، لذا لم تخسر روسيا ما يُذكر وظلت محتفظةً بغالب المناطق التي انتزعتها من الإرث التركي.

هذا الجرح البسيط أهان الدب الروسي فقرر الانتقام، حرب أخيرة إما روسيا أو تركيا، لا احتمالية بعدها لحربٍ أخرى. الحرب التي اختصتها الخارجية الروسية بالذكر دون سائر الحروب السابقة، أعلنها القيصر الروسي الإسكندر الثاني عام 1877. سماها القيصر بالحرب المقدسة، لأن هدفها المعلن كان تقديم روسيا حامية للمواطنين المسيحيين الموجودين تحت راية الدولة العثمانية.

تحالفت روسيا مع صربيا، وثالثهما المتمردون على الدولة العثمانية في البوسنة والهرسك وبلغاريا. هاجم الروس بلغاريا وتقدمت قواتهم حتى مدينة أدرنة الواقعة على الحدود بين اليونان وبلغاريا. شق الروس الأراضي العثمانية بالكامل، إهانة مرعبة وهزيمة مدوية، ثم جلوس على طاولة المفاوضات.

لكن جلوس الضعيف المهزوم ليس كجلوس القوي المنتصر، فالأول يُوقع دون نقاش على بنود المعاهدة التي وضعها الثاني. بهذا التوقيع على «معاهدة سان ستيفانو» تنازلت تركيا عن رومانيا وصربيا والجبل الأسود، وحصل كل هؤلاء على استقلالهم عن الدولة العثمانية. أما البوسنة والهرسك فقد حصدا حكمًا ذاتيًا، كذلك فعلت بلغاريا، مع بقائها تحت الوصاية الروسية.

صحيح أن «معاهدة سان ستيفانو» تم استبدالها بـ«معاهدة برلين» عام 1878، لكن الاستبدال لك يكن أفضل. الإمبراطورية النمساوية المجرية وبريطانيا العظمى اعترضا على حجم النفوذ الروسي والرقعة الشاسعة التي ظفر بها الروس. وأجبراها على التخلي عن العديد من الأراضي التي غنتمها من الدولة العثمانية ومنحْها استقلالها دون وصاية. بالفعل قبلت روسيا، دون أن تعترض الدولة العثمانية أو تقبل.

طرفا الدائرة يلتقيان من جديد..

معركة بلغاريا كانت آخر المعارك كما أراد لها الروس، لكن بضع مناوشات حدثت إبان الحرب العالمية الأولى. في أكتوبر (تشرين الأول) 1914 شنت البحرية العثمانية هجومًا مباغتًا على الأسطول الروسي المتواجد في البحر الأسود. فرد الجيش القوقازي الروسي بالسيطرة على العديد من المناطق الحدودية للدولة العثمانية.

رأى بعض قادة العثمانيين الانتظار حتى انتهاء الشتاء ليستطيع جنودهم مقاتلة الروس دون أن يكونوا تحت رحمة البرد القارس. لكن وزير الحرب العثماني أنور باشا، رفض الاقتراح وقرر أن يفاجئ الروس بحرب في الشتاء. بإصرار أنور باشا اضطر الجنود للمرور عبر طرقات صخرية وعرة غمرتها الثلوج، وصعدوا مرتفعات جبلية وجليدية ترتفع لأكثر من ألفي متر حاملين فوق ظهورهم عتادهم العسكري.

النتيجة الطبيعة لهذه الظروف الجديدة والقاسية كانت أن يعاني الجنود نقصًا فاضحًا في الغذاء. وفصلت الثلوج القوات العثمانية عن بعضها البعض فباتت هدفًا سهلًا للروس وخسر العثمانيون عشرات الآلاف من الجنود، فقد بدأوا الحملة القوقازية بـ120 ألف جندي وأنهوها بـ20 ألفًا فقط. منهم 30 ألف جندي فارقوا الحياة تجمدًا بسبب البرد القارس.

بذلك غُلقت دائرة الحديث الذي بدأ بذكر اتفاقية قسطنطينة عام 1914 وانتهت بالقتال الذي دفع الأتراك لتوقيعها، وبينهما 15 حربًا ومناوشة بين الطرفين. لكن إغلاق دائرة الحديث لا يعني أن الصراع التركي الروسي وصل إلى نهايته، بل ليس من التشاؤم القول أنه لن يصل إلى نهاية، فصراع الطرفين يبدو أنه لن ينتهي أبدًا، ما بقيا.

تاريخ

منذ 7 شهور
الصراع العثماني الصفوي.. حرب السنة والشيعة الدموية التي استمرت 100 عام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد