في 20 يونيو الجاري أوقفت السلطات الألمانية، الإعلامي المصري ومقدم البرامج عبر قناة الجزيرة الفضائية، أحمد منصور، من مطار برلين ثُمّ أودعته سجن مؤبيد في العاصمة الألمانية، قبل أن تُفرج عنه أخيرًا يوم الإثنين الماضي (22 يونيو) بعد قرار النائب العام الألماني الذي لم يُوجّه له أي تهم.

وفقًا لشبكة الجزيرة نفسها، ثمّ لأحمد منصور ومحاميه، فإن عملية احتجازه كان بسبب مُذكّرة توقيف سلّمتها السلطات المصرية إلى الإنتربول. مع فرض صِحّة ذلك تبقى تساؤلات لم يُجب عنها، من بينها مثلًا: لماذا انتظرت السلطات الألمانية حتى مغادرته كي تلقي القبض عليه، بينما لم تفعل ذلك في دخوله لأراضيها أو وقت مكوثه فيها؟ صحيفة الجارديان البريطانية طرحت تساؤلًا آخر عن سبب حالة الالتباس المتعلقة بأمر الاعتقال، خاصة وأن متحدثًا باسم الحكومة الألمانية قال إن أمر الاعتقال جاء عن طريق نظام “المذكرة الحمراء” للإنتربول، في الوقت الذي نفى فيه الإنتربول نفسه صدور أي شيء ضد منصور من قبله!

وجدير بالإشارة إلى أنّ المتحدث باسم الشرطة الألمانية ميك جوير، قد صرّح بأن الضباط الذي ألقوا القبض على أحمد منصور يلتزمون فقط بأوامر الشرطة الاتحادية (شرطة ألمانيا الاتحادية) وليس الإنتربول. هذا ويبرز استفهام آخر، مُتعلّق بالسر وراء التزام ألمانيا القبض على منصور بسبب المذكرة المصرية، رُغم عدم وجود أيّ اتفاقيات تسليم مطلوبين بين البلدين؟ هذا على زعم صحّة فرضية مذكرة الاعتقال المصرية.

على إثر ذلك، بات لحادثة القبض على الإعلامي أحمد منصور سيناريوهات أُخرى، من أبرزها أنه جاء على خلفية الحوار الصحافي الذي أجراه مع زعيم تنظيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني. الصحافي البارز روبرت فيسك طرح ذلك، بالإضافة إلى غيره ممن استرعى انتباههم علامات الاستفهام مُتقدّمة الذكر، والتي يُضاف إليها ما صرّح به باتريك تويبنر، محامي أحمد منصور، من أنّ منصور كان مسافرًا بجواز سفره البريطاني، إذ إنه يحمل الجنسية البريطانية بالإضافة إلى المصرية.

لحظة الإفراج عن الإعلامي أحمد منصور (الأناضول)

 

في المقابل، وبعد الإفراج عنه، زعمت صحيفة اليوم السابع المصرية المؤيّدة للنظام، أن صفقة أُبرمت بين أحمد منصور والسلطات الألمانية، أفرج عنه على إثرها، هذه الصفقة – بحسب الصحيفة – مبنية على أن يفصح منصور عن معلومات تخص جبهة النصرة وقائدها أبو محمد الجولاني، مُقابل الإفراج عنه وعدم تسليمه لمصر، الأمر الذي قبل به منصور، وذلك وفقًا لليوم السابع مرّة أخرى التي قالت إنّ مصادر أمنية ألمانية هي التي أدلت لها بهذه المعلومات!

على كل حال، وكما سبق وذكرنا فإننا لا نملك معلومة مؤكدة عن خلفيات القبض على الإعلامي أحمد منصور، لكننا وانطلاقًا من القول بأنّ اعتقاله كان على خلفية إلزامه بالكشف عن معلومات ومصادر؛ سنتناول قضية الحق الصحافي في الاحتفاظ والحماية بالمصادر والمعلومات.

النضال الصحافي لحماية المصادر والمعلومات الخاصة

الآن، وحين توصف بالصحافة بالسلطة الرابعة، فذلك لعدّة اعتبارات من أهمها الدور الذي تلعبه في توفير المعلومة وتعزيز مبدأ حقّ المعرفة، مع كل الصعوبات التي تواجه محاولة القيام بذلك، من أجل هذا وعلى مر سنوات تضمنتها نضال الصحافيين، استطاعت المهنة في النهاية أن تكتسب بعض الميزات لصالح العاملين فيها، في إطار دورها.

من بين ما اكتسبته الصحافة جزئيًا ولاتزال في صراع من أجله؛ هو مبدأ سرّية المصادر والحق في حماية المعلومات الخاصّة. هذا الحقّ بات معترفًا به بموجب قوانين في بلدان عدّة، وكذا بموجب القانون الدولي، لكن في المُقابل لاتزال دول، بينها ديموقراطيات كبرى، لا تعترف بـ”قانونية” هذا الحق، ما يُعرّض الصحافيين إلى مخاطر جمّة.

كمخاطر الحروب والكوارث، يتعرض المحرر الصحافي أيضًا إلى خطر الملاحقة الأمنية والقانونية من أجل مصادره

 

وحماية المصادر، تعني عدم إجبار الصحافي على أن يكشف عن هويّة مصدر معلومته الخبرية، وفي بعض الأحوال تعني بالإضافة إلى ذلك عدم الكشف عن أي معلومات خاصة لم يتم الاتفاق بين الصحافي والمصدر على نشرها، لذا لا ينبغي على السلطات والحكومات أن تُجبر صحافيًا بأي طريقة على كشف تلك المعلومات فضلًا عن هويّة مصدرها.

هذه الحماية مبنية على مبدئين أساسيين، الأوّل مبدأ يخص القواعد الأخلاقية لهمنة الصحافة، إذ يُعتبر حماية الصحافي لسرية مصدره مسألة تتعلقه بالشرف، لكنّها على جانب آخر – وهو المبدأ الثاني – تتعلق أيضًا بالضرورة العملية!

المنطق في هذا الحق مبني على أنّه إذا كشف الصحافي عن هويّة مصدره السّري فإن هذا يستدعي عدم ثقة المصدر وغيره من المصادر في الصحافي، وربما الصحافة عمومًا، ما يُعطّل للمهنة أداء دورها المنوطة به، وفي حال أن هذا الدور مُرتبط بمصلحة عامة، فإن قوانين باتت تؤيد الحق وتحميه، على خلفية دعم حقوقي كبير في هذا الصدد.

حماية المصادر الصحافية من الشروط الأساسية لحرية الصحافة، فبدونها قد تمتنع المصادر عن مساعدة الصحافة في إعلام الناس بشؤون متعلقة بمصلحة عامة، وتكون النتيجة أنّه يُمكن أن يتقوّض دور الحارس المُراقب العام الحيوي الذي تؤديه الصحافة، وأن تتأثّر قدرتها في التزويد بمعلومات دقيقة يُعتمد عليها.

العبارات السابقة هي نَص ما حكمت به محكمة حقوق الإنسان الأوروبية عام 1996 في قضية رفعها الصحافي البريطاني جودوين ضد سلطات بلاده التي طلبت منه الكشف عن هوية أحد مصادره السرية داخل إحدى الشركات. حكمت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية لصالح الصحافي، ولصالح حق حماية المصادر السرّية، إذ اعتبرت أن إجبار الصحافي الكشف عن مصدره ممارسة مُخالفة لضمانة حرية الرأي والتعبير المكفولة وفقًا للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وبموجب هذا الحكم باتت كل الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ملزمة بتنفيذ حكم المحكمة، وحماية حق الصحافي في إخفاء هوية مصدره.

على مستوى القواعد الأخلاقية للمهنة، الصحافي ملزم بحماية مصادر ومعلوماته الخاصة

 

حتى الآن لايزال هذا الحق مصدر خلاف أساسي بين الذين يرونه امتيازًا يعزز من سلطة الصحافة على القانون وتحقيق العدالة، وبين الذين يرونه امتيازًا يعزز من سلطة الصحافة في أداء دورها بالكشف عن المعلومة التي قد تحقق مصلحة عامة للمجتمع. ثم بمرور الوقت ومع تطور وسائل الاتصال وبزوغ نجم الإعلام والصحافة الإلكترونية، ظهرت الحاجة إلى إعادة تعريف الوسيط/ الصحافي بين المصدر السرّي وبين الجمهور، وذلك بغية تعميم حق الحفاظ على سرية المصدر والمعلومات الخاصة، لأنّه ورغم إصدار بعض الأنظمة قوانين تكفل هذا الحق، إلا أنها كانت للصحافي التقليدي في وسائل الإعلام التقليدية.

لأجل هذا تحديدًا، اعتمدت بعض التشريعات في هذا الصدد على أن توسّع دائرة الوسيط الذي له الحق في حماية مصدره والاحتفاظ بمعلوماته الخاصة لنفسه، فعلى سبيل المثال نصّ المبدأ الثامن في إعلان البلدان الأمريكية لمبادئ حرية التعبير عن الرأي، على أنّ:

كُلّ وسيط ومتواصل اجتماعي، له الحقّ في الاحتفاظ بسرية مصدر المعلومات والملاحظات الشخصية والمهنية والمحفوظات السرّية.

ليس هذا فقط، بل توسعت الدائرة لتشمل أيضًا الأشخاص المحيطين بـ”الوسيط” أو ناقل المعلومة عن المصدر السرّي، وذلك لضمان حماية المصدر بكافة الطرق، وسد الثغرات التي تُمكّن السلطات – مثلًا – من الالتفات حول الوسيط للوصول إلى المصدر.

ورغم ما تقدّم ذكره مما استطاعت الصحافة الوصول إليه من قوانين تحفظ لها حقها من حماية سرية المصدر والمعلومات الخاصة، إلا أن كثيرًا من الأنظمة تُحارب ذلك جاهدة، تحت مبررات تتمثل غالبًا في “الحرب على الإرهاب” أو “الأمن القومي”، وأحيانًا تكون الدولة كافلة لهذا الحق، إلا أنها تضع استثناءً فيه، قد يخص القضايا الجنائية المباشرة مثلما يحدث في أرمينيا، وأحيانًا يكون الاستثناء فضفاضًا وغير محدد، مثل الاستثناء الذي نص عليه إعلان مبادئ حرية التعبير في إفريقيا، وهو: “يجب أن يؤمر الصحافي بالكشف عن هوية المصدر، فقط إذا كان ذلك لتحقيق المصلحة العامة“!

الصحافة وحماية المصادر والمعلومات .. خطر محدق وتهمة غير مباشرة

ثمّة العديد من الأمثلة على مر التاريخ الصحافي لنماذج اعتمدت على حق حماية المصدر السري والمعلومات الخاصة للكشف عن وثائق ومستندات ربما تدين أنظمة كبرى، لكنها في المقابل تعرضت وتتعرض لتهديدات أمنية وقانونية، لذا فجرت العادة إلى تأمين المؤسسات الصحافية والصحافيين لأنفسهم حال نقل المعلومة من المصدر إليهم، وذلك لضمان بقاء سرّيته مع التفاف بعض الأنظمة واستخدامهم أساليب المراقبة وربما التجسس للوصول إلى المصدر ومعلوماته الخاصة قبيل نشرها للحد من ذلك.

جوليان أسانج، المتحدث الرئيسي ورئيس تحرير ويكيليكس

 

من أبرز تلك الأمثلة المعاصرة منظمة ويكيليكس التي اضطّلعت بنشر وثائق ومستندات حكومية سرّية، كان آخرها وثائق صادرة عن وزارة الخارجية السعودية وملحقاتها الديبلوماسية. ويكيليكس الآن تعمل وفق أنظمة حماية تصعّب اختراقها من قبل الأنظمة التي تعرضت لها بالكشف عن وثائق خاصة بها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي هاجمت المنظمة في غير موقف، معتبرة أنّها خطر على الأمن القومي والديبلوماسية العالمية.

الآن يواجه جوليان أسانج، المتحدث الرئيسي ورئيس تحرير ويكيليكس، خطر الاعتقال بعد أن أدرجته الشرطة الدولية (الإنتربول) على قوائم أكثر المطلوبين لديها، على خلفية اتهام السويد له بالاشتباه في ارتكابه جرائم اغتصاب وتحرّش جنسي. أسانج والمؤيدون له من الأوساط الصحافية والحقوقية يؤكدون على أنّها تهمة ملفقة بُغية إلقاء القبض عليه لمنع استمرارية مشروعه، لذا فقد اختار هو أن يلجأ سياسيًا إلى الإكوادور التي وافقت على طلبه بعد مداولات وعدة مواقف.

اقرأ أيضًا: ويكيليكس.. كيف تُخيف الصّحافة حكومات العالم؟

في سبتمبر 2003 ألقت السلطات الإسبانية القبض على الصحافي السوري تيسير علوني، على خلفية المقابلة الصحافية التي أجراها مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أثناء الحرب الأمريكية في أفغانستان. وجّهت السلطات الإسبانية إليه تهمة “إساءة استخدام موقعه الصحافي”، ثمّ بعد نحو شهر أفرجت عنه بكفالة، قبل أن يُحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات، بداية من 26 سبتمبر 2005 بتهمة “التعاون مع خلايا إرهابية وإجراء مقابلة مع زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي”.

تيسير علوني

 

ورغم أنّ المحكمة في طيّات حكمها برّأته من تهمة الانضمام أو الاشتغال لصالح خلاية أو منظمة إرهابية، إلا أنّها في النهاية اعتبرته متعاونًا معها (تنظيم القاعدة)، ما اعتبرته الأوساط الصحافية والحقوقية، واعتبره تيسير علّوني نفسه، حُكمًا منتهكًا لحق الصحافي في الحفاظ على مصادره ومعلوماته الخاصة، بعد أن رفض الإفشاء بأي معلومة تخص بن لادن. لاحقًا وبعد نحو 7 سنوات، أفرج عن علّوني في مارس 2012.

أعتقد أنه عليّ أن أكون مستعدة للسجن مقابل حماية مصادري، فأنا أريد أن يعلم كل من يرغب في منحي قصّة ما، أنني على استعداد لدخولي السجن من أجل حمايتهم في حال كشفهم معلومات عن فعل خاطئ أو تزوير. – جوديث ميلر، صحافية في نيويورك تايمز.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد