“داني رودريك هو أستاذ العلوم الاجتماعية في مؤسسة التعليم المتقدم في برينستون بولاية نيوجيرسي. وهو مؤلف كتاب اقتصاد واحد ووصفات متعددة: العولمة والمؤسسات والنمو الاقتصادي، ومؤخرًا ألف كتاب مفارقات العولمة: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي.”

برينستون – هل يتعارض الإسلام بشكل جوهري مع الديمقراطية؟ تجبرنا الأحداث مرارًا وتكرارًا على طرح هذا السؤال، ورغم ذلك فهو سؤال يحجب أكثر مما ينير.

تختلف تركيا ومصر وتونس عن بعضها للغاية، ولكن الشيء الوحيد الذي يشتركون فيه هي الحكومات الإسلامية (على الأقل حتى وقت قريب في حالة مصر). بدرجات متفاوتة، عملت هذه الحكومات على تقويض الديمقراطية عبر فشلهم في حماية الحقوق المدنية والإنسانية واعتمادهم تكتيكات خرقاء ضد خصومهم. وعلى الرغم من التأكيدات المتكررة، فقد أظهر الزعماء الاسلاميون القليل من الاهتمام بالديمقراطية في أعقاب فوزهم في صناديق الاقتراع.

لذا فإن أولئك الذين يعتقدون أن الإطاحة بحكومة الرئيس المصري محمد مرسي كان له ما يبرره لديهم وجهة نظر تستحق التأمل. حيث أصبح حكم الإخوان المسلمين استبداديًا بشكل متزايد، وضربوا بكل المثل والطموحات التي أفرزتها ثورة ميدان التحرير التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك في عام 2011 عرض الحائط.

ومع ذلك، فإن الدعم الذي تلقاه الانقلاب العسكري من طرف العديد من الليبراليين المصريين يصعب فهمه. فألعاب الكلمات لا يمكنها إخفاء جوهر ما حدث: أطيح بحكومة جاءت إلى السلطة عبر انتخابات نزيهة على يد الجيش.

يعتقد البعض أن التدخل العسكري يمكن أن يكون بمثابة أداة مفيدة لتصحيح المسار. فقد صرح وزير الخارجية الامريكي جون كيري أن الجيش المصري كان “يعمل على استعادة الديمقراطية”، ولفت السفير الأمريكي السابق جيمس جيفري النظر إلى تجربة تركيا، وانقلاب عام 1980 على وجه الخصوص، بالقول بأن تدخل الجيش يمكن أن يساعد في “اعتدال الحركات الإسلامية”.

إن فكرة تدخل طرف أعلى محايد سياسيا لمنع إساءة استخدام السلطة وإعادة تنشيط الحياة الديمقراطية هي فكرة جذابة. ولكن يمكن تفنيدها عبر تاريخ تركيا نفسها. فرغم أن الجيش التركي لم يكن مهتمًا بالحكم مباشرة، وسلم السلطة مجددًا إلى حكومات مدنية بعد الانقلابات، فإن تدخلاته المتكررة أضرت بشكل كبير بفكرة تطوير ثقافة سياسية ديمقراطية.

في نهاية المطاف، تعتمد الديمقراطية على التجاذبات السياسية بين الجماعات المتنافسة، التي تنص على أن يوافق كل منهم على حماية حقوق الآخرين في مقابل الاعتراف بحقه في الحكم حال فوزه في الانتخابات. فالأحكام الدستورية وحدها لا يمكن أن تضمن مثل هذه النتيجة، بحيث يمكن لمن يتولى السلطة تجاوزها بسهولة. بدلاً من ذلك، يجب تجسيد قواعد السلوك السياسي السليم في مؤسسات النظام السياسي بشكل دائم – في الأحزاب السياسية والبرلمانات والمحاكم – من أجل منع إساءة استعمال السلطة .

ما يحافظ على هذه المعايير هو أن المعرفة التي تقوم عليها سوف تكون لها عواقب سيمتد تأثيرها ليشمل الجميع. إذا لم أحمِ حقوقك أثناء وجودي في السلطة اليوم، فلن يكون لديك سبب وجيه لاحترام حقوقي عندما تأتي إلى السلطة غدًا.

عندما تقوم قوة خارجية مثل الجيش بوقف هذه اللعبة، إما مباشرة أو لأن أحد الطرفين يمكن الاعتماد على تدخله، يكون تغيير السلوك السياسي لا رجعة فيه. ففقدان الاستمرارية في الأحزاب السياسية، والإجراءات البرلمانية والعمليات القضائية يشجع الحساب قصير الأجل ويولد الممارسات غير الليبرالية. هذا بالضبط هو الداء الذي يصيب الديمقراطيات الناشئة.

وهذا أيضًا يمثل المشكلة التي ابتليت بها الديمقراطية التركية، على الرغم من سجلها الديمقراطي الحافل. عندما جاء رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان المنتمي لحزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، فلم يكن يفتقر فقط للثقافة الديمقراطية، ولكن كان لديه أيضًا الكثير من المخاوف حول كيفية رد فعل الحرس العلماني العسكري القديم. لذا فقد تصرف بالضبط وفقًا لمخاوفه، وأطلق سلسلة من المحاكمات الصورية التي تستهدف كبار المسؤولين العسكريين وغيرهم من المعارضين المحتملين. وعندما فقدت حكومة أردوغان في نهاية المطاف دعم الليبراليين الذين ساندوه في البداية، اتخذ إجراءات صارمة ضد وسائل الإعلام وحرية التعبير.

وبوضع هذه الخلفية من القمع والديمقراطية في الاعتبار، يخبرنا فشل الإسلاميين في مصر وتركيا بالقليل عن توافق الإسلام مع الديمقراطية عما كنا نعتقد. فهل تصرف مرسي وأردوغان بالصورة التي رأيناها بسبب أيديولوجياتهم الدينية، أم أن معظم القادة السياسيين الذين يسعون إلى الاحتفاظ بالسلطة سيتصرفون بطريقة مشابهة عندما يكونوا في مثل موقفهم؟ في أمريكا اللاتينية، حيث لا يلعب الإسلام السياسي أي دور، لا يوجد نقص في شعبية الحكام الذين ينتهكون الحريات المدنية والحقوق السياسية.

لا شيء من هذا يجعلنا نتغاضى عن سوء استخدام السلطة من قبل القادة الإسلاميين. ولكن، بالضبط كما أعاقت التدخلات العسكرية التركية المتكررة ضد التهديد الإسلامي المحتمل مسار الديمقراطية، فإن إسقاط الجيش المصري للرئيس مرسي لن يساعد على استعادتها. فلا يمكن الاعتماد على كيان سلطوي وذو تركيبة هرمية في حماية وتعزيز التحول الديمقراطي. فمن الممكن وقوع كارثة بسبب التدخل العسكري عندما يجد البلد نفسه على حافة حرب أهلية، كما كانت تركيا في عام 1980 (وكما يمكن القول عن مصر في أعقاب انقلاب يوليو)؛ ولكن ينبغي على المرء ألا يخلط بين استعادة النظام واستعادة الديمقراطية.

في حين أن المناضلين من أجل الديمقراطية يجب أن ينتصروا أو ينهزموا في حدود وطنهم، فإن للغرباء لديهم دور عليهم تأديته. حيث يمكن للجهات الدولية مثل منظمات حقوق الإنسان توثيق ونشر انتهاكات حقوق الإنسان وأية انتهاكات أخرى تقوم بها السلطة.

كما يمكن للدول الديمقراطية -خاصة الولايات المتحدة وأعضاء الاتحاد الأوروبي- مقاومة الممارسات الاستبدادية بصوت واضح ومقاومة إغراء تملق الدول الإقليمية من أجل منافع استراتيجية على المدى القصير. ونظرًا للعولمة الاقتصادية والاتصالات العالمية، فإن الحكام المستبدين يستمدون قوتهم من مكانتهم الدولية كما يفعلون عند سيطرتهم على المؤسسات المحلية.

ومما لا يساعد على ذلك – وفي واقع الأمر قد يأتي بنتائج عكسية – هو أن الدول الأخرى تنظر إلى الأزمة السياسية في مجتمعات الشرق الأوسط على أنها نتيجة الانقسام الإسلامي-العلماني. هذا المنظور يستخدم مباشرة من طرف الحكام المستبدين مثل أردوغان، الذين يمكنهم استغلال فكرة الإسلاموفوبيا من قوى أجنبية لتوسيع قاعدتهم السياسية. كما ينبغي شجب انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات سيادة القانون دون ربطها بالثقافة أو الدين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد