أحمد الدباغ

15

أحمد الدباغ

15

1,828

مع استعار الحرب في مدينة الموصل –مركز محافظة نينوى العراقية- والتي كانت قد بدأت في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إيذانًا ببدء عمليات «قادمون يا نينوى»، التي ترمي من خلالها الحكومة العراقية لاستعادة مدينة الموصل من قبضة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) الذي كان قد سيطر عليها في يونيو (حزيران) من عام 2014، بدأت فصول معاناة المدنيين حتى باتت هذه المعاناة والمآسي تقسم إلى أنواع، وتتخذ أشكالًا متعددة. دفن الموتى في البيوت وفي الساحات العامة كان جزءًا من هذه المعاناة خلال المعارك التي ما تزال مستمرة في الجانب الغربي من المدينة.

أم عبد الرحمن فقدت ولدها عبد الرحمن ذا الـ17 ربيعًا في هذه الحرب، إذ قُتل بقذيفة هاون في حي الزهور بعيد استعادة القوات العراقية الحي من قبضة التنظيم.

تقول أم عبد الرحمن وعيناها تذرفان الدمع بعد أكثر من شهرين على فقدانها لفلذة كبدها –إذ إن منطقتهم تم استعادتها من الجانب النظامي العراقي في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي- إنها وزوجها اضطُرَا لدفن ولدهما في حديقة المنزل، وتضيف أيضًا أنه لم يكن باستطاعتهما دفن ولدهما في المقابر التي اعتاد الموصليون أن يدفنوا موتاهم فيها، فمقبرة الجانب الأيسر التي تدعى مقبرة التلفزيون، المجاورة لحي القدس، لم تكن القوات الأمنية حينها قد استعادت السيطرة عليها من قبضة التنظيم، وكان هناك حظر تجوال، فاضطر الأهل  لدفنه في حديقة المنزل.

وأضافت أم عبد الرحمن أنه وبعد سيطرة القوات العراقية على كامل الجانب الأيسر، قام والد عبد الرحمن برفع جثمانه ودفنه في مقبرتهم الخاصة، وفي تلك اللحظة عادت الأحزان مرة أخرى وكأنه قتل للتو.

عبد القادر الملاح رجل طاعن في السن من حي النور، يقول ولده الأكبر طه إن والده توفي إثر نوبة قلبية مفاجئة أثناء المعارك بين القوات العراقية وتنظيم الدولة، وأنهم وبعد تردد وإكرامًا لأبيهم اضطروا لدفنه في حديقة منزلهم الخلفية على عجل؛ خشية تعرضهم لقصف جوي أو قذيفة هاون.

يضيف طه أنه وبعد استتباب الأوضاع وتأمين مقبرة الجانب الأيسر «التلفزيون»، قام هو وذووه باستخراج جثمان والده وإعادة دفنه في مدفنهم الخاص، وأنهم باشروا الإجراءات القانونية لاستحصال شهادة وفاة لوالده.

وعن عدد من دفنوا خارج المقابر أثناء الحرب، يقول الدكتور ثائر الجواري لـ«ساسة بوست»، وهو مدير مركز الزهراء الصحي بالإنابة، إذ يعد هذا المركز المستشفى الميداني الوحيد في الجانب الأيسر من الموصل، بعد أن خرجت جميع المستشفيات الحكومية والأهلية عن الخدمة بفعل تضررها نتيجة القصف الجوي والمعارك: «لا توجد لدينا إحصائية أو رقم محدد لعدد المدفونين في المنازل أو خارج المقابر المحددة، فعملنا في المركز بدأ بعد استعادة القوات الأمنية السيطرة على الجانب الأيسر، ولا علاقة لنا بالأمر».

فاجعة أخرى في حي الخضراء حيث يوجد قبر جماعي يضم رفاة 21 موصليًّا دفنوا جنبًا إلى جنب في فناء أرض فارغة بين المنازل، يقول عادل سمير قريب إحدى الضحايا لـ«ساسة بوست» وهو من سكان الحي -شقق الخضراء- إن أحد عناصر «تنظيم الدولة» كان يقود عربة مفخخة على مقربة من مجموعة الشقق السكنية المنكوبة، وكان يروم بها استهداف القوات العسكرية العراقية في الجهة المقابلة للشقق، وفجأة استهدفت طائرة حربية السيارة المفخخة هذه فانفجرت، ونتيجة للقصف وانفجار المفخخة هُدِمَت عدة عمارات سكنية، وسقطت على رؤوس أصحابها.

يضيف عادل أن عدد من كان في مجموع هذه الشقق يصل إلى 48 شخصًا بينهم أطفال، وأن السكان اضطروا للنزوح إلى مناطق بعيدة عن المواجهات عقب تأمين القوات العراقية ممرًا لإخراجهم من المنطقة، وفور عودتهم إلى المنطقة بعد قرابة الشهرين اتصلوا بعدة جهات حكومية لانتشال الجثث من تحت الأنقاض؛ إذ إن رائحة الموت كانت تفوح في كل مكان، ولم تستطع فرق الإنقاذ والدفاع المدني انتشال سوى 21 شخصًا، أما البقية، كما يضيف عادل، فلم يُعثر إلا على بقايا رفاة غير مكتملة لهم لشدة الانفجار، ونتيجة لطمرهم بآلاف الأطنان من الأنقاض.

وعن الوضع النفسي الذي يرافق من عاش هذه الحالة، يقول حسين الطائي لـ«ساسة بوست»، وهو أخصائي نفسي ولديه عيادة خاصة لعلاج الأمراض النفسية، إن اضطرار الناس إلى دفن ذويهم في حدائق المنازل، أو في الساحات العامة يؤدي إلى أزمات نفسية غالبًا ما تكون مزمنة، فعادة ما يؤازر الأقارب أهل المتوفى ويخففون من حزنهم، لكن في هذه الحالة يكون أهل المتوفى لوحدهم، إضافة إلى أن الدفن في مناطق بعيدة عن عين الأهل، أي في المقابر يخفف عن أهل المتوفى أو القتيل، إذ إن عامل النسيان يلعب دورًا مهمًا في تخفيف الأحزان.

وعن الآثار النفسية الآنية والمستقبلية نتيجة هذه الحالة يضيف حسين أن الصدمة النفسية قد تكون ملازمة للشخص المعني مدى الحياة، إضافة إلى خلل في السلوك اليومي، والشرود الذهني، فضلًا عن الكوابيس واضطرابات النوم التي ترافق من اضطر إلى دفن ذويه في حديقة منزله، وأضاف حسين أن أفضل الطرق الناجعة للتخلص من هذه الآثار، أو تخفيف وطأتها هي ترك المنزل والحي الذي جرى فيه ما جرى، وأن يحاول الشخص جاهدًا ألا يذهب إليه حتى يفعل عامل النسيان الذي له الدور الأكبر في علاج مثل هذه الحالات.

بعد اكتمال تحرير الجانب الشرقي من الموصل، والمعروف باسم الجانب الأيسر، وبدء عمليات الجانب الغربي من المدينة، والمعروف باسم الجانب الأيمن، انتقلت عدوى المعاناة من أيسر المدينة إلى أيمنها لتفجر معاناة أخرى أشد إيلامًا ربما من سابقتها.

«سعيد الحظ من يستطيع دفن ذويه في حديقة المنزل» هذا ما قاله الحاج أبو عمر لـ«ساسة بوست» وهو يبكي حرقة، لم نستطع خلالها إكمال لقائنا معه إلا بعد أن استعاد هدوءه.

يقول أبو عمر وهو من سكنة حي النبي شيت في الجانب الغربي من الموصل، وقد استطاع الوصول إلى الجانب الأيسر بعد عناء شديد، إن اثنين من أفراد عائلته قتلا نتيجة ضربة جوية استهدفت الجزء الخلفي من منزله الذي سوِّي بالأرض، فقتل ابنه عمر وحفيده علي، ويضيف أنه ولعلمه باستحالة خروجه من المنزل نتيجة المعارك الطاحنة في الحي المجاور بين قوات الأمن العراقية، وعناصر «تنظيم الدولة»، قرر حفر قبر يضم رفات ولده وحفيده، لكن مشكلة أبي عمر أن ولده وحفيده ما زالا تحت الأنقاض، ولم يستطع انتشالهما على حد قوله، وكان منتظرًا وصول قوات الأمن لمساعدته في ذلك.

يضيف أبو عمر أنه عند تحرير منطقتهم بعد يومين من المعارك الشرسة أمرت قوات الأمن السكان بإخلاء المنطقة فورًا نتيجة قصف التنظيم للمنطقة بقذائف الهاون، فقد قال أحد الجنود لأبي عمر عندما طلب الأخير منه مساعدته: «عمي الحي أولى من الميت، انفذ بجلدك والله يعينك وعتشوف الهاونات»، ليفجع أبو عمر بفقدان ولده وحفيده اللذين ما زالا تحت الأنقاض.

وعن الموقف الحكومي، قال حسن العلاف نائب محافظ نينوى لشؤون التخطيط لـ«ساسة بوست» إنه لا توجد إحصائية لمثل تلك الحالات، وفيما يخص استخراج بيان وثيقة وفاة للميت، فإنه يتم من خلال الدفاع المدني والمحاكم، إذ يبت القاضي في الأمر من خلال جلب شهود يشهدون بوفاة الشخص المعني.

لا توجد إحصائية لعدد الذين دفنوا خارج المقابر أثناء الحرب، ولم تستطع أية جهة حكومية إعطاء أي رقم تقريبي. يقول مدير منظمة الحياة الإنسانية المحلية عماد الشمري لـ«ساسة بوست» إنهم قاموا بإجراء مسح ميداني لغالبية أحياء الجانب الأيسر من الموصل، وأن الحالات التي توصلوا إليها تصل إلى 235 حالة، اضطر أهل الموصل فيها إلى دفن ذويهم في حدائق المنازل، أو في الساحات العامة، وهذا الرقم للجانب الأيسر من الموصل فقط.

وعن الوضع القانوني فيما يتعلق باستحصال شهادات الوفاة لمثل هذه الحالات، يقول محمود العلي، وهو محامي اختصاص في الأحوال الشخصية يعمل في محكمة الحمدانية، إنه يتوجب على ذوي الضحية رفع دعوى قضائية في محكمة الحمدانية -المحكمة الوحيدة القريبة من مركز الموصل- لإثبات وفاة الضحية واستحصال شهادة وفاة له، هناك حالتان: الأولى الوفاة الطبيعية، وتتطلب إحضار الشهود وتثبيت شهاداتهم لدى مركز الشرطة، ثم تحول الدعوى للقاضي مرة أخرى لإغلاق القضية وتوجيه كتاب إلى دائرة الأحوال الشخصية لاستخراج شهادة وفاة، أما الحالة الثانية فهي من مات نتيجة الحرب، أو متأثرًا بها، وفي هذه الحالة وإضافة إلى الإجراءات السابقة يتم التثبت من الأمر ميدانيًّا لإثبات الحق لذوي المتوفى، وضمان حقهم في حال تعويضهم مستقبلًا.

لم يعلم الموصليون فيما سبق أن لحدائق المنازل وظيفة أخرى غير الوظيفة الجمالية، لكن الحرب علمت الناس ما لم يكن يخطر على بالهم في يوم من الأيام.

تعليقات الفيسبوك