لقد شهد العقد الماضي نموًا هائلاً لوسائل الإعلام الاجتماعي، وفيس بوك بشكل خاص. فحقيقة أن الموقع تفوق على جوجل كأكثر المواقع زيارة في الولايات المتحدة تشير إلى أن فيس بوك أصبح جزءًا لا يتجزأ من الطريقة التي نتواصل بها مع العالم من حولنا.

يتيح فيس بوك لمستخدميه إنشاء صفحات شخصية خاصة بهم، وتحميل الصور والفيديو، وإرسال الرسائل، وقبل كل شيء، البقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة والزملاء. ومع ذلك، فإن قدرة فيسبوك على إبقاء الناس على اتصال ببعضهم ليست سوى جزء من السبب وراء نجاحه الهائل.

الحقيقة هي أن فيسبوك يتيح لنا التواصل ليس فقط مع أحبائنا، ولكن مع احتياجاتنا الأساسية أيضًا. وبنفس الطريقة التي تلبي بها محلات البقالة حاجتنا للحصول على الطعام، أصبح فيس بوك وجهة يومية للملايين نظرًا لقدرته على تلبية احتياجاتنا النفسية.

تقدير الذات

يعتبر تقدير الذات أحد المحددات التي تشكل صحتنا النفسية. ويعتمد تقدير الذات في جزء كبير منه على مخططنا الذاتي، فهو نموذج ينظم المعلومات عن أنفسنا ويعكس ما نفكر به وما يهمنا وما نقضي وقتنا وطاقتنا عليه.

على سبيل المثال، إذا لم يكن “كونك شخصًا رياضيًا” جانبًا هامًا من جوانب التخطيط الذاتي الخاصة بك، من ثم فإن حلولك في المرتبة الأخيرة في مسابقة الجري في المدرسة لن يؤثر على احترامك لذاتك. ومع ذلك، إذا كان “تحليك بالذكاء” يشكل جانبًا هامًا من جوانب مخططك الذاتي، من ثم فإن حصولك على درجة ضعيفة في الامتحان من شأنه أن يؤثر سلبًا على احترامك لذاتك.

إن صفحاتنا الشخصية على فيس بوك هي انعكاسات صغرى لمخططنا الذاتي. وبالإضافة إلى مظهرنا، فهي تتضمن معلومات حول هواياتنا، ومستوى التعليم الذي حصلنا عليه وعدد الأصدقاء والأشياء التي نهتم بها وهلم جرًّا.

وهكذا، يمكن لفيسبوك زيادة ثقتنا بأنفسنا من خلال توفير الفرصة لإعادة صياغة والسيطرة على الطريقة التي نقدم أنفسنا بها إلى العالم. وعلاوة على ذلك، وعلى عكس المنتديات العامة، يسمح لنا فيسبوك بمنع أي “متصيدين”، وهم الذين تهدد شتائمهم وخطابهم الفظ ثقتنا بأنفسنا.

إدارة الانطباع

إدارة الانطباع هي العملية التي من خلالها يحاول الناس التأثير على تصور الآخرين لصورتنا لديهم من خلال تنظيم ومراقبة المعلومات أثناء التفاعل الاجتماعي. فهو يعتبر لبنة أساسية في مجال الاتصالات الشخصية، وذلك بهدف تعزيز الصفات المرغوبة.

إن فيسبوك، مثل معظم منصات التفاعل عبر الإنترنت، يسمح للمستخدم بممارسة قدر كبير من إدارة الانطباع.

أولاً وقبل كل شيء، على عكس المحادثات التي تجري وجهًا لوجه، يوفر فيس بوك للمستخدمين الكثير من الوقت الذي يحتاجونه لإعداد وتحديث حالتهم أو كتابة منشور بشكل مدروس على صفحاتهم الشخصية. بالإضافة إلى ذلك، يتم التخلص من تأثير السلوك غير اللفظي تمامًا في ميدان الإنترنت.

ونتيجة لذلك، قمنا بتطوير مجموعة من الإشارات الصريحة والضمنية لمساعدتنا في تشكيل انطباعات حول مستخدمي فيسبوك الآخرين.

تتكون الإشارات الصريحة من مقاييس واضحة مثل عدد الأصدقاء، والجودة الفكرية للأصدقاء ومستوى تعليمهم. أما الإشارات الضمنية فهي أكثر دهاء: فتحديثات العلاقة المتكررة تشير إلى عدم الاستقرار. أما تغيير صورة الملف الشخصي ووضع منشورات جديدة بصورة متكررة يمكن أن يشير إلى نزعة الانبساط، وتكرار النقر على زر “like” على المحتوى المنشور من قبل الآخرين يمكن أن يشير إلى محاولات الاندماج.

وعلاوة على ذلك، فإن قرار عدم مشاركة المعلومات مثل الحالة الاجتماعية، والجنس، يكشف أكثر عن حياة المستخدم من تبادل المعلومات!

ووجدت دراسة أجريت عام 2004 بواسطة صموئيل دي غوزنج وسيمين فازير من جامعة تكساس أن الصفحات الشخصية على موقع فيسبوك توفر للمتابع أكبر قدر من المعلومات حول شخصيات المستخدمين مثل غرف نومهم أو المكتب. وتقييمنا الأولي لشخصية المستخدم غالبًا ما يكون دقيقًا في معظم الحالات، ويتكشف في غضون الدقائق القليلة الأولى من التفاعل.

فنحن نبذل الكثير من الوقت والجهد في هذا التخصيص الذاتي لأنه، على مستوى اللاوعي، فإننا نعيد اختراع صيغة أكثر إيجابية عن أنفسنا. وينعكس هذا في تكوين عناصر التوصيف المحدد لشخصيتنا المختارة بعناية.

فنحن نضع أكثر صورنا جاذبية. ونعد قائمة بالأفلام المفضلة والموسيقى والكتب التي نشعر أنها ستجذب الآخرين؛ ونرسل طلبات الصداقة ليس فقط لأصدقائنا وعائلتنا، ولكن للأشخاص الذين نحترمهم ونريد أن نتواصل معهم.

وتؤكد نظرية الفهم الذاتي أن الناس يعملون على تطوير مواقفهم من خلال مراقبة سلوكهم، ومن ثم استخلاص استنتاجات حول المواقف التي كانت نتيجة لهذا السلوك. وهكذا، فإن الفرد يفسر السلوكيات العلنية الخاصة به بعقلانية، بنفس الطريقة التي يحاول بها تفسير سلوكيات الآخرين.

وهذا يساعد على شرح الكيفية التي يمكن أن تعزز بها الصفحة الشخصية على فيسبوك بشكل إيجابي من التصور الذاتي والمساهمة في تكويننا النفسي.

فيس بوك يتيح لنا الانفتاح على الآخرين

يوفر فيسبوك للأشخاص الاجتماعيين إمكانية التنفيس الفوري عن احتياجاتهم وهواجسهم. وقد ثبت أن الأشخاص الاجتماعيين يقومون بتحديث صور ملفهم الشخصي، وحالتهم، والمعلومات التي تكشف عن شخصياتهم أكثر بكثير من المستخدمين الآخرين. وهكذا، يسمح فيسبوك لهم بالتصرف خارج نطاق رغباتهم الخفية دون الخوف من التعرض للنظر إليهم على أنهم متغطرسون أو نرجسيون.

تخيل شخصًا يسأل الآخرين إلقاء نظرة على صوره في لقاء اجتماعي. سينظر له على الفور على أنها يكسر التقاليد الاجتماعية. ومع ذلك ففي فيسبوك، يعتبر ذلك نشاطًا مشروعًا.

الخلاصة

لقد أصبح فيس بوك عادة وروتين من السلوك الذي يتكرر بانتظام، وعادةً ما يحدث دون وعي منا. فقد نسجل في فيسبوك من أجل أن نتواصل مع أصدقائنا ولكن، ودون أن ندرك ذلك، يصبح الموقع من عادة ندمنها لأننا نكتشف أنه يوفر لنا الراحة النفسية. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الحلقة تلقائية أكثر فأكثر حيث إنها تنغرز في مساراتنا العصبية.

والنتيجة؟ 1.23 مليار مستخدم نشط شهريًّا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد