تحولت الأزمات الكبرى في تاريخ لبنان إلى وسيلة تستثمرها الطبقة الحاكمة على مدار العقود الماضية لتحصين سلطاتها، وتعزيزها في الداخل والخارج؛ دون أن تتمكن هذه النكبات، أو هبات الغضب الشعبي من إلحاق أي ضرر مادي أو معنوي بحق رموز الحُكم. 

آثار هذه السياسة التي يتبعها رجال الطبقة الحاكمة في لبنان ظهرت في ثلاث أزمات كبرى عاشتها الدولة العربية خلال الخمسين عامًا الأخيرة هي الحرب الأهلية اللبنانية، وانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، والحادث الأخير هو انفجار مرفأ بيروت قبل أيام معدودة، إذ أفلتت الطبقة الحاكمة من الأزمات الثلاثة، على اختلاف سياقاتها السياسية والزمنية، وعزز بعض منها سلطاتها بطرق مختلفة.

في الأزمات الثلاثة نجا المسؤولون من الخروج من دوائر السلطة، وأفلتوا من أي عقاب ليظل الوضع قائمًا كما هو دون تغيير حقيقي يتجاوب مع مطالب الجموع وهول هذه الأزمات، إذ يتحول هؤلاء المسؤولون فجأة من متهمين إلى مظهر رجال الإطفاء.

في الحرب الأهلية اللبنانية.. اتفاق الطائف الذي منح أمراء الدم السلطة

في السنوات الخمس عشر التي تفصل بين عامي 1975 إلى 1990، شهدت لبنان حربًا أهلية، واقتتال بين الطوائف السياسية من داخل وخارج لبنان، راح ضحيته مئات الآلاف من القتلى والمصابين والمفقودين حتى وقتنا هذا، وراكم من آثار هذه الحرب غزو قوات الاحتلال الإسرائيلية للبنان خلال سنوات الحرب، حتى نجحت في الوصول لبيروت، قبل أن تنسحب وتحتل جنوب لبنان، الذي حرر تنظيم حزب الله معظم أجزائه لاحقًا.

الربيع العربي

منذ 11 شهر
بين التدخلات الخارجية والطوائف الداخلية.. تعرف إلى خريطة الحكم في لبنان

والحرب الأهلية اللبنانية هي عبارة عن حروب عدة؛ بدأت فعليًّا في 13 أبريل (نيسان) 1975، بعد حادث إطلاق النار على حرس رئيس حزب الكتائب بيار الجميل – وهو الحزب الذي ارتبط اسمه بمجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي نفذتها «القوات اللبنانية»، الذراع العسكري له إبان الغزو الإسرائيلي للبنان – وذلك في عين الرمانة، شرقي بيروت، وتلاه حادثة إطلاق نارٍ من جانب ميلشيات «الكتائب»، على عربة نقل تقلّ فلسطينيين، في المنطقة عينها، واتسعت عمليات القتال بعد ذلك لتشمل الأحزاب الوطنية والفلسطينية من المرابطين (سنّة)، وأمل (شيعة)، والاشتراكي (الدروز).

لم  تنته الحرب، التي فشلت وساطات القوى الغربية في وضع حد لها،  غير يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989، حين وقعت الأطراف اللبنانية اتفاق الطائف في السعودية الذي وضع حدا للحرب الأهلية، وشرعن في الوقت ذاته النفوذ السياسي لكُل فصيل متورط في هذه المواجهات التي أوقعت أكثر من 150 ألف قتيل، و20 ألف مفقود إضافة إلى تشريد مئات الآلاف. 

أفلت المشاركون في الحرب من أي محاكمة على الدماء التي أُهدرت، أو حتى تم إبعادهم من دوائر النفوذ، إذ أعادهم اتفاق الطائف لصدارة المشهد السياسي متحصنين بالنفوذ الذي شرعنه الاتفاق لهم. كان الاستثناء من بين هؤلاء هو ميشال عون، الرئيس اللبناني الحالي، والذي كان آنذاك على رأس حكومة من العسكريين المسيحيين وأحد المتورطين في هذه الحرب، عقب فراره لفرنسا، بعدما رفض الاتفاق، قبل أن يعود ويحصد نتاج سنوات النفي بتنصيبه رئيسًا للبنان في مرحلة لاحقة.

«فكيف رسخ اتفاق الطائف من سلطات مرتكبي الحرب الأهلية؟» الجواب تمثل في تعزيز الاتفاق لمواقع جنرالات الحرب القدامى في مناصب رئيسة، متبعًا سياسة المحاصصة بينهم، لتتوزع الرئاسات الثلاثة (الجمهورية والحكومة والبرلمان) على: المسيحيين، السنة، الشيعة (بالترتيب)، وكذلك جميع المناصب الهامة العليا والمتوسطة في الجيش والشرطة، والمناصب الهامة في الوزارات. والأهم فيما فعله الاتفاق هو أنه جعل كُل طائفة رهينة لزعيمها، وليس للدستور اللبناني الذي ينظم السلطات؛ ليصبح زعيم الطائفة هو الشخص الممثل لمصالح مجموعته في كُل المحافل السياسية.

كما لم يستثن اتفاق الطائف مقاعد مجلس النواب من سياسة المحاصصة الطائفية والحزبية التي شرعن لها الاتفاق؛ إذ نص على توزيع مقاعد مجلس النواب البالغة 128 مقعدًا مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، حسبما نصّ عليه اتفاق الطائف، بينما يترأَّس المجلس أحد أبناء الطائفة الشيعية، ويتولاه حاليًا ومنذ عام 1992 زعيم حركة أمل نبيه بري.

عربي

منذ شهر
كيف سيؤثر انفجار بيروت في خريطة لبنان السياسية؟

بحسب دراسة لصقر أبو فخر، الباحث بمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نشرها في موقع جدلية، فاتفاق الطائف «أعاد الطوائف المشارِكة في الحرب للاستيلاء على النظام السياسي، ووزعه حصصًا بنسب جديدة، حتى أن اليمين اللبناني، التقليدي والجديد (الكتائب، والتيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية)، نجح في أن يستعيد بعض ما خسره في اتفاق الطائف من نفوذ سياسي». 

انتفاضة تشرين الأول.. البقاء في السلطة أقل الخسائر

في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي كانت موافقة الحكومة اللبنانية على فرض ضريبة على استخدام تطبيق «واتساب» المجاني وغيره من تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت، شرارة الأحداث التي دفعت بالآلاف المتظاهرين بكافة المدن اللبنانية للمطالبة بإقالة كافة رموز النخبة الحاكمة والتي جسدها شعار «كلن يعني كلن».

رأى الكثيرون أن حجم التظاهرات وأعداد المشاركين فيها تتمايز عن المرات السابقة التي خرج فيها اللبنانيون يحتجون على الأوضاع الاقتصادية والسياسية؛ ليعتقد البعض أن نهاية وشيكة تنتظر وجوه الطبقة الحاكمة في لبنان، التي يتهمها اللبنانيون، بأنها السبب الرئيس لما آلت إليه أحوال بلادهم. 

لكن خلافًا للتوقعات، ازداد تماسك التحالف الحاكم (تيار عون وحزب الله)، الذي أظهر وجه التجاوب مع مطالب المتظاهرين، والإنصات لهم، وحاول تعزيز هذا التماسك بإثناء سعد الحريري عن الاستقالة التي بادر بها. تماسك التحالف الحاكم ظهر من خلال «تشدد» عون في عرض العودة على الحريري لمنصبه قبل اختيار شخص آخر انتقالي، وقبل العودة إليه من جديد؛ لأنه اعتبر  استقالة الحريري طعنة أطاحت بالتسوية، بحسب مصدر إعلامي مُقرب من عون ومُقيم في واشنطن، تحدث لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، وأكد أن هذا يؤكد أن التحالف لم يخصم من رصيده السياسي أي شيء من التظاهرات. 

ويُضيف المصدر أن الوضع الداخلي في لبنان شديد التعقيد، ورموز الطبقة الحاكمة رهنوا مسقبل البلاد بوجودهم؛ وهو ما يجعل الأزمات عامل يعزز من شرعيتهم كُل مرة، مؤكدًا أن الخارج بات مُدركًا لهذه الحقيقة الصعبة، وأن أي تفكيك لهذه الطبقة ربما ينتهي بالبلاد إلى انفجار أكبر.

وجه آخر تصدر لافتات مطالب المتظاهرين أفلت من أي عقوبة هو رياض سلامة، حاكم المصرف المركزي، الذي اعتبره المتظاهرون سببًا رئيسًا وراء الصعود الهستيري للدولار أمام الليرة اللبنانية، وتفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية، وندرة بعض المواد الغذائية الأساسيَّة في الأسواق. مُهندس سياسة لبنان الاقتصادية، الذي تحول لهدف رئيسي للمتظاهرين، نجا وعزز من سلطاته كما فعل في سنوات سابقة، حين أفلت من الانتقادات بإعادة تعيينه لأربع ولايات متتالية في 1999 و2005 و2011 و2017. 

كان أحد مؤشرات النجاة والتماسك لسلامة، هذه المرة، هو ظهوره في خطاب بثه التلفزيون واستمر لنحو ساعة، مدافعًا عن سياسته، ومتوعدًا خصومه، دون تقديم اعتذار عن السياسات السابقة أو شرح أو تعهد بالمراجعة كما يفعل غيره، قائلًا: «البنك المركزي موَّل الدولة نعم، ولكن ليس هو من صرف الأموال. هنالك من صرف الأموال». وقال إنه يجري استهدافه من خلال «حملة ممنهجة».

عربي

منذ 3 شهور
هل يرأس أحد أبناء الحريري حكومة لبنان مجددًا؟

ويرتبط تماسك ونفوذ حاكم مصرف لبنان بصلاته الداخلية والخارجية حتى أنه أصبح ممثلًا مصالح المصارف والرأسمال الريعي، كما مثَّل نقطة الترابط بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، بالتالي، بقائه الآن في مركزه يعني تلقائيًّا «تمديد» هذا التقاطع، بحسب الخبير الاقتصادي ورئيس قسم الاقتصاد السابق في الجامعة اللبنانيَّة الأمريكية، غسان ديبة، في تصريحات لموقع «المدن» اللبناني.

انفجار مرفأ بيروت.. حسان دياب يكسر عزلته بدعم دولي

في الانفجار الأخير الذي وقع بمرفأ بيروت، والذى أودى بحياة 135 فردًا، وأصاب نحو 5 آلاف، فيما لا يزال العشرات في عداد المفقودين، تحولت الأزمة لقارب نجاة للتحالف الحاكم ورئيس الحكومة حسان دياب لكسر العزلة الدولية المفروضة عليه، خصوصًا من أمريكا والغرب، في ظل ما تراه واشنطن من أنها حكومة مدعمة من حزب الله، الذي تصنفه كمنظمة «إرهابية».

كان أبرز المؤشرات على هذه الانفراجة لعزلة رئيس الحكومة اللبنانية هو تعهد واشنطن بتقديم أكثر من 17 مليون دولار للبنان، كمساعدات أولية لمواجهة الكوارث. ويقول جهاد الملاح، الصحافي اللبناني بعدد من الصحف العربية سابقًا، والمحاضر حاليًا في الجامعة الأمريكية في لبنان، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، أن حكومة حسان دياب التي اعتبرها البعض ستهتز مباشرة حصلت على دعم دولي وعربي كبير، والشاهد على ذلك أن دياب تلقى اتصالات هاتفية تتم معه لأول مرة وتحديدًا من واشنطن، وهي التي لم يتلقها بعد صعوده للمنصب. 

ويٌضيف الملاح أن حتى المسؤولية السياسية لحكومة دياب على وقوع الانفجار خفتت بعدما أرجعت أسبابه لسنوات طويلة أي لحكومات سابقة، مؤكدًا أن دياب نجح حتى الآن في فرض اسمه، وتلميع أدواره سواء في الداخل أو الخارج، بما يرفع من نسب البقاء عليه مستقبليًا.

أخيرًا يؤكد الملاح أن التحالف الحاكم سينجح في تعزيز وترسيخ حضوره، دون تنازلات مستقبلية، والجميع سيظل في مأمن من أي عواقب خارجية، مؤكدًا أن الشيء الإيجابي لحكومة حسان دياب هو ربما تسارع حصول الحكومة على المنح المالية والقروض البنكية للعبور ببلاده من الأزمة الاقتصادية الصعبة التي تتعيشها.

طرح حسام عيتاني، الصحفي اللبناني في مقال منشور له بصحيفة الشرق الأوسط، بعدًا آخر لمنهج  الطبقة الحاكمة في التعامل مع الأزمات الكُبرى. وقال «أحسنت اللعب على خوف اللبنانيين وعصبياتهم وقلقهم حيال مستقبل يتسم دائمًا بالعنف والفقر والموت» كوسيلة للنجاة دومًا والإفلات من أي عقوبات مُحتملة، التي حصنت سلطاتهم ومناصبهم مستخدمة في ذلك «قوة الميليشيات وعسف السلطة والمصارف».

المصادر

تحميل المزيد