ميرفت عوف 5
ميرفت عوف 5

1,364

لم يخل العقدان الأخيران من أزمات ما بين الكويت والفلبين، تسببت فيها العمالة الفلبينية في الكويت، حتى وصلت ساحة الخلاف بينهما لما يشبه الأفلام الهوليوودية، التي بدت قبل أيام حين قام مجموع من الدبلوماسيين الفلبينيين بتهريب عاملات من منازل كويتية.

قبل أن تهدأ أزمة مقتل العاملة التي عرفت باسم حادثة «جثة الفريزر»، وقبل أن تنجح الجهود الدبلوماسية في تطويق التبعات السياسية، يتوقع أن تتسبب حادثة تهريب العاملات من المنازل الكويتية السابقة في المزيد من التوتر بين البلدين في ظل حاجة الكويت للعاملات الفلبينيات، وإصرار الحكومة الفلبينية على أن عامليها يتعرضون لانتهاكات جسيمة في الكويت.

أزمة جديدة.. دبلوماسيو الفلبين يهربون عاملات من الكويت

فيما كانت الحكومة الكويتية تتخذ خطوات عملية نحو حل أزمة العاملات مع الفلبين، صدمت قبل بضعة أيام بنشر مقطع فيديو يظهر عناصر فلبينية من «فرق التدخل السريع» تقوم بتهريب عاملات فلبينيات من منازل كويتية، وتظهر اللقطات المصورة خروج العاملات بحذر شديد نحو سيارات تحمل لوحات دبلوماسية، وبالفعل تمكنوا من الهرب قبل انكشاف الأمر.

وتؤكد الكويت أن من قام بذلك هو فريق تابع للسفارة الفلبينية في الكويت، يتكون من سبعة أشخاص، الأمر الذي دفع الكويت إلى استدعاء السفير الفلبيني وتسلميه مذكرتي احتجاج تتعلقان بـ«التصريحات التي صدرت من بعض المسؤولين الفلبينيين التي تنطوي على إساءة بالغة لدولة الكويت، فضلًا عن التصرفات التي قام بها بعض العاملين في سفارة جمهورية الفلبين التي تمثل إخلالًا وتجاوزًا للأعراف الدبلوماسية التي تحكم علاقات البلدين»، بحسب وكالة الأنباء الكويتية الرسمية.

وأكد بيان وزارة الداخلية الكويتية أن: «الأجهزة الأمنية المختصة تمكنت من تحديد هوية المتهمين الذين قاموا بمساعدة الخادمة الفلبينية على الهرب من منزل كفيلها»، وأضافت الداخلية في بيانها: «أن المتهمين ثلاثة، وهم من الجنسية الفلبينية، وتم التعرف إليهم، وجاري إلقاء القبض عليهم مع الخادمة الهاربة»، كما أكدت الكويت أن المتهمين يتواصلون بالفعل مع عاملات المنازل الفلبينيات ويحرضونهن على الهرب من منازل كفلائهن، وهناك مجموعة من الكويتيين تقدموا ببلاغات مختلفة تؤكد تعرض بعض العاملات للاستدراج من قبل أشخاص مجهولين.

وتأتي هذه التطورات بالرغم من توقيع الكويت والفلبين اتفاقًا منظمًا لبعض شروط تشغيل العمالة المنزلية في مارس (آذار) الماضي، عقب أزمة «جثة الفريزر»، كما كانت الكويت قد دعت في فبراير (شباط) الماضي الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» إلى زيارتها في إطار سعيها إلى حل خلافات بشأن ما اعتبرته مزاعم عن انتهاكات خطيرة بحق العمالة الفلبينية.

الأزمة الأكبر.. «جثة الفريزر»

داخل «فريزر» (ثلاجة) وضع في شقة بمنطقة السالمية في الكويت، عثر قبل نحو ستة أشهر على جثة عاملة فلبينية الجنسية تدعى «جوانا دانييلا ديمابيليس»، وتبلغ من العمر 29 عامًا، لقد قضت ميتة في هذا المكان نحو 16 شهرًا دون أن يكتشف أحد مصيرها.

اكتشف أمر الجريمة حين ذهبت الشرطة الكويتية لتنفيذ أمر إخلاء شقة سكنية كان قد استأجرها مواطن لبناني متزوج من امرأة سورية في يناير (كانون الثاني) الماضي، فبعد مضي عام على غيابهم عن السكن استصدر أمر الإخلاء، وحين بدأت الشرطة بتفقد ومعاينة أمر الشقة وجدت داخل «الفريزر» جثة تعود للعاملة الفلبينية التي بدى أنها تعرضت للتعذيب والخنق حتى الموت.

حسب الشهادات التي جمعت من صديقات العاملة، تبين أنها كانت تتعرض للتجويع والاعتداء الجسدي منذ وصلت للعمل في الكويت في 18 مايو (أيار) عام 2014، كما أنها لم تتلق راتبًا مقابل عملها، ونقل عن عاملة صديقة لها كان آخر لقاء جمعها بالضحية في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2016، قولها: «سألتها كيف أمورك فأبدت انزعاجها لأن من تعمل عندهم يسيئون معاملتها، ويتأخرون في دفع راتبها»، وأضافت العاملة: «عرضت على الضحية التوجه إلى سفارة بلادها في الكويت لتقديم شكوى؛ لكنها رفضت وبررت الخادمة موقف الضحية بالقول إنها كانت خائفة ممن تعمل لديهم».

وصل جثمان «ديمافيليس» إلى الفلبين في 17 من فبراير الماضي، ووسط أجواء من الحزن الشديد برزت أزمة وصفت آنذاك بالأكبر بين الكويت والفلبين، إذ طلبت الفلبين إجلاء مواطنيها من الكويت خلال 72 ساعة، وأعلنت أن أكثر من 2200 عامل مستعدون للعودة من الكويت بسبب تقارير عن سوء معاملتهم، وإثر هذه الحادثة هدد الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» بحظر العمالة الفلبينية من الوصول إلى الكويت، وقال: «أتمنى ألا أكون بذلك أرتكب خطأ دبلوماسيًّا؛ لكن حادثة واحدة أخرى وسأفرض حظرًا»، وتابع القول موجهًا حديثه إلى الكويت: «أتمنى أن تستمعوا إليّ، قد نكون بحاجة إلى مساعدتكم لكننا لن نفعل ذلك على حساب كرامة الفلبيني»، واتخذت الفلبين قرار الحظر في 13 فبراير 2018.

عائلة «ديمافيليس» التي عثر عليها مقتولة في شقة بالكويت. (المصدر: BBC)

وردًّا على ذلك استهجنت الكويت الأمر، وأكدت أنها سلكت كافة القنوات الدبلوماسية للتعامل معه، ما اعتبرته توسيعًا للحظر الذي تفرضه الفلبين على عمل مواطنيها في الكويت، كما طلبت الكويت من لبنان تسليم المتهم بقتل «ديمافيليس» اللبناني «عصام عساف» (40 عامًا)، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن، لكون القانون اللبناني ينص على أنه: «إذا كان لبناني ارتكب جريمة في دولة أجنبية فإن لبنان لا يسلّمه؛ بل يحاكمه على أراضيه».

وقالت مصادر إعلامية إن «عساف» كان ضعيف الشخصية أمام زوجته السورية «منى حسون»، وأن الأخيرة هي من كانت تقوم بتعذيب العاملة «ديمافيليس»، ونقلت صحيفة «الرأي» الكويتية عن والدة المتهم «أم نادر» شهادتها عندما زارت ابنها في الكويت، فقالت: «كانت زوجته تضرب رأس العاملة بالحائط، طلبتُ منها أن تعيدها للمكتب إن لم تكن راضية عن عملها، لم تبال بكلامي، عندها قررتُ مغادرة الكويت قبل انتهاء المدة التي كنت قد حددتها، فلم أتحمل البقاء مع إنسانة لا رحمة في قلبها».

وفي اليوم الثاني من أبريل (نيسان) الحالي، أصدرت محكمة كويتية حكمًا غيابيًّا بالإعدام شنقًا للزوجين، بعد إدانتهما بجريمة قتل «ديمافيليس»، وفيما رحبت وزارة الخارجية الفليبينية بحكم المحكمة الكويتية، ذكرت الوزارة في بيانها أن «السلطات الكويتية أعلمت وكيل الوزارة بشؤون العاملين المهاجرين، سارة لو أريولا، بقرار المحكمة خلال اجتماع بالكويت الأحد».

نظرة من قرب على انتهاكات بحق العاملات الفلبينيات في الكويت

عذبت خادمة تعذيبًا شديدًا وتم حرقها بالنار لمجرد أنها طلبت إجازة لرؤية أبنائها وأسرتها في الفلبين. *شهادة واحدة من مجمل شهادات كانت في جعبة محامي سفارة الفلبين في الكويت، سلطان الطوالة.

عاملات فليبينيات (المصدر: هيومن رايتس ووتش)

يقول «الطوالة» إن: «القضايا التي سُجلت في المحاكم وتخص الجالية الفلبينية في الآونة الأخيرة، تشكل مؤشرًا عاليًا مقارنة بالسنوات السابقة؛ مما يدل على خلل قد يكون ناتجًا من طريقة المعاملة أو باتفاق الطرفين»، ويضيف خلال حديثه لـ«القبس» الكويتية أن: «القضايا التي صدرت فيها أحكام جزائية متفاوتة، وصلت إلى الإعدام في بعضها والحبس في بعضها الآخر؛ مما يدل على أن القضايا التي يتعرضون لها ليست بسيطة كما يعتقد البعض، فعدد الجالية الفلبينية كبير هنا، ويعملون في شتى المجالات خصوصًا في المنازل، وهم عرضة لعدم منحهم أبسط حقوقهم، ناهيك عن تعرضهم لمعاملة لا إنسانية».

العبودية في ثوب أبيض.. كيف يحول نظام الكفالة في الخليج الوافدين إلى «عبيد»؟

في المجمل، تتحدث المنظمات الحقوقية عن حقائق تؤكد أن العاملين الفلبينيين لم يحصلوا على حماية كافية، ولا يزالون عرضة للإيذاء، والعمل الجبري؛ بل إن العمالة الفلبينية من أكثر الجاليات التي تتعرّض للاتجار بالبشر، ويذكر تقرير منظمة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» أن: «أغلب العاملات قلن إن الكفيل أبلغ الشرطة عنهن بتهمة الترك (الفرار) بعد أن غادرن أوضاع العمل المسيئة. ولدى تلقي تقرير بالترك (الفرار)، تلغي الشرطة تصريح إقامة العاملة، ثم تصدر أمرًا بالقبض عليها، عاملات المنازل المتهمات بالفرار، ومنهن عاملات قلن إنهن تركن العمل بسبب عدم تلقي الأجور، أو التعرض للضرب، أو الحرمان من الطعام، أو التعرض للعنف الجنسي».

ويعتبر معدل هروب العمالة المنزلية الفلبينية في الكويت هو الأعلى على مستوى دول الخليج، فهناك ما بين 300- 350 حالة هرب شهريًّا، ويسجل في الشهر الواحد ما بين 10 إلى 15 طفل سفاح للعاملات الفليبينيات، وفي أبريل عام 2010، قال السفير الفلبيني لدى الكويت: «نستقبل يوميًّا ست حالات من الخادمات اللواتي يتعرّضن للتعذيب أو الاغتصاب»، وفي مايو 2016، قال سفير الفلبين لدى الكويت «ريناتو فيلا» إن: «عدد حالات التحرّش الجنسي أو الاغتصاب التي تعرّضت لها بنات جاليته عام 2015 نحو 300 حالة تحرّش جنسي، ونحو 80 حالة حمل سفاح، و96% من تلك الحالات كانت للعمالة المنزلية».

الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي»

وقد أصدرت الكويت في عام 2015، قانونًا لحماية عاملات وعمال المنازل، إذ منح القانون هؤلاء يوم راحة أسبوعي، واعتمد يوم العمل بمدة 12 ساعة مع فترات راحة، إضافة إلى تحديد إجازة سنوية مدفوعة الأجر، والتعويض عن العمل الإضافي، وفي عام 2016، أصبحت الكويت أول دولة خليجية تضع حد أدنى لأجر عمال وعاملات المنازل الشهري، مقداره 60 دينارًا كويتيًّا (200 دولار أمريكي).

وتعتبر منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن هذا: «القانون ضعيف مقارنة بقانون العمل الأساسي في الكويت، ولا يتسق مع اتفاقية منظمة العمل الدولية حول العاملات والعمال المنزليين، وأنه لا يقدم مثلًا إمكانية تفتيش مكان العمل (المنزل)، وهو ما يمكن القيام به مع احترام الخصوصية». وتؤكد المنظمة أنه: «بموجب نظام الكفالة في الكويت، يمكن اعتقال العمال الذين يهربون من أصحاب عملهم، وتغريمهم، وسجنهم لغاية ستة أشهر، وترحيلهم، ومنعهم من العودة ست سنوات على الأقل».

وتؤكد الفلبين أن عاملاتها يتعرضن لانتهاكات في الكويت، فيحصلن على أجور متدنية، ويتعرضن للاغتصاب والتجويع، إذ توفي 103 فلبينيين في عام 2017 مقارنة بـ82 فلبينيًّا العام الأسبق، ويعمل أكثر من 2.3 مليون فلبيني في الخارج، فيما ترى الكويت أن وقوع بعض الجرائم بحق العمالة الفلبينية التي يفوق عددها في الكويت 250 ألفًا لا يعد ظاهرة، وقد يحدث مع أي جالية تكون بهذا العدد أو أقل، وتربط الكويت بين نشر الفيديوهات وحرص مسؤولين فلبينيين على تحقيق مكتسبات سياسية، بدليل أن حادثة إعدام عاملة فلبينية في الكويت قبل نحو ست سنوات أدت إلى إسقاط الحكومة التي لم تنجح في العفو عنها.

لماذا يفضل الكويتيون العاملات الفلبينيات؟

يفضل الكويتيون العاملات الفلبينيات اللواتي يشكلن النسبة الأكبر في العمالة المنزلية، إذ تصل نسبتهن إلى 80%، ويرجع ذلك لكون الفلبينيات الأكثر تدريبًا وجودة من حيث الخدمات والثقافة والتعليم، كما تقول المصادر الكويتية.

عاملة منزلية في الكويت. (المصدر: صحفية القبس الكويتية)

العاملة الفلبينية ماهرة في التحدث باللغة الإنجليزية، ولديها قدرة على الانسجام مع طباع وعادات الأسر الكويتية، وبشكل عام هناك اعتماد واتكالية على العمالة المنزلية في الكثير من منازل الكويت، إذ تتولى هذه العاملة مسئولية تربية وتنشئة الأطفال، وأعمال النظافة والطبخ.

ولذلك بمجرد الإعلان عن تعليق إرسال العمالة الفلبينية خلقت أزمة في الكويت، إذ سرعان ما تم الحديث عن ارتفاع أسعار استقدام العمالة السريلانكية التي ستصبح ما بين 1350 و1450 دينارًا كويتيًّا، أي سيزيد قرار منع العمالة الفلبينية الأسعار 40%، إذ إن السعر المعتمد الآن يتراوح ما بين 1000 و1300 دينار؛ بل في حال امتنعت الفلبين عن إرسال عمالتها، فمن المتوقع أن يصل سعر الاستقدام إلى 1800 دينار.

وتعاني الكويت من عجز في استقدام العمالة من دول آسيوية كالهند وبنجلاديش ونيبال، إذ تمنع الكويت استقدام عدة جنسيات من القدوم إليها لعدة أسباب، فوزارة الصحة فيها منعت الاستقدام من بعض الدول بسبب تفشي الأوبئة والأمراض فيها، فيما منعت وزارة الخارجية بعض الجنسيات لأسباب سياسية، أما وزارة الداخلية فتمنع الاستقدام من بعض الدول لأسباب أمنية، لكن عقب أزمة حظر العاملات الفلبينيات أذنت الحكومة الكويتية لـ«شركة الدرة للعمالة المنزلية»، باستقدام عاملات وعمال من إندونيسيا، وفيتنام، وبنجلادش، ونيبال.