على مدار السنوات الماضية، نجحت قطر في نسج شبكة من النفوذ داخل الأراضي الفلسطينية عبر علاقات شخصية مع الفصائل الفلسطينية، وكذلك مع مسؤولين إسرائيليين؛ لتصبح أحد الأطراف المؤثرة على أي مصالحة في الداخل.

أحد الوجوه التي منحته قطر الصلاحيات الكاملة لمتابعة هذا الدور هو محمد العمادي، المهندس القطري، الذي أجاد عبر قدرات مالية ودبلوماسية كبيرة أن يجعل دولته الصغيرة ذات تأثير في ملف إقليمي مهم، منافسًا بذلك عددًا من الدول العربية.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى خلفية العمادي، وما هي مؤهلاته التي جعلته أحد أهم الشخصيات المؤثرة في الداخل الفلسطيني، والتي بدورها جعلت جاريد كوشنر، صهر ترامب، ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط يلتقيه في منزله بالدوحة خلال زيارته الشرق الأوسط، آملًا أن يكون رأي العمادي الذي يعرف غزة وإسرائيل جيدًا، عاملًا مساعدًا في تسوية القضية الفلسطينية وصفقة القرن.

 

«دفاع مرِن وهجمات مرتدة»: تعرف على خطة قطر للالتفاف على الحصار الخليجي

محمد العمادي.. تلميذ حمد بن جاسم الذي يعرف من أين تؤكل الكتف

باعتباره مواطنًا قطريًّا، منتميًا لكبرى العائلات، بدأ محمد العمادي مسيرته المهنية مهندسًا معماريًّا بقسم المشاريع في بلدية الدوحة عام 1983. لم يتعامل العمادي مع عمله على أنه وظيفة حكومية مستقرة، يظل فيها أبد الدهر؛ بل رسم رؤية وصمم سياسات كسرت التقاليد المعروفة للوظيفة الحكومية في عالمنا العربي، وتنقل بين أكثر من وظيفة باحثًا في كل موقع تولى فيه المسؤولية عن حلول غير تقليدية للأزمات التي يعيشها.

Embed from Getty Images

حمد بن جاسم خلال حضوره أحد المؤتمرات الرسمية

شاءت الأقدار أن يصبح حمد بن جاسم، رئيس الوزراء القطري السابق، المسؤول الأول والمُشرف على مهام أعمال العمادي الهندسية في عمله الحكومي؛ ليكتشف موهبته الاستثنائية، وقدرته على الإقناع والسرد التي تؤهله للعمل دبلوماسيًّا حتى يعمل إلى جانبه في بداية التسعينيات، ويصير أحد رجالاته لتصميم سياسة خارجية فاعلة للدولة الصغيرة.

كانت الظروف آنذاك مهيأة لهذا الأمر؛ بعدما بات حمد بن جاسم هو الشخص الذي وثق فيه أمير قطر السابق، ومنحه الصلاحيات المفتوحة للبحث عن ولاءات من داخل قطر، يثق بهم وتتقاطع أفكارهم بشأن بلاده معه، وينجح معهم في تثبيت حُكمه، وتنفيذ سياساته نحو نقلة نوعية لبلاده.

كان العمادي أحد الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار من جانب ابن جاسم لتصميم السياسات الخارجية للدولة الخليجية، بما ينقلها من مرحلة الكمون إلى كونها رقمًا صعبًا في تشابكات السياسة العربية والإقليمية، وفاعلًا رئيسيًّا في المشاكل الإقليمية للبلاد.

هجر العمادي العمل الهندسي ومواقع المعمار إلى السلك الدبلوماسي وميادين المناورة الدبلوماسية بحثًا عن دور أكبر لبلاده في الملفات الخارجية؛ وهو ما تحقق في مساحة النفوذ التي أوجدها العمادي لبلاده في الملف الفلسطيني، بعدما منحه ابن جاسم الصلاحيات الكافية للتحرك في هذه القضية.

تبلور هذا الدور عام 2012، بعدما نال درجة السفير، وترأس العمادي لجنة إعادة إعمار غزة، وهي لجنة منبثقة عن وزارة الخارجية القطرية، تأسست في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تقوم بإدارة منحة مالية تبلغ قيمتها 407 ملايين دولار أمريكي، بالإضافة إلى منح قطرية أخرى، والتي تُعد إحدى وسائل الدولة الخليجية لنسج شبكة نفوذ سياسي في الداخل الفلسطيني.

إلى جانب عمله الدبلوماسي؛ مارس العمادي أعماله التجارية الخاصة مثل إدارة شركة والده التي أسسها منذ الخمسينيات؛ لتصبح واحدة من كُبرى شركات المقاولات في الدوحة، والمتخصصة في قطاع العقارات السكنية والتجارية، وتحظى بدعم رسمي، واحتفاء من جانب السلطات الرسمية بأعمالها.

 

الشيخ «حمد بن جاسم».. مُهندس سياسة قطر الإقليمية يعود من جديد

وبحسب مقابلة للعمادي مع الباحث الأمريكي سايمون هندرسون، مدير «برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة» في معهد واشنطن للأبحاث، فإن العمادي «يتمتع بموهبة فطرية للسرد، وغالبًا ما يذكر أسماء معارفه من الشخصيات الشهيرة أثناء الحديث».

مُهندس سياسة قطر في فلسطين: صديق إسرائيل وحماس

ارتكزت استراتيجية العمادي على خلق نفوذ لبلاده في القضية الفلسطينية على أكثر من مُحدد، منها إعادة توظيف الأموال المدفوعة من جانب بلاده، واستخدامها لخلق دور أكثر فاعلية في القضية الفلسطينية، فضلًا عن مد قنوات الاتصال مع مسؤولي إسرائيل، ونسج علاقات شخصية مع الكثير منهم.

Embed from Getty Images

السفير القطري مع السيد إسماعيل هنية خلال افتتاح أحد المشروعات التنموية

 

أما المحدد الثالث في استراتيجية المهندس القطري هو احتضان حركة حماس الفلسطينية من خلال تقديم الدعم المالي للحركة، وترسية مشاريع تتبع اللجنة القطرية على رجال أعمال منتمين للحركة، إلى جانب استقبال عدد من قادتها ممن يواجهون عقوبات سياسية مثل خالد مشعل، زعيم الحركة السابق.

وقد شكل العامل الأول تأثيرًا كبيرًا في زيادة فاعلية الدور القطري؛ خصوصًا في ظل وصول عدد المشروعات المنشأة في فلسطين بأموال قطرية إلى 110 مشروعات، و4800 شقّة سكنية، وشوارع (تشمل تشييد طريق سريع يبلغ طوله 28 كم بين مدينة رفح على الحدود مع مصر ومدينة غزة)، ومستشفى إلى جانب إنشاء مدينة حمد السكنية، والتي تضم 2300 وحدة سكنية، تبلغ مساحة كلّ منها 120 مترًا مربعًا، وتكلفة الوحدة 48 ألف دولار، بما في ذلك البنى التحتية.

إلى جانب المشاريع التنموية التي تظل نافذة قطرية مؤثرة في الداخل الفلسطيني؛ شكلت مُساهمة العمادي في إدخال مواد البناء مثل الأسمنت، والتكفل بدفع رواتب العاملين في القطاع إحدى أدوات التأثير القطري في الملف الفلسطيني.

لا يقف الدور القطري على المشاريع التنموية؛ إذ نجح العمادي عبر قدراته الدبلوماسية في نسج صلات نافذة مع عدد من قادة حماس، وهو ما يظهر دومًا في حرص قادة الحركة على استقباله بالورود، ومرافقته في جولاته التفقدية للمشروعات.

بالتوازي مع ذلك، حرص على تعزيز صلاته مع مسؤولين إسرائيليين؛ ليصير أشبه بالزائر الدائم لتل أبيب والقدس في كل زياراته لقطاع غزة؛ وصديقًا شخصيًّا لهم، مثل صداقته مع المنسق السابق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، الجنرال مردخاي، الذي يُعد من أصدقائه القدامى.

رغم تعنته في صفقة القرن.. لماذا تصر إسرائيل على كسب ودِّ الأردن؟

 

ولا يعبأ العمادي بالنقد من جانب البعض حول علاقاته بمسؤولين إسرائيليين، ويبررها قائلًا: «كنت دائمًا أقوم بنقل رسائل بينهم حول الحاجة لرفع الحصار عن غزة، والتنسيق من أجل (تسهيل) عملنا في غزة لتخفيف التوتر بين الجانبين».

هذه العلاقة التي نجح في نسجها مع حماس وإسرائيل سعى لتوظيفها في تقديم نفسه دومًا في دور الوسيط، والتي انعكست على اكتساب الدولة الخليجية الصغيرة نفوذًا واسعًا في الملف الفلسطيني، وباتت وجهة الدول الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية للتنسيق في التفاهمات التي تتعلق بمصير القضية الفلسطينية على مدار السنوات الماضية، خصوصًا في ظل غياب مصر بسبب الاضطرابات الداخلية التي عاشتها، قبل أن تستعيد الأخيرة جزءًا من هذا النفوذ الغائب.

وتجلت أدوار هذه الوساطة في نقل الرسائل غير المباشرة بين المقاومة وإسرائيل منذ 2013، بعد أن تأزمت العلاقة الفلسطينية- المصرية، أو نقل رسائل تهديد من جانب إسرائيل للمقاومة، فضلًا عن توسط العمادي للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس.

يرسم العمادي في مقابلة مع قناة الجزيرة، طبيعة أدواره التي يُعبر فيها عن سياسة بلاده، قائلًا: «الرسائل التي كنا ننقلها بين حماس والإسرائيليين هي الرسائل الصحيحة. تتمتع قطر بمصداقية لدى كلا الجانبين وتحظى بالاحترام بسبب ذلك، بيد أن المصريين يتمتعون بوضع قوي لأنهم يسيطرون على الحدود مع غزة وبدونهم، لا يمكنك تحقيق أي شيء».

 

جاريد كوشنر.. باب الخروج من البيت الأبيض ينتظر «الطفل المعجزة»

 

قدرات العمادي على التواصل بين حركة حماس والإسرائيليين، وإجادة نسج علاقات نافذة مع كلا الطرفين جعلته محطة مهمة لجاريدة كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، وجيسون غرينبلات، كبير مسؤولي البيت الأبيض، في المفاوضات خلال زيارتهما الشرق الأوسط لبحث ترتيبات صفقة القرن؛ ليزورا الاثنان العمادي في منزله بالدوحة، آملين في الوصول إلى صيغة مناسبة لتسوية القضية الفلسطينية، والاستماع لرأيه قبل إقرار أي واقع على المنطقة.

 

جولة للسفير القطري داخل غزة

 

ويضطلع العمادي بدور أكبر في الصمود أمام أي محاولات من جانب دول على خلاف مع الدوحة في الانتقاص من مهامها أو إفساد أدوارها، مثل مصر والإمارات اللتين تحركتا نحو استبدال الدور القطري بالإماراتي في تقديم المنح المالية، وتمويل المشاريع التنموية داخل قطاع غزة، في جولة المصالحة التي قامت القاهرة برعايتها منذ شهور بعد قطع العلاقات مع الدوحة؛ بيد أن التحرك القطري كان سريعًا لوقف هذا الأمر عبر زيارة نائب رئيس لجنة إعمار قطر لغزة، في شهر سبتمبر (أيلول)، وزيارة رئيس اللجنة محمد العمادي في شهر يوليو (تموز)، فضلًا عن التنسيق مع حماس لتحجيم النفوذ الإماراتي في الداخل الفلسطيني.

كانت آخر محطات العمادي في تثبيت دور قطر في المصالحة التي تُشرف عليها السلطات المصرية بالاشتراك مع قطرـ هو إطلاق مُقترح حول دخول 5 آلاف عامل من غزّة للعمل في إسرائيل، مقابل وقف الطائرات الورقيّة الحارقة، وتخفيف التوتّر عند السياج الحدوديّ مع غزّة؛ وهي المبادرة التي وجدت قبولًا وترحيبًا من الجانب الفلسطيني والإسرائيلي؛ ولا زالوا يتباحثون في آليات تنفيذ هذه المُبادرة.

 

هل باتت الإمارات الأكثر نفوذًا داخل البيت الأبيض؟

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!