في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2014، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما على موعد لحضور قمة «آسيا والمحيط الهادي»، في العاصمة الصينية بكين، قبلها بيوم وفي مؤتمر صحافي، قال أوباما إن رسالة الولايات المتحدة تتمثل في رؤية الصين ناجحة، لكن على بكين أن تكون شريكًا في ضمان دعم النظام العالمي القائم، لا في تقويضه.

يبدو أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سيتفق قريبًا، في لحظة تاريخية نادرة، مع نظيره الأمريكي الموشك على الرحيل، وما يبدو الآن كعُرسٍ ممتد، وصداقة متينة، وشراكة أعمال بالغة الضخامة، بين بكين وموسكو، ربما يتحول إلى توتر وتنافس واسع النطاق، وعلاقات دبلوماسية على مضض، بعد أن تزايد التدخل الصيني في آسيا الوسطى، إحدى مناطق روسيا المفضلة، أو ما نعرفه بـ «الفناء الخلفي» لها، وتصاعد المحاولات الصينية لافتكاك المنطقة، المغرقة في القدم، من العناق الروسي.

لماذا آسيا الوسطى؟

لدينا إذًا منطقة الإخوة «ستان»، الشاملة لخمس دول هم مكون آسيا الوسطى، والفناء الخلفي للاتحاد السوفيتي القديم قبل تفككه وانهياره، كازاخستان وتركمنستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان، وأحيانًا تكون السادسة في بعض التصنيفات هي أفغانستان، إلا أن السائد هو الدول الخمسة فقط، ليكتمل بذلك عقد آسيا الوسطى الجغرافي.

تعتبر المنطقة في حكم الأرض البكر حتى الآن، بواحدة من أقل مساحات العالم في الكثافة السكانية، وكما قارنها الصحافي الاقتصادي البريطاني، جيمس ماكيج، فإن تعداد دولها السكاني، بالكامل، يساوي تعداد السكان البريطاني، أي حوالي 65 : 66 مليون نسمة، إلا أن سكان دول آسيا الوسطى يعيشون على أراضٍ مساحتها 17 ضعف مساحة بريطانيا تقريبًا، أو بعبارة أخرى، فإن كل ميل مربع في آسيا الوسطى يحيا عليه خمسة أشخاص، فقط لا غير.

سلسلة جبال (ألاي) بقيرغيزستان

هذه المساحات الشاسعة، بالإضافة إلى عدم اهتمام الاتحاد السوفيتي بها حتى انهياره، جعلت المنطقة من أكثر مناطق العالم «غير المستغلة»، بموارد طبيعية هائلة لم يستخرج أو يستغل معظمها حتى الآن، فنجد أن كازاخستان مثلًا بها 3% من احتياط النفط العالمي بأكمله، و4% من احتياط الفحم العالمي، العُملة بالغة الأهمية للصين، أكبر مستهلك للفحم في العالم، وبها أكبر احتياطي في العالم من الزنك، وهي في المراكز العشر الأولى، عالميًّا، من حيث احتياطات الحديد والمنجنيز والرصاص والذهب، وبكازخستان أيضًا 15% من احتياطي العالم من اليورانيوم، أي أن جزءًا لا يستهان به من المستقبل النووي، السلمي والحربي، للعالم هناك، ومع تعداد سكاني يبلغ 16 مليون كازاخستاني فقط، لا بد وأن كل مواطن يتحرك بحصة هائلة من قيمة تلك الموارد، إلا أن هذا لا يحدث.

في تركمنستان، سنجد 4.5% من احتياطي العالم من الغاز الطبيعي، وكذلك أوزباكستان التي لديها 0.8% من الاحتياطي العالمي، وهو نفس المخزون المتواجد لدى ليبيا تقريبًا، ومعظم هذا الغاز يذهب للتصدير، بأسعار محررة وزهيدة كما سنوضح فيما بعد.

لا تتميز آسيا الوسطى بذلك فقط، وإنما تمتلك موقعًا ذا أهمية جيوسياسية ماسية، فتمتد من الشاطئ الشرقي لبحر قزوين بالكامل، وصولًا إلى قطع كبير من الحدود الغربية الصينية، ومن شمال أفغانستان إلى العمق الحيوي الجنوبي لروسيا الاتحادية، بينما نجد تماسًا أيضًا بين الحدود الجنوبية الغربية لتركمنستان، والشمالية الشرقية لإيران، مكونة ممرًا بالغ الأهمية لطهران، ومن ثم تعمل كموصل فائق الكفاءة بين شرق آسيا وغربها وصولًا لأوروبا، ومن الشمال للجنوب وصولًا للمحيط الهندي وشبه القارة الهندية عمومًا.

هذه الأهمية نجدها بصورة أوضح في نظرية «المحور الجغرافي للتاريخ»، أو ما نعرفه بنظرية «القلب» الجغرافية، لصاحبها سير هالفورد جون ماكيندر، الخبير الجيو-إستراتيجي الشهير، والتي قدمها إلى جمعية الجغرافيا الملكية اللندنية، في عام 1904 في مقال له، موسعًا فيه المنظور الجغرافي للعالم، لتصبح آسيا الوسطى في منتصف الأرض تقريبًا.

بكين وطريق الحرير

في 7 سبتمبر (أيلول) من عام 2013، وفي أثناء زيارته التاريخية لكازاخستان، وقف الرئيس الصيني شي جينبينغ في قلب العاصمة «أستان»، وتحديدًا في خطابه لطلبة وأساتذة جامعة «نازار باييف»، معلنًا ما تعارف عليه العالم بإرث الصين لآسيا، أو إنشاء طريق الحرير الجديد، الحزام الذي سيطوق آسيا بالكامل، ويربطها بأوروبا وأفريقيا بكفاءة وسرعة.

ما عرفه الرئيس الصيني على أنه «خروج لآسيا كلها من عنق الزجاجة»، أتى بميزانية ضخمة، غير مسبوقة، بلغت 40 مليار دولار، مبلغ سيضخ لصنع شبكة نقل هائلة، تربط ما بين الصين وآسيا الوسطى، وصولًا إلى أوروبا والشرق الأوسط، شبكة مكونة من خطوط نقل برية، وسكك حديدية بالغة الطول، تقطع القارة من الداخل للخارج.

من الـ40 مليار دولار، خصصت بكين 16.3 مليار دولار كاملة، لتنمية البنية التحتية في آسيا الوسطى، مبلغ قال «شي» حينها إن بكين ستقوم بضخه في دول المنطقة، لتأسيس بنية تحتية تعتبر من أهم ما تفتقر له آسيا الوسطى، والتي كان يعتبرها الاتحاد السوفيتي مزرعةً ومنجمًا كبيرين، بدون أي محاولة لتنميتها، أو رفع مستوى بنيتها التحتية، منخفض الكفاءة بالمعايير العالمية.

هذا المبلغ يتفوق على ما تضخه روسيا في نفس المناطق بأميال عديدة، ويمكننا العودة لتصريح جمال الدين نورالييف، نائب وزير مالية طاجيكستان، عندما أخبر الفايننشال تايمز أن الصين ستستثمر حوالي ستة مليارات دولار في عام 2017، وهو ما يأتي كجزء من خطة بكين الزمنية، المتصاعدة والمهندسة ببطء، لإحكام قبضتها على المنطقة، وتعزيز هيمنتها الإقليمية، والرقم يشرح الكثير من الفوارق بالفعل، فستة مليارات دولار تمثل أكثر من 70% من الناتج الطاجاكستاني المحلي بالكامل، في عام 2013، وهو رقم يعادل 40 مرة ضعف جميع الاستثمارات الأجنبية في الدولة.

ولمقارنة أكثر أثرًا، ولفهم أكبر لحجم التحرك الصيني، مقابل تحرك روسي فقير ومحدود الموارد، فإنه وفي نفس الوقت الذي وعدت فيه بكين طاجيكستان برفع استثماراتها، إلى ستة مليارات دولار، فإن موسكو كانت تعدها بسبعة ملايين دولار، رقم يساوي 0.0008% من حجم الأموال الصينية تقريبًا.

ضربات أخرى لموسكو

في 2009، أتمت بكين إنشاء أول خط غاز طبيعي، بدون تدخل روسي، ربط ما بين تركمنستان وكازاخستان وأوزباكستان، وصولًا إلى الصين، في إطار مسعى صيني مستقبلي لجلب معظم واردتها من الغاز من آسيا الوسطى، مقابل تقليل متدرج لواردتها من الغاز المسال عبر الممرات الملاحية البحرية، والمعرضة للقرصنة طوال الوقت، بالإضافة إلى حيزها الزمني الأوسع، والتكاليف الزائدة، وعلى جانب آخر فإن التبادل التجاري، بين الصين وآسيا الوسطى، زاد بنسبة عالية وغير مسبوقة حينها، قرابة الـ40% سنويًّا، وصولًا إلى 20 مليار دولار في العام التالي مباشرة، 2010.

في العام الماضي 2015، أصبحت بكين الشريك التجاري الأكبر لأوزباكستان، بحجم تجارة سنوي يقدر بثلاثة مليارات دولار، وأصبحت المستثمر الأكبر في كازاخستان، بتوقيع 33 اتفاقية تجارية في مختلف المجالات، ستوفر للاقتصاد الكازاخستاني 23.6 مليار دولار، كما أنها تستورد 30 مليون متر مكعب من الغاز سنويًّا من تركمنستان، منذ إنشاء خط 2009 كما ذكرنا، وتستثمر بشكل كثيف ويد ثقيلة في قطاع طاقة التوركمنستان، فضلًا عن إعطائها مساعدات عسكرية سنوية أيضًا.

تبدو مشكلة موسكو واضحةً وضخمةً، متمثلةً في عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية، في ظل انخفاض نموها الاقتصادي باستمرار، تحت طائلة العقوبات والحظر الاقتصادي الدولي، من الباطن في أغلب الأحيان، من ناحية، وفي ظل سياسة تراها حكومات الإخوة ستان «جشعة»، سياسة تعتمد على استيراد النفط والغاز الطبيعي، بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية، بنسبة لا بأس بها، ثم إعادة تصديرها من روسيا مرة أخرى، لأوروبا والشرق الأوسط وبعض الدول الآسيوية، بأسعار أعلى، ومع المحافظة على هامش ربح مرتفع.

يمكن تبين المشكلة الروسية فيما تفعله دول آسيا الوسطى منذ فترة، من الارتماء بين أذرع بكين، التي تعرض شراكة تجارية بشروط أفضل، وبمعاملات مالية أعلى، لذلك لم يكن مستغربًا أن تلغي قيرغيزستان شراكة، بينها وبين روسيا، في حزمة من مشاريع توليد الطاقة الكهربائية، والاتجاه للبديل الصيني الأكثر استقرارًا ومالًا، بينما تعرف موسكو أن علاج مشكلة تحجيم نفوذها لا يمكن حله بمجرد مصافحات وقمم دبلوماسية.

صعود العملاق الصيني

تبدو الأمور سائرة في اتجاه هيمنة صينية اقتصادية، ببطء وثقة، على منطقة بدأ فيها الصينيون بمليار دولار واحد، في عام 2000 كاستثمارات مباشرة وغير مباشرة ، مليار ظل يتصاعد حتى وصل في 2010 إلى 20 مليارًا، ثم وصل في العام الماضي إلى 50 مليار دولار، هي حجم التبادل التجاري والاستثمارات بين بكين والخمس دول، وهي أيضًا صورة مجسمة للقبضة الصينية في آسيا الوسطى، قبضة تتقزم بجانبها قبضة روسيا.

لا تبدي موسكو ارتياحًا للتدخل الصيني بالطبع، واستشرفت الصعود الصيني منذ عام 2011، ولذلك سعى بوتين إلى تكوين الاتحاد الأوراسي EEU»»، المكون من بيلاروسيا وروسيا وكازاخستان، والذي عارضته واشنطن، معتبرة إياه «محاولة روسية للهيمنة على منتصف آسيا، ودول العهد السوفيتي القديم»، إلا أن الاتحاد لم يكمل مشواره بتصاعد سريع، وأثر فيه بطء النمو الاقتصادي الروسي، والأزمة هناك؛ مما أدى إلى دمجه في مشروع حزام طريق الحديد الاقتصادي، المعروف اختصارًا بـ «SREB».

لم تكتفِ موسكو بهذه المحاولة، وإنما زادت من معدلات تدريباتها العسكرية، الموسعة والمشتركة، مع دول آسيا الوسطى، كالتدريب المشترك بين موسكو وطاجاكستان، على حدود أفغانستان مباشرة، في مارس (آذار) الماضي، تحت ذريعة صد سيناريو محتمل لغزو «تنظيم الدولة الإسلامية» لآسيا الوسطى، أو ألعاب الحرب التي أقيمت في بداية أغسطس (آب) الماضي، بتنسيق واستضافة مشتركة بين موسكو وكازاخستان، فيما بدا كل ذلك التقارب العسكري، الروسي في معظمه، على أنه رسالة مبطنة لبكين بأن قبضة موسكو العسكرية تحكم آسيا الوسطى، وأنها لن تسمح للمنطقة بالخروج من بين ذراعيها.

على كلٍّ، لا تبدو المهمة الصينية بهذه السهولة، ولا يمكننا إغفال الدور الأمريكي والأوروبي في المنطقة، حيث تبلغ استثمارات شركات النفط الأمريكية، في آسيا الوسطى، أكثر من 30 مليار دولار، ومع وجود نصيب لألمانيا وفرنسا وبريطانيا أيضًا، ووجود خط غاز هندي دال على اهتمام نيودلهي ببوابتها الشمالية، في خضم كل ذلك تعرف بكين أن مهمتها ليست بهذه السهولة، في منطقة تعتبر أحد مفاتيح مستقبل العالم الأساسية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد