لا أحد من المملكة العربية السعودية، أو ممن سبق له زيارتها، يجهل «المطاوعة»: أولئك الرجال الملتحون، الذين يجوبون المرافق والمراكز التجارية والشوارع، بلباسهم الأبيض القصير؛ فالرهبة الذي تمتلك السعوديين والمقيمين عند رؤيتهم لعناصر «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، تُضاهي ما ينتابهم عند رؤية عناصر الشرطة السعودية المُسلحة!

كان لدى عناصر الهيئة، المدعومة من النظام السياسي الحاكم، حق التدخل في تحركات الأشخاص وتصرفاتهم، أكثر من أية جهة أُخرى. وتحت ذريعة النهي عن المُنكر، وفرض الرقابة الأخلاقية والدينية، امتدت سُلطاتهم إلى الاعتداء على المواطنين، حال الاشتباه في مُخالفتهم «الشريعة الإسلامية»، إما بالسير في الشارع أثناء وقت الصلاة، أو اختلاط الرجال بالنساء، بل قد يُلاحقون فتاةً بسبب وضعها طلاء الأظافر على أصابع يديها، أو أخرى لكشفها وجهها!

ما أثار الاستياء أخيرًا، وبشكل متزايد من الهيئة وعناصرها، ما سجلته أعين المواطنين وكاميرات هواتفهم النقالة، من انتهاكات لعناصر الهيئة، وصلت إلى حد القتل، ليصدر أخيرًا، قبل أيام قليلة، قرار مُفاجئ، بتجريد الهيئة من كثير سلطاتها.

الهيئة.. التأسيس والمهام

أحد أجهزة الدولة الرسمية، تعرف باسم «الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ومكلفة بتطبيق نظام الحسبة، «المستوحى من الشريعة الإسلامية»؛ إذ نص النظام الأساسي للحكم بالسعودية على أن الدولة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وتسمى أيضًا بـ«الشرطة الدينية»، أو «الهيئة» اختصارًا.

تعد الهيئة، التي تأسست في عهد الملك المؤسس «عبد العزيز آل سعود»،عام 1940، بمثابة الشرطة الدينية التي تسهر على تطبيق «مبادئ الشريعة الإسلامية» كما تراها. ويبلغ تعداد أفرادها، حوالي خمسة آلاف عضو.يقوم أعضاء الهيئة بمهام متعددة، فهم يجولون في الشوارع والمراكز التجارية؛ للتأكد من أن النساء يرتدين «الزي الشرعي»، دون أن تكون هناك معايير محددة لهذا الزي، دقيقة بما يكفي للمحاسبة عليها، وكذا لإغلاق المحال في أوقات الصلاة، وتتتبع الذين لا يُصلون في المساجد وقت الصلاة.

لا تقتصر سلطة الهيئة، على اللحظة التي يتصادم بها عناصرها مع المواطن؛ إذ إن أحكامًا قاسية تتخذ ضد السعوديين لتعاملهم مع أعضاء الهيئة، وُصف بعضها بـ«الكيدي»، أو المُنطلق من هوى شخصي لفرد الهيئة، كأن تحكم محكمة الاستئناف بمكة، بالسجن لمدة شهر، والجلد 50 جلدة، بحق سعودية قالت لأعضاء الهيئة «أنتم كذابون«. كذلك كانت من القضايا الشهيرة التي تورطت فيها الهيئة، قضية الإعلامي «علي العلياني»، الذي اعتاد انتقادها، قبل أن تقبض عناصرها عليه، بدعوى تعاطيه الكحول.

السعوديون..مع وضد الهيئة

لا يمكن إغفال حقيقة وجود العديد من السعوديين الذين يرون في الهيئة ضرورة؛ للحفاظ على المجتمع السعودي «التقليدي»، ويشيدون دائمًا بدورها في منع الجرائم و«الانحراف» في المجتمع السعودي.

 

لكن هُناك أيضًا، العديد من السعوديين، الذين نادوا بكبح جماح عناصر الهيئة، ويرون أن سطوة «المطاوعة»، أو كما يُطلق عليها «عناصر الهيئة»، قد قيّدت كل تحركاتهم، وخنقت حياتهما الاجتماعية. ويصف مواطنون الهيئة باعتبارها «سلطة داخل السلطة»، وقد رصدوا لها العديد من الانتهاكات.

لهذا، لم يُخف السعوديون فرحتهم بأي قرار قد يُقلص من نفوذ الهيئة وسطوتها. وبرز ذلك واضحًا بعد القرار الأخير، الذي جاء عقب انتهاكات مُتكررة وموثقة لعناصر الهيئة ضد مواطنين ومغتربين، ساهمت وسائل الاتصال السريعة، في توثيقها، ومن ثمّ انتشارها بين شرائح واسعة من المجتمع السعودي.

وفي 2012، أدّى السخط الشعبي المتزايد من تصرفات عناصر الهيئة، إلى اتخاذ العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، قرارًا بإعفاء رئيسها، وتعيين آخر، هو عبد اللطيف آل الشيخ، الذي نُظر إليه باعتباره إصلاحيًا، لذا لقي في المُقابل اعتراضات جمّة من الجناح الأكثر تشددًا داخل الهيئة، حتى وصل الأمر إلى محاولة اغتياله!

ومما أحدثه آل الشيخ، تأهيل أفراد الهيئة في دورات تدريبية، للتعامل مع المواطنين، بالإضافة إلى إلزام أفرادها دراسة دبلومة تأهيل لمدة عام، قبل الانخراط في أي عملٍ ميداني. كما أنّه في يوليو (تموز) 2014، أصدر قرارًا؛ بإلغاء «وحدة العمليات والدوريات الميدانية»، أكثر الوحدات احتكاكًا بالمواطنين.

تجاوزات أفراد الهيئة

في 2002، سُجّلت حادثة مُروعة، كان لأعضاء الهيئة، دورٌ كبير في تفاقمها: فبعد أن نشب حريق في مدرسة بنات في مكّة، حاول أولياء أمور الفتيات إنقاذهن، إلا أن أفراد الهيئة رفضوا، وأغلقوا أبواب المدرسة على الفتيات، بدعوى أنّهن لا يرتدين الحجاب، ما كان سببًا في زيادة عدد الضحايا.

https://www.youtube.com/watch?v=b7way9bYiuA

وفي 2010، لاحقت دورية أمنية بالشراكة مع الهيئة، سيارة خاصة كانت تقل عائلة سعودية. في النهاية أدت الملاحقة إلى وقوع حادث مروري، أودى بحياة الوالد، بينما بُترت يد الأم الحامل، وأصيب باقي أفراد العائلة بجروح متفاوتة. ومن الانتهاكات الشهيرة، تسبب أفراد الهيئة، في مقتل الشقيقين «ناصر» و«سعود القوس»، في حادثة عُرفت باسم «مطاردة اليوم الوطني». في الآونة الأخيرة، قبيل قرار تجريد السلطات، اشتهرت حادثة «فتاة مول النخيل»؛ إذ أظهر مقطع فيديو فتاة سعودية تصرخ بصوت عالٍ؛ إثر تعرضها للضرب المُبرح من قبل أفراد الهيئة، بسبب كشفها وجهها!

انتهاكات الهيئة لم تخل من بعض الكوميديا السوداء، مثل اقتحام استديوهات قناة «الثقافية» في العاصمة الرياض؛ ليأمروا ضيفة البرنامج بتغطية وجهها، ومثل مطاردة امرأة في مركز تجاري؛ بسبب طلاء أظافرها.

صدام مع الحقوقيين السعوديين

صراع متواصل بين رموز التيار الليبرالي والحقوقيين السعوديين، وبين رجال الهيئة. وتطالب المؤسسات الحقوقية، بتقنين عمل الهيئة، وتحديد صلاحياتها، والحد من نفوذها وسلطتها، داعيةً الحكومة السعودية إلزام أفراد الهيئة، الالتزام بالأنظمة والتعليمات، والحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية.

وكانت التقارير الحقوقية، تُركز على «تحديد صلاحيات منتسبي الهيئة بشكل دقيق، ومنعهم من المطاردة وتفتيش الممتلكات الخاصة دون مبرر، والقبض على النساء دون محرم، والإجبار على توقيع المحاضر دون قراءتها، واستخدام السيارات الخاصة لنقل من يوقف».

وكان رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية، «مفلح القحطاني»، قد قال في إحدى بياناته إن «المطاردات التي تتكرر من حين لآخر، بعضها يتم بناءً على اجتهادات شخصية، وأن هذا قد يسيء للسعودية، بخاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الحديثة».

تجريد من الصلاحيات

بناءً على قرار مجلس الشورى السعودي رقم 9/ 3، وكذا التقرير السنوي للرئاسة العامة للهيئة، قرر مجلس الوزراء السعودي، تنظيم الرئاسة العامة للهيئة، ومنع أعضائها من «إيقاف الأشخاص، أو مطاردتهم، أو طلب وثائقهم، أو التثبّت من هوياتهم، أو متابعتهم»، واقتصرت مهاهم أفرادها، على إخبار الشرطة أو الجهة الأمنية المختصة.

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عبد الرحمن السند رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وبحسب القرار، يصبح أعضاء الهيئة ملزمين بإبراز بطاقة التعريف الرسمية الخاصة بهم، بشكل ظاهر، تتضمن اسم العضو ووظيفته، والمركز الذي يتبعه، وساعات عمله الرسمي. وبحسب التعليمات أيضًا، فإن» الهيئة تختص بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إليه بالرفق واللين، مقتدية في ذلك بسيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه الراشدين من بعده، مع استهداف المقاصد الشرعية، والإسهام ـ مع الجهات المختصة ـ في مكافحة المخدرات، وبيان أضرارها على الأسرة والمجتمع».

على الجانب الآخر، نصّ القرار على أن «الرئيس العام للهيئة، هو المسئول عن إدارتها وتصريف شئونها، وهو المرجع للهيئات الفرعية، وله ما للوزير من صلاحيات في وزارته». وألزم القرار تعيين الرئيس العام للهيئة (بمرتبة وزير) بأمر ملكي.ويمنح هذا الرئيس حق إلحاق العدد الكافي من الموظفين والأعضاء، وتنشأ مراكز للهيئات الفرعية في المدن والمحافظات والمراكز.

كما فرض القرار، أن يكون عضو الهيئة، من ذوي المؤهلات العلمية، التي تحددها اللائحة التنفيذية. وأن يكون العضو مُؤهلًا لـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون حسن السيرة والسلوك».

أثر التغيير السياسي

يدرك المسئولون السعوديون، أن أي تغيرات سياسية أو اقتصادية، تعكف عليها الحكومة السعودية، لا يمكن أن تحدث بمنأى عن حدوث تغيرات اجتماعية، لذلك كان لا بد أن ترافق تغيرات خطة تحديث الاقتصاد السعودي على وجه التحديد بعض التغييرات الاجتماعية.

ويرى البعض أن قرار تقليص صلاحيات الهيئة، جاء استجابة للتغيرات التي تعكف على تنفيذها المملكة، بعد قرارات الإصلاح الاقتصادية، التي صدرت عن العاهل السعودي الحالي، سلمان بن عبد العزيز، وكذا القرارات السياسة، التي كان أبرزها قرار السماح للنساء السعوديات المشاركة في الانتخابات لأول مرة.

ما قد يثير الاستغراب من قرار مجلس الوزراء السعودي، تجريد الهيئة من صلاحياتها، أنه جاء كخطوة مخالفة لتوقعات أن تحصل الهيئة في عهد سلمان، على نفوذ وصلاحيات أكثر. أما سبب التوقع، فكان قرار العاهل السعودي، عزل عبد اللطيف آل الشيخ، عن منصبه كرئيس للهيئة، رغم ما عرف عنه من توجه إصلاحي، مع تعيين عبد الرحمن السند، الذي حُملت آمال المحافظين عليه، أن يُمكن لهم أكثر داخل الهيئة.

لكن على ما يبدو، فإن السند، الذي تولى عمادة التعليم عن بعد، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لمدة خمس سنوات، خيّب آمال المحافظين، عندما صدر القرار الأخير في عهده، وهو الذي عجّل بتنفيذه على أرض الواقع. وسبق ذلك، إعفاؤه لعبد الله بن صالح الفواز، مدير عام فرع الهيئة، في العاصمة الرياض، على إثر قضية فتاة مول النخيل، سابقة الذكر.

من الممكن أيضًا، أن يُقرأ دور هام لولي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، أو مُمثل جيل الشباب في المؤسسة الحاكمة مُباشرة. ولعل من بين أدواته للترويج لمشروعه، كان الحد من نفوذ الهيئة، التي كثرت صداماتها مع الشباب بخاصة. كما لا تُغفل دوافع تهدئة الرأي العام والشارع السعودي، الذي لم يتعاف بعد؛ من أثر أزمة انخفاض أسعار البترول، وما ترتب عليها من تغييرات اقتصادية هيكلية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد