رحلة في تاريخ الكنيسة السياسي، منذ أول إمبراطور روماني يعتنق المسيحية، حتى استغلال نظامي هتلر وموسوليني للكنيسة في الدعاية السياسية.

كان قسطنطين الملقب بـ«العظيم»، على وشك خوض معركةٍ حاسمة ضد الإمبراطور مكسينتيوس، حين رأى في المنام – حسبما تقول الأسطورة – هاتفًا ينصحه برسم رمز «كاي رو Chi Rho» على دروع جنوده، مبشِّرًا إياه بالظفر إن استجاب للرؤيا.

طبَّق قسطنطين – أول إمبراطور روماني يعتنق المسيحية – النصيحة، وحارب جنوده بصحبة أول حرفين من اسم المسيح باليونانية (يُرسمان على هيئة X في وسطها P)، وكتب له النصر في المعركة؛ وكانت هذه «أول مرةٍ ترتبط فيها الديانة المسيحية بالعنف»، ولم تكن الأخيرة.

بحثًا عن السلطة السياسية.. حين تتوارى «مملكة الصليب»

لم تمر فترة طويلة بعدما أُعلِنت المسيحية دينًا رسميًا للإمبراطورية الرومانية، حتى بدأ المسيحيون يقتلون الوثنيين، وشرعت الكنيسة في توسيع نفوذها بغزو الأراضي في ربوع أوروبا، وإجبار الشعوب على اعتناق المسيحية، كما يؤرّخ لذلك جريجوري بويد في كتابه «أسطورة أمة مسيحية: كيف يدمر البحث عن السلطة السياسية الكنيسة».

دولي

منذ 8 شهور
«المتحدث باسم الرب».. كيف تغيرت علاقة أمريكا بالدين ما بين أوباما وترامب؟

وهكذا توارت «مملكة الصليب»، التي هي «ملكوت الرب في السماء»، لتحل مكانها «مملكة السيف»، التي أضحت «إمبراطورية الكنيسة في الأرض». فإما أن ترفع الكنيسة الصليب أو تحمل السيف، وليس بمقدورها – في نظر المؤرخين المسيحيين وأساتذة اللاهوت – أن تجمع بين الاثنين؛ لأن طبيعتها تأبى ذلك، وحين حاولت شوهت صورتها وحطت من مكانتها على الساحة العالمية.

لكن أليس النفوذ السياسي الذي تحوزه الكنيسة في نهاية هذه المحاولات المضنية يستحق العناء؟ ربما تكون الإجابة: نعم، لولا أن هناك ثمنًا فادحًا، هو: «تدمير قلب الكنيسة وروحها»، على حد وصف جريجوري، أستاذ اللاهوت المخضرم في جامعة بيثل، المسيحية الإنجيلية الخاصة، الذي كرَّس معظم حياته للتعمق في تاريخ الكنيسة السياسي.

إرث الإمبراطور.. مزيج من الإيمان والسياسة

الحديث عن الحرب ليس تغريدًا خارج سرب السياسة، فالحرب في الواقع هي «السياسة بوسيلة أخرى»، كما يقول الجنرال والمؤرخ الحربي البروسي، كارل كلاوزفيتز، حتى أن جورج كليمنصو، الذي قاد الحكومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، يرى أن «الحرب مسألة أخطر من أن تُترَك للجنرالات».

فكيف إذا تحوَّلت هذه القوة إلى سلاحٍ في يد رأس الكنيسة، الذي يُنظَر إليه على أنه «ظل الرب في الأرض»؟ الإجابة عند الإمبراطور قسطنطين، الذي لم يتخلّ عن عبادته لإله الشمس، واحتفظ برموز معبوده على العملات النقدية إلى جانب شعار المسيحية، حتى أن قوسه الشهير في روما لا تزال عليه نقوش إله الشمس.

انطلاقًا من هذا الإيمان الغامض والمختَلَط (مزيج من الوثنية والمسيحية، وتوليفةٌ من الدين والسياسة)، الذي حمله أول إمبراطور روماني يعتنق المسيحية بين جوانحه، بدأ تاريخ الكنيسة الطويل من الانخراط في السياسة.

حتى أن المؤرخ بول فالي، مؤلف سيرة البابا فرانسيس «الكفاح من أجل روح الكاثوليكية»، يتهم من يدافعون عن الفصل بين الدين والسياسة بأنهم «لا يعرفون سوى القليل عن تاريخ هذه الديانة»، لافتًا إلى أن محاولة التخلُّص من السيد المسيح إنما كانت في الأصل نابعة من اعتباره «تهديدًا للنظام المدني».

Embed from Getty Images
قوس قسطنطين في روما.

هدنة وتجسس ومعارضة.. العلاقة بين الكنيسة والنظام الشيوعي في بولندا

يظهر مدى عمق تاريخ الكنيسة والتأثير السياسي الذي أحدثته جليًا من خلال سيرة سقوط النظام الشيوعي في بولندا، حتى أن بعض المؤرخين ينسب معظم الفضل في حشد المعارضة ما بين عامي 1980 و1989 للبابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان كاردينالًا اسمه كارول فويتيلا، من مدينة كاراكوف البولندية.

لكن هذه ليست كل الحكاية، ففي الخلفية كانت هناك هدنة غير رسمية أبرمتها الكنيسة مع النظام الشيوعي في عام 1956، تقضي بوقف الانتهاكات السافرة مقابل التزام رجال الدين بعدم الانخراط في السياسة والاعتراف بشرعية الحكم الشيوعي.

الأكثر إثارة للجدل هو ما تكشَّف لاحقًا حول دور بعض رجال الدين في التجسُّس لصالح النظام الشيوعي، وهو ما أثار شكوكًا حول حقيقة موقف الكنيسة التي كان يُنظَر إليها على أنها فوق الشبهات.

بل يذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، ويقولون: إن تصوير البابا على أنه «البطل الأوحد في فيلم الحرب الباردة» ليس سوى أسطورة ضخَّمها بعض الصحفيين الأمريكيين.

على كل حال، كان شائعًا بحلول أواخر السبعينيات أن يعقد المعارضون – حتى غير الكاثوليك – اجتماعاتهم في الطوابق السفلية للكنيسة، وأصبحت الأبرشيات ملاذًا لمجموعة كبيرة من النشطاء المناهضين للشيوعية، حتى كبار رموز الكنيسة تبنوا خطابًا ينادي بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

وبلغ التضامن الكنسيّ ذروته برحلة الحج التي قام بها البابا إلى مسقط رأسه لمدة ثمانية أيام في عام 1979، بحضور ثلث سكان البلاد آنذاك؛ ليحيي بذلك روح التضامن في نفوس الشعب، حتى بدت الشيوعية كما لو أنها اختفت تمامًا من البلاد، ما منح البابا إشادة كبيرة باعتباره «السلطة الروحية التي أسهمت في انهيار الشيوعية».

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من إصرار الأساقفة الذين شاركوا في محادثات المائدة المستديرة بعدها على أنهم ليسوا طرفًا في النزاع، أصبح يُنظر إلى الكنيسة على نطاق واسع بحلول أواخر الثمانينيات باعتبارها المنبر الرئيسي لنشاط المعارضة الذي تُوِّجَ بسقوط الشيوعية في 1989.

وبعدها بسنتين كانت صحيفة «نيويورك تايمز» تحتفل بزيارة البابا لـ«بولندا غير الشيوعية»، ثم بعدها بثلاثة أعوام أصدر البابا كتابًا آخر هو «الذاكرة والهوية»، الذي رسم فيه صورة «الجمهورية التي تحتضن العديد من الثقافات والأديان»، بعدما نجا من خطط نسجتها أجهزة المخابرات الشيوعية في عام 1981 لاغتياله، ليموت في مساء اليوم الثاني من أبريل (نيسان) 2005 عن عمر يناهز 84 عامًا، بعد إصابته بالتهاب في الجهاز البولي نتج عنه أزمة قلبية.

التواطؤ بالصمت.. تاريخ الكنيسة في حرب الأرجنتين «القذرة»

من فترةٍ زمنية ليست بعيدة عن تاريخ الهدنة مع الشيوعيين، والتجسس لصالحهم بموازاة معارضتهم، ينبعث اتهامٌ للكنيسة الكاثوليكية الرومانية بـ«الصمت» على فظائع «الحرب القذرة» التي ارتكبتها الطغمة العسكرية الحاكمة للأرجنتين من 1976 إلى 1983، وربما ما هو أسوأ: التواطؤ، أو اللعب على الحبلين.

وعلى الرغم من أن الأدلة التي يسوقها النقاد محل نزاعٍ، نتيجة تدمير المستندات ووفاة العديد من الضحايا أو الجناة، إلا أن مراسلًا الجارديان في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، جوناثان واتس وأوكي جوني، حين قابلا ذوي الضحايا في عام 2013 خلُصا إلى أن الحجة الأخلاقية – على الأقل – تظل قوية في إدانة الكنيسة.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!

كان لافتًا أن أجراس كنائس الأرجنتين حين قُرِعَت احتفالًا بتتويج أول بابا من أمريكا اللاتينية، فرانسيس الأول، استولت على البعض مشاعر الشك والارتباك، لأن هذا البابا الجديد متهم – في نظر البعض على الأقل – بتسليم بعض رجال الكنيسة للسلطات العسكرية، حين كان أسقفًا يحمل اسم خورخيه ماريو برجوليو.

وجاءت الصرخة الأبرز في رسالة نشرتها الصحافة الأرجنتينية للمواطنة جراسيلا يوريو، التي اختطف أخوها القس أولاند يوريرو وعذب لخمسة أشهر في عام 1976 أثناء الحكم العسكري في الأرجنتين، قالت فيها: «لا أستطيع أن أصدق ذلك، لا أعرف ماذا أفعل، أنا أشعر بالكثير من الألم والغضب الشديدين».

نفى الفاتيكان هذه التهم، لكن الجدل السياسيّ ظل يلاحق البابا فرانسيس حتى وهو يتحدث في الدين، فعندما أفتى في عام 2010 بأن السماح للمثليين بالتبني يعد شكلًا من أشكال التمييز ضد الأطفال، وبَّخته الرئيسة الأرجنتينية آنذاك كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر علانية، لكنها عادت لتثني عليه بعد عامين فقط حين أيَّد بقوة موقف حكومتها حول أحقية الأرجنتين في جزر فوكلاند.

«تحالف غير مقدس» بين الفاتيكان ووكالة المخابرات الأمريكية

في كتاب «عملية جلاديو: التحالف غير المقدس بين الفاتيكان ووكالة المخابرات المركزية والمافيا» يوثق الصحفي باول ويليامز هذا التحالف السريّ الذي تشكل في أواخر الحرب العالمية الثانية بين وكالة المخابرات المركزية والمافيا الصقلية والأمريكية والفاتيكان لإحباط أي غزو شيوعي محتمل لأوروبا.

يستند ويليامز في كتابه إلى أدلّة تشير إلى وجود وحدات «نائمة» في العديد من البلدان الأوروبية، تتكون من 5 إلى 15 ألف عنصر عسكري، وكان تمويل هذه العمليات يأتي من بيع مخزون كبير من المورفين المهرب من ألمانيا وإيطاليا، وأوراق نقدية بريطانية مزورة صنعها محتالون مهرة داخل معسكرات الاعتقال.

Embed from Getty Images

ومع احتدام الحرب الباردة، استخدمت هذه الوحدات ليس فقط لدرء الغزاة المحتملين، ولكن أيضًا لإحباط صعود الحركات اليسارية في أمريكا الجنوبية، والدول التي يتخذها حلف الناتو مقرًا له من الهجمات الإرهابية المحتملة.

المثير للانتباه في كتاب ويليامز أنه يؤكد تورُّط هذه الوحدات في عدد من الجرائم بدءًا من ارتكاب إبادة جماعية مرورًا بالفساد المالي، وليس انتهاء بتهريب المخدرات.

وعلى الرغم من أن تاريخ الكنيسة مع وكالة الاستخبارات الأمريكية تتجاهله وسائل الإعلام الرئيسية، يذهب البعض إلى أن الأدلة التي يسوقها المؤلف يصعب تفنيدها.

من موسوليني إلى هتلر.. هكذا رقصت الكنيسة مع «شياطين السياسة»

كتاب التاريخ مليء بالصفحات الأخرى التي تشهد على رقص الكنيسة – مكُرهةً في غالب الأحيان – مع «شياطين السياسة»، على حد وصف هوبرت وولف في كتابه «البابا والشيطان».

على رأس هذه القائمة، يتربع المشهد الذي جمع بين ممثل الحكومة الإيطالية الفاشية بقيادة بينتو موسوليني، وممثل البابا بيوس الحادي عشر، الكاردينال بيترو كاسباري، في قصر لاتران لتوقيع معاهدة ستحمل الاسم نفسه يوم 7 يونيو (حزيران) 1929.

ترفيه

منذ سنة واحدة
«ذا فاميلي».. تعرف إلى المنظمة السرية التي تؤثر في سياسات العالم باسم المسيحية

بموجب هذه المعاهدة اعترف البابا بالنظام الفاشي، وأدى كبار رجال الدين يمين الولاء لحكومة موسوليني، مقابل اعترافها بالفاتيكان دولة مستقلة، ومنح «الحبر الأعظم» السيادة على بعض الأحياء المحيطة بكنيسة القديس بطرس.

لكن لا شيء ينافس في إثارته الصورة التي جمعت وزير الخارجية بالكاردينال أوجينيو باتشيلي، الذي أصبح فيما بعد البابا بيوس الثاني عشر، نيابة عن البابا بيوس الحادي عشر، ونائب المستشار فرانز فون بابن، نيابة عن الرئيس بول فون هيندينبرج والحكومة الألمانية.

في هذا اليوم، الموافق 20 يوليو (تموز) 1933 وقع الطرفان معاهدة الرايخس‌ كونكوردات، التي تعهدت الكنيسة بموجبها أن تؤدي يمين الولاء لرئيس الرايخ الألماني، وكان على الكاثوليك الألمان بعدها «واجبًا دينيًا يقضي بدعم هتلر» ولذلك يصفها البعض بأنها «منحت الشرعية الأخلاقية للنظام النازي».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد