بين ليلة وضحاها تبدل موقف السلطة الفلسطينية حيال إيران وسياساتها في المنطقة العربية والإقليمية، لتبدأ جولتها الأولى منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م مطلع العام الجاري لتثبيت الدعم الرسمي الفلسطيني لإيران.

السلطة والتي كانت تنظر لإيران خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الثانية أنها الحاضن الرسمي للمقاومة، وتحديدًا في قطاع غزة، ممثلة بحركة “حماس” العدو الأقرب إليها، لم يرق لها أفق التعاون المالي والعسكري الإيراني لفصائل المقاومة، لكنها فتحت صفحة جديدة من العلاقات مع إيران، عبر تقديمها مؤخرًا اعتذارًا رسميًّا لموقفها المؤيد لـ”عاصفة الحزم” التي تقودها السعودية ضد معاقل الحوثيين في اليمن مارس الماضي.

فضلًا عن نيتها زيارة الجمهورية الإيرانية لتأكيد الدعم الفلسطيني لها، حيث أرسلت السلطة كتابًا يوحي بالزيارة لإيران، لكن الأخيرة لم تؤكد بعد، على الرغم من التصريحات التي تواترتها بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية برفض إيران لها.

أولًا: ما أبعاد زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى إيران؟

مؤخرًا كشف عباس أنه سيزور إيران، دون تحديد موعد الزيارة، أو الاتفاق على موعدها، فرحبت الأخيرة بإقامة علاقات ثنائية بين البلدين، خاصة بعد مباركة السلطة الفلسطينية توقيع اتفاق إيران الأخير.

وبالتالي، فإن طلب الزيارة لم يأتِ من فراغ، حيث دفع السلطة إلى ذلك حسب محللين هو تقديم “عباس” اعتذارًا رسميًّا لإيران بسبب موقف سلطته من عملية “عاصفة الحزم” في اليمن، حيث بادرت – السلطة- إلى احتواء الموقف في ظل جملة من التحديات التي تعصف بها، ومنها الأزمة المالية.

ويشار في السياق نفسه، أن “عباس” خلال اجتماعه بالقيادة في الضفة المحتلة كان قد أعلن تأييده عاصفة الحزم التي تقودها السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن مضطرًا، رغم أنها لا تتوافق مع سياسة السلطة الفلسطينية.

وشكك المراقبون والمتابعون للشأن الفلسطيني بنوايا عباس التي جاءت على وقع التقارب الحمساوي السعودي الذي جرى مؤخرًا، واعتبروا كذلك بأنها محاولة لاستثمار ورقة الخلاف الإيراني مع المملكة للضغط عليها بعد المضي قدمًا في تحسين علاقتها مع “حماس” مؤخرًا.

وبالتالي، فإن “عباس” يحاول من خلال الزيارة استثمار ما يعتقد بأنها خلاف بين” إيران وحماس”، على خلفية الملفات السياسية في المنطقة، وموقف الحركة من الضربة العسكرية لمعاقل الحوثيين في اليمن من قبل السعودية ودول أخرى مارس الماضي.

في المقابل، تناقلت وسائل إعلام فلسطينية محلية نقلًا عن موقع “الرسالة نت” خبرًا أن مساعد رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية حسين شيخ الإسلام أكد رفض حكومته طلب السلطة بزيارتها.

وأن السلطة تقدمت بأكثر من طلب لزيارتها غير أن إيران لم تقبل، ومن ثم أعادت الطلب مرة أخرى ولم ترد عليها بشكل إيجابي، حيث إن الحديث عن ترتيبات لزيارة عباس إلى طهران بـ”الكاذبة”.

تصريحات المسؤول الإيراني، دفع البعض من قيادات السلطة إلى نفيها، وأن الحديث الجاري مع إيران بخصوص تفاهمات لإنشاء سفارة لطهران في الأردن أو مصر، لأن الجمهورية لا تعترف بإسرائيل، وليس زيارة قادمة.

ومن المتعارف عليه أن الأردن ومصر لا يقيمان من حيث المبدأ علاقة سياسية مع إيران، ما يثير الشك حول حقيقة الموقف الرسمي الذي تتحدث به السلطة، بيد أن طرفًا في السياسة الإيرانية لن يجعل الباب مواربًا مع فتح، ولن تغلقها في وجهها، كونها حريصة في ضم كل هذه الأطراف في علاقتها.

بيد أن مختصين في الشأن الإيراني، يرون أن أي لقاء مع السلطة على نهجها الحالي قد يضر بسمعتها، إذ إن السلطة لا تخفي معاداتها للمقاومة أي علاقة ستقيمها إيران مع السلطة لن تتخطى حدودها الضيقة، لوجود خلاف جوهري في الرؤية السياسية لكل منهما.

لذلك، فإن العقل السياسي لدى إيران لا يستوعب اللعب على التناقضات في الساحة الفلسطينية، وهي تفضل دائمًا دور اللاعب الذي تمثلها المقاومة الفلسطينية، في إشارة واضحة إلى تعامل السلطة بهذا النهج.

ثانيًا: ما طبيعة العلاقات بين إيران والسلطة الفلسطينية؟

لكن العلاقات شهدت سوءًا عقب توقيع منظمة التحرير اتفاقية أوسلو مع إسرائيل عام 1993.

والجدير ذكره أنه حينما ثار الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني ضد نظام شاه إيران العام 1979، استبشر الفلسطينيون خيرًا، واستقطبت الثورة الإيرانية تأييد الشعب الفلسطيني، وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات “أبو عمار” من أوائل المؤيدين لهذه الثورة.

وبالنسبة للفلسطينيين، والعديد من الشعوب العربية، شكلت الثورة الإيرانية بعد أقل من عام على الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وخمسة أشهر فقط على توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل، تطورًا نوعيًّا في موازين القوى على المستوى الإقليمي في مواجهة سياسات إسرائيل.

ويذكر أن “عباس” زار إيران في عام 2012، ضمن إطار مشاركة السلطة الفلسطينية في مؤتمر دول عدم الانحياز، وحينها لم تدع إيران حركة “حماس” التي تدير قطاع غزة إلى المؤتمر، بناء على موقفها من الصراع الجاري في سوريا آنذاك.

ثالثًا: كيف تابعت إسرائيل حديث زيارة السلطة إلى إيران؟

وتتهم إسرائيل السلطة الفلسطينية بازدواجية في الموقف، حيث يقولون شيئًا ويقولون ضده، فمن جهة يقولون إنهم يريدون السلام، ومن ناحية ثانية يتخذون بشكل دائم خطوات أحادية تحمل رسالة معكوسة، وهو ما يفسر موقفها الحالي من إيران، والمختلف كليًّا عن السابق.

رابعًا: هل لتوقيع اتفاق إيران الأخير أثر على الملف الفلسطيني؟

وزاد أيضًا توقيع الاتفاق من ثقة إيران بنفسها، إذ ستتصرف كدولة إقليمية يُحسَب لها ألف حساب، كما أنها ستحسب الأمور جيدًا قبل الإقدام على أية خطوة تُغضب الغرب، حتى لا تخسر ما جنته من الاتفاق، بما في ذلك وجود مصلحة لإيران في تهدئة الجبهات مع إسرائيل، سواء في قطاع غزة، أو لبنان، أو حتى الجولان.

وثمة من يرى أنه قد تستمر العلاقات المتوترة مع بعض الدول الخليجية مثل السعودية، غير أن الانفتاح المصري والإماراتي، والفلسطيني على تحسين العلاقات مع طهران، إضافة للمصلحة المشتركة في مواجهة خطر التيارات المتطرفة، مثل “داعش”، قد يؤدي إلى مساومات بين دول جامعة الدول العربية.

طرف آخر يراهن بعد طي صفحة الملف النووي الإيراني على الاهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي و”عملية السلام” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هذا إن لم يتم تفجير قضايا جديدة مثل تصعيد الوضع الأمني في السعودية أو مصر.

غير أن المؤشرات في الحراك الأوروبي الراهن لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وانشغال إدارة أوباما بملفات سوريا والعراق وغيرهما، إضافة إلى نقل نتنياهو المعركة إلى الكونغرس، تعزز الاستنتاج بأن إدارة الصراع وليس حله ستكون عنوان المرحلة الراهنة.

وسوف تفضل إيران سيناريو استمرار العلاقة وفق منسوب يخدم مصالحها مع حركات المقاومة، وبما يلبي عدة أهداف مشتركة مختلفة، على رأسها المصلحة المشتركة للطرفين في مواجهة خطر تنظيم “داعش”، سواء في قطاع غزة أو المنطقة.

إلى جانب المحافظة على علاقتها مع هذه القوى كورقة احتياطية في حالة تعثر تنفيذ الاتفاق مستقبلًا، وللضغط على إسرائيل، وكما أن من مصلحة إيران عدم قطع العلاقة مع الأطراف الفلسطينية حتى لا تذهب هذه الأطراف بعيدًا إلى المحور السني.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد