فيلم «The Post».. الصحافة تصنع تاريخًا أيضًا!

صحافيون يتوصلون إلى مجموعة أوراق غاية في السرية من ملفات وزارة الدفاع الأمريكية، والتي تخص المخالفات القانونية والسياسية التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية فيما يخص حرب فيتنام، في فيلم من بطولة توم هانكس الحائز على جائزتي «أوسكار»، وميريل ستريب الحائزة على ثلاث جوائز أوسكار هذا ما تدور حوله أحداث الفيلم الأمريكي «The Post»، والذي عُرض على شاشات دور العرض مع بدايات عام 2018.

فيلم «The Post» من إخراج ستيفن سبيلبيرج الفائز بثلاث جوائز أوسكار، والذي أكد أن رغبته المُلحة في صناعة هذا الفيلم الآن؛ هو الأسلوب الذي يدير به الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. ومن الجدير بالذكر أن الفيلم واجه عقبات مع الرقابة اللبنانية نظرًا لميول المخرج – يهودي الديانة – للصهيونية؛ حين تبرع بمليون دولار لإغاثة إسرائيل أثناء حربها مع حزب الله في لبنان عام 2006، ولكن في النهاية سمح وزير الداخلية اللبناني بعرضه في دور العرض اللبنانية؛ موضحًا أن مضمون الفيلم ليس له أية علاقة بالنزاعات اللبنانية الإسرائيلية.

في البداية قد تظن أن الفيلم سياسي وتدور أحداثه بين صفوف الجيش في أرض المعركة، أو حتى من داخل البيت الأبيض، وهم يحاولون السيطرة على نشر تلك الأوراق التي ستغير نظرة العالم عن  أعوام من الحرب في فيتنام، ولكن بعد مشاهدة دقائق قليلة من الفيلم، تدرك أن هذا الفيلم من منظور الصحافة بنسبة 100%.

الفيلم لا يقدم لك تجربة صراع بين السلطة والصحافة، بقدر ما يقدم لك المعطيات اللازمة، والتي ارتكز عليها الصحافيون عندما قرروا نشر تلك الأوراق رغمًا عن الخطر الذي يهدد وظائفهم وحياتهم الشخصية.

الخط الفارق بين حياتك الاجتماعية ومهمتك الصحافية

عندما تجلس معهم على أريكة منزلك وتدخن معهم السيجار، فاعلم أن جزءًا من مصداقيتك قد حُرق مع التبغ الكوبي الذي غطى رماده سجادة منزلك، هذا كان رأي الصحافي بن برادلي والذي قام بدوره توم هانكس في فيلم «The Post»، ولم يبخل بهذا الرأي على صديقته والناشرة المسئولة عن جريدة «واشنطن بوست» كاثرين جراهام؛ والتي كان لها حياة اجتماعية ناجحة مع السياسيين الذين يزورون منزلها في كل المناسبات السعيدة، وتتبادل معهم النكات والحكايات.

ميريل ستريب في دور كاثرين جراهام

وفي لحظة وجدت – كاثرين – نفسها تمسك بجريدة «نيويورك تايمز» وتقرأ أوراقًا جرى تسريبها من وزارة الدفاع؛ لتكتشف أن صديقها الذي كانت تتناول معه العشاء بالأمس قد ارتكب مخالفات، ونشر الأكاذيب لأعوام طويلة؛ من أجل الاستمرار في حرب فيتنام، بالرغم من إدراكه أن الحرب نهايتها الفشل، وتلك الأرواح الشابة التي ضحى فيها جنود الجيش الأمريكي؛ لم تكن إلا لسبب واحد فقط؛ وهو حفظ ماء وجه أمريكا أمام المجتمع السياسي العالمي، تلك الأرواح التي سالت دماؤها على أراضي غريبة قد ضحت بحياتها من أجل نسج أكذوبة عن القوة الأمريكية التي لا تقهر.

امرأة في وضع كاثرين المهني، والاجتماعي، أدركت على الفور أن حياتها لن تعود كما كانت بعد ظهور تلك الأوراق إلى العامة، ولم تمر أيام كثيرة ومنع البيت الأبيض جريدة «نيويورك تايمز» من النشر في تلك القضية مرة أخرى. وبالطبع لم يهدأ صحافي مثل بن برادلي؛ حتى حصل على نسخة من تلك الأوراق، وجاءت المهمة الأصعب بالنسبة له؛ وهي إقناع كاثرين بضرورة النشر.

كاثرين جراهام.. تفتح الباب لنساء السبعينات

امرأة في بداية السبعينات في الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس ما يظن البعض، ليس لها المكانة والحرية التي وصلت لها المرأة الآن، ضِف إلى هذا أن سبب إدارتها لجريدة «واشنطن بوست» كونها إرثًا عائليًا، وليست وظيفة تقلدتها وارتقت فيها مع الوقت.

الكل كان ينظر إليها ككائن ضعيف يصعب عليه اتخاذ قرارات مصيرية، وفي الجزء الأول من الفيلم، استطاعت ميريل ستريب أن تنقل لنا هذا الضعف بنجاح؛ إنها ورقة في مهب الرياح، مثلها مثل جريدتها، إذا حاولت قراءتها في الطرقات في يوم عاصف.

ولكنها في لحظة واحدة وبهدوء شديد أثبتت شجاعة لم تكن متوقعة منها؛ ووافقت على النشر بعد أن واجهت صديقها برأيها الحقيقي في فعلته. الأمر كان مخيفًا بالنسبة لها، حتى اللحظة الأخيرة في الفيلم، وهي خارجة من باب المحكمة، حين وجدت صفًا طويلًا من النساء والمراهقات يتابعونها بأعينهن المذهولة، وكأنها امرأة خارقة.

لم يستطعن حتى الحديث إليها، وقفن يتأملنها بفخر وتطلع، وامتلأت عيناها بالدمع حين أدركت أنها في تلك اللحظة بالذات؛ لم تصنع تاريخًا فيما يخص عالم النشر فقط؛ بل فتحت الباب للعديد من النساء؛ ليدركن أنهن يستطعن التغيير والتأثير في المجتمع.

بن برادلي.. إدراك اللحظة التي يُصنع فيها التاريخ

على عكس كاثرين؛ لم يكن يملك بن برادلي الكثير ليخسره؛ فهو  صحافي باحث عن المتاعب، ولذلك حين اكتشف السبق الذي وصلت إليه «نيويورك تايمز»، قبل جريدته «واشنطن بوست»، تملكه الغضب، وتمركز اهتمامه حول هدف واحد فقط هو الوصول لتلك الأوراق.

وزاد من حماسه أوامر البيت الأبيض بمنع «نيويورك تايمز» من النشر، وبدأت رحلة البحث عن أوراق وزارة الدفاع حتى وصل إليها بالفعل، في تلك اللحظة أدرك أنه يقدر على صناعة التاريخ، ولكن السؤال كان: على حساب من؟

لقطة من فيلم «The Post»

كل محرر في الجريدة سيدفع الثمن إذا أمر القضاء بإغلاق «واشنطن بوست»، وهو وكاثرين معرضان للمساءلة القانونية، وكاثرين على وشك خسارة إرث أسرتها وثروتها وحياتها المستقرة، هذا بالإضافة إلى غضب مجتمعها الصغير الصديق المليء بالسياسيين، ولذلك فعلى الرغم من رغبته الشديدة في إحداث فارق وصناعة تاريخ بنشر تلك الأوراق؛ إلا أنه استجاب لنصيحة زوجته عندما أخبرته أنه ليس لديه شيء يخسره، مثل كاثرين.

ولذلك عاد إلى صديقته ليتأكد من قرارها وإدراكها لخطورة الموقف، وفي تلك اللحظة حقق بن معادلة صعبة على كل صحافي في هذا الموقف؛ فقد ساند صديقته، وفي نفس الوقت صنع تاريخًا عندما لاحظ قوة في أعين كاثرين لم يكن يتوقعها، وهي تخبره أن عليهم النشر أيًا كانت الظروف، حتى وإن كانت النتيجة انسحاب أهم المستثمرين في مجلس إدارة الجريدة.

«انشر على أية حال».. تهور أم شجاعة؟

قبل النشر بساعات قليلة، وبعد ثماني ساعات من العمل المتواصل لفريق عمل الجريدة كاملًا، اكتشف بن برادلي وكاثرين عقبة قانونية تمنعهم من النشر: فبعد أن أمر رئيس الولايات المتحدة – في ذاك الوقت – ريتشارد نيكسون «نيويورك تايمز» بعدم النشر، استطاع محرر بـ«واشنطن بوست» الوصول للمصدر الذي منح «نيويورك تايمز» الأوراق السرية لوزارة الدفاع.

وإذا عُلم بعد النشر أن الجريدة نشرت من نفس المصدر، فقد يتعرض بن وكاثرين لقضاء عقوبة في السجن؛ ولن يتوقف الأمر على غلق الجريدة أو خسارة وظائفهم، ومرة أخرى يقف بن وكاثرين على حافة الهاوية.

قرار كاثرين في بالنشر في «The Post».. شجاعة أم تهور؟

ولكنهما يقرران القفز إلى تلك الهاوية، ولكن بمظلة تحوي ما يزيد على ثلاثة محامين مخضرمين ومتخصصين في تلك النوعية من القضايا، ويقومان بنشر المستندات على أية حال، وهما يدركان أنه بمجرد النشر، سيقف الاثنان  أمام المحكمة العليا في اليوم التالي.

«الاتحاد قوة».. شعار أنقذ بن وكاثرين!

هل يستطيع نيسكون غلق جميع الجرائد الأمريكية؟ بالطبع لا.

تلك كانت لحظة نادرة في عالم الصحافة؛ فبعد نشر «واشنطن بوست» لأوراق وزارة الدفاع التي تخص المخالفات العسكرية والسياسية في حرب فيتنام؛ خطت باقي الجرائد الأمريكية على خطاهم، على الرغم من الاستدعاء القانوني للمسئولين عن «واشنطن بوست»، إلا أنهم مثلوا أمام المحكمة وهم يشعرون بالقوة؛ لتأكدهم من عدم قدرة المحكمة العليا على حبس كل هؤلاء الصحافيين، وأدركت المحكمة أنها في لحظة فارقة أيضًا، ولذلك جاء قرار القضاء كالتالي: «الآباء المؤسسون أعطوا الصحافة الحرة الحماية التي يجب أن تحصل عليها لإنجاز دورها الأساسي في تحقيق الديمقراطية، وهذا لأن الصحافة تخدم المحكومين، وليس الحكام».

نهاية «The Post».. بداية صحافة جديدة

اختار المخرج ستيفن سبيلبرج أن ينهي «The Post» بمشهد يظهر نيكسون من البيت الأبيض، وهو يتحدث في الهاتف مؤكدًا أن كل محرري «واشنطن بوست» ممنوعون من دخول البيت الأبيض.

ولكن على الجانب الآخر؛ أخذ الأمر أبعادًا أخرى، ومشهد النهاية كان عبارة عن مكالمة هاتفية للجريدة من شخص يريد تسليم أوراق سرية جديدة لكشف الستار عن مخالفات لا تنتهي للإدارة الأمريكية، وما لم يكمله الفيلم هو نشر «واشنطن بوست» لتلك الأوراق بالفعل، والتي ننج عن نشرها استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون، وتفاصيل التجربتين ذكرتها كاثرين في كتابها الذي يحمل عنوان «Personal History – تاريخ شخصي».

الصحافةالولايات المتحدة الامريكيةتوم هانكسحرب فيتنامستيفن سبيلبيرجسينمافن وترفيهميريل ستريبنيويورك تايمزواشنطن بوست

المصادر