ما بين عامي 1915 و1917 ألقى سيجموند فرويد 28 محاضرة في موسمين جامعيين، أرادها أن تكون مدخلًا لدراسة التحليل النفسي، كان من بينها شروحه وتفسيراته لتأويل الأحلام، افترض فرويد أن الأحلام ليست عارضًا بدنيًا، ولكنها ظاهرة نفسية بدافعٍ شخصي منه نحو تفسير ظواهر الأحلام وربط بعضها ببعض، حتى يتاح لنا فيما بعد السيطرة عليها. الأحلام إذًا هي نافذة على أرواحنا، ومرآة لخفايا واقعنا، أو هكذا تصور فرويد أن كل حُلم مرتبط بصاحبه، وأن على صاحب الحُلم نفسه أن يؤول حلمه، ولكن هل الأمر بهذه البساطة؟

سيكولوجيا الأحلام

عندما قال محمود درويش: «سأصنع أحلامي من كفاف يومي؛ لأتجنب الخيبة» لم يكن يعرف أننا بالفعل نصنع أحلامنا، دون أن ندرك ذلك: ففي الأحلام كل الأشياء المُستحيلة تتحقق، يمكنك القفز من النافذة لتطير، الموتى يعودون على قيد الحياة، والأصدقاء المهاجرون يتجمعون في أمسياتٍ ضاحكة، وحتى أشباح الطفولة يمكن أن تتجسد لك، فما الذي تعنيه ذاكرة أحلامنا؟
يقول عن ذلك «سيجموند فرويد» في كتابه «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي» إن الحُلم ظاهرة نفسية، وإن عقول الناس تحتضن أشياء معينة يعرفونها، دون أن يدركوا ذلك، مُفسرًا ذلك بأن الإنسان قد تنطوي نفسه على معرفة دون أن يعرف عنها شيئًا، وأن هذه هي حالة الحالم؛ فالحالم بالنسبة لفرويد يشتق حلمه من مجموعة من الأفكار والاهتمامات الحبيسة في عقله، دون أن يدرك ذلك، وأن دور علم النفس هنا هو أن يقدم له يد العون لاكتشاف تلك المنطقة الخفية في عقله؛ وبالتالي تأويل حلمه.

بالنسبة لفرويد كان تفسير الأحلام هو طريقته لفهم الصراع الداخلي الذي يخوضه الإنسان في اللاوعي؛ حيث اعتقد أن الأحلام تنشأ في الأساس من صراعاتنا الداخلية بين الرغبات اللاواعية وجهودنا في كبحها، فوصف الأحلام بأنها «الطريق الملكي إلى اللاوعي»، وشجع مرضاه على التحدث بلا حساسية عن أحلامهم؛ لأنها بالنسبة إليه تربط الماضي والحاضر بالمستقبل، وتعمل على تكثيف الصور، بل وقد يعمل العقل البشري على إحلال الأشخاص والأشياء محل بعضهم البعض، وهو ما يتحدث عنه «أدريان فورنهام» أستاذ علم النفس بجامعة لندن في Psychology Today، حيث أشار إلى أن المحللين النفسيين يستخدمون الأحلام بعناصر التغيير فيها، مثل الإحلال أو التحول، حيث يتحول الناس من كبار في السن إلى أطفال في أحلامهم، أو العكس، أثناء قيامهم بالتحليل النفسي.
لكن  نظرية فرويد تعرضت للنقد، واعتمد النقاد على تساؤل واحد: إن كانت أحلامنا فعلًا هي مجرد رغبات غير مشبعة أو متحققة، فلماذا نحلم أحيانًا أحلامًا سلبية أو لها علاقة بموروثات ثقافية واجتماعية ؟

إن كانت «نظرية الأحلام» عند فرويد هي عملية خاصة بالإنسان ذاته، وماضيه، ومكنونات نفسه المكبوتة، فهي على النقيض عند «كارل جونغ» مؤسس علم النفس التحليلي، والذي يعتبر الأحلام لها علاقة باللاوعي الجمعي، بكل الموروثات الثقافية والاجتماعية والأساطير؛ فبالنسبة لجونغ اللاوعي غير مرتبط بالإنسان وحده، ولكن بالبيئة المحيطة أيضًا، ولذلك كان يقوم بتفسير الأحلام بطريقة متوازية عن طريق تحليل الفرد وتجاربه الخاصة، جنبًا إلى جنب مع موروثه الثقافي، وعن ذلك يقول «جونغ» إن القواسم المشتركة في محتوى الأحلام بين الأفراد، ترجع أحيانًا إلى تشاركهم في ثقافة واحدة، وهي ما يحصل عليه الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية والتجارب التنموية المشتركة بين جميع البشر.

وعلى الرغم من أن نظريات فرويد ويونج عن الأحلام كانت هي أحد الأسس التي بُني عليها علم النفس التحليلي، إلا أنها خضعت للغربلة فيما بعد، من خلال بعض الأدلة العلمية التي اكتشفها الباحثون في تجاربهم على الأحلام، وتبلور مفهوم الحلم بشكلٍ أوسع، ولكنهم اتفقوا على ثلاثة مفاهيم، أن الحُلم عملية إدراكية تعتمد على مخططات الذاكرة والذاكرة العرضية إلى جانب المعرفة العامة لتصنع محاكاة مقبولة للعالم الواقعي، وأن للأحلام معنىً نفسيًا يرتبط مع المتغيرات النفسية الأخرى، وأخيرًا: أن الأحلام غير العادية، والتي تتناول القيام بالأعمال المستحيلة، كالطيران مثلًا كلها نتاج تفكير شارد.

لماذا تتكرر بعض الأحلام بصفة مستمرة؟

كلٌ منا لديه حلمه المتكرر الخاص الذي يؤرقه، ولم يجد له تفسيرًا حتى الآن، فهل يمكن أن يكون لأحلامنا المتكررة سبب منطقي؟ وهل فعلًا تعكس أحلامنا المتكررة مخاوفنا وضغوطنا الحياتية؟

تقول «ميشيل كار»، وهي باحثة في دراسات النوم بجامعة سوانسي، في مقالٍ لها على موقع Psychology Today عن الأحلام المتكررة: إن هذا النوع من الأحلام يحدث لما بين 60% إلى 75% من البالغين، وغالبًا ما يحدث للنساء أكثر من الرجال، وأن هناك موضوعات شائعة تُبنى عليها أغلب هذه الأحلام، مثل: التعرض للهجوم، وحلم المطاردة، أو السقوط من أعلى، وفقدان السيطرة على السيارة، أو حتى الفشل في الامتحان، وتفسر ذلك بأن الأحلام المتكررة – نظريًا – تعبر عن وجود صراعات أو ضغوط لم تحل في حياة الفرد، مُضيفة أن محتوى الحلم المتكرر غالبًا ما يكون سلبيًا.

تستكمل «كار» حديثها قائلة: إنه طبقًا للدراسات الحديثة على الأحلام، فقد اتضح أن محتوى الحلم السيئ لا يشير بالضرورة إلى سوء تكيف مع الواقع، فمثلًا أغلب طلاب الطب الذين تمت عليهم الدراسة، وكان حلمهم المتكرر بعد اجتياز الامتحان هو الفشل فيه، جاءت النتيجة أعلى، واحيانًا بتفوق؛ مما يشير إلى أن الدافع من وراء الحلم كان الرغبة الشديدة في تحقيق النجاح.
تستعرض كار أمثلة من الدراسة؛ تؤيد وجهة نظرها، بأن الأحلام المتكررة قد تكون نتيجة جهد مبذول في حياتنا، ورغبة نحو إحراز التقدم، وأنه حلم يبدأ مع الشخص في سن مبكرة، وقد يلازمه طوال الحياة، كلما شعر بالتوتر أو القلق، وتوقف الحلم المُتكرر يعبر غالبًا عن انتصار الشخص على صراع حياته، وأنه قد أحرز التقدم المرجو.

إن كانت الأحلام المتكررة قد تكون مؤشرًا جيدًا فماذا عن الكوابيس المُتكررة؟

الكوابيس بشكلٍ عام هي رد فعل طبيعي للنفس البشرية تجاه الإجهاد، ويرى الأطباء أنها تساعد الأشخاص في تقبل الأحداث الصادمة، لكن حين يتحول الكابوس العادي إلى كابوس متكرر يبعث الرعب والخوف في نفس ضحيته؛ مما يعيق الشخص عن أداء مهامه العملية بشكلٍ جيد، فإنه يتحول حينذاك إلى «اضطراب الكوابيس المتكررة»، وهو اضطراب نادر يخلق خوفًا من النوم، وقلقًا، وعدم قدرة على القيام بمهام النهار، وأحيانًا ما يكون مصحوبًا بتغير في معدل ضربات القلب.

خرافة الجاثوم .. هذا الكابوس المخيف المتكرر

هل تتذكر هذا الحلم المزعج الذي أرقك لأيام وجعلك عاجزًا عن النوم مرة أخرى، هذا الحلم الذي تفقد فيه قدرتك على الحركة، وعلى التنفس، وربما تشعر بأن أحدًا يقيدك، فبت تصارع من أجل الاستيقاظ لينتهي الحلم، ولكنك تفقد السيطرة حينها على جسدك، ليأتي الاستيقاظ بعدها في شكل حركة فجائية للجسم كله بعد شلل تام؟

كثير من الناس يطلقون على هذا الحلم الشائع اسم الجاثوم، أو (أبو اللبيد)، وعندما يتكرر الأمر، تجنح بعض الثقافات والأديان نحو تفسيره بتسلط الجن على الإنسان، وهو أحد الأمور التي ساعدت في انتشار «أسطورة الجاثوم»، ففي كل ثقافة من ثقافات الشعوب تم تفسير الظاهرة بطريقة تشير إلى ارتباطها بالجن والشياطين والأرواح الشريرة؛ في الثقافة الأوروبية إبان القرن الثامن عشر، كان الجاثوم أو (شلل النوم) يتم تفسيره على أنه دليل على سحرٍ شرير، وكان من الأدلة المستخدمة في المحاكم أثناء محاكمة الساحرات، وفي الفلكلور الياباني أشاعوا أنه ناجم عن الأرواح الشريرة، وهو اعتقاد مازال سائدًا في بعض الأماكن باليابان حتى الآن.

Embed from Getty Images
والحقيقة أن للجاثوم تفسير علمي، أصبح باحثو علم النفس يدركونه الآن، فهو ظاهرة يطلق عليها شلل النوم، وغالبًا ما تحدث عندما لا يتفق العقل مع الجسد في حالة الاستيقاظ، بمعنى أن العقل قد يكون قد استيقظ، إلا أن الجسد مازال غارقًا في النوم، وهو ما ينتج عنه حالة الشلل المعروفة، والتي تحدث فقط عند الاستفاقة في إحدى مراحل النوم الخمس التي يمر بها الإنسان كل ليلة، وتسمى «نوم حركة العين السريعة»، والتي تتميز بحركاتٍ سريعة وعشوائية للعينين، يرافقها شلل تام في عضلات الجسم، ويعتقد الشخص حينها أنه يختنق أو يُحتضر؛ نتيجة لهلوسات العقل في ذلك الحين.

هل كل أحلامنا تحتاج لتأويل؟

كل الأحلام بالطبع قابلة للتأويل، وكما أشار فرويد من قبل، يمكن لأي شخص أن يفسر أحلامه بنفسه؛ لأنه الوحيد القادر على حل اللغز، ولأن عقله الباطن هو من قام بصناعتها في بادئ الأمر، ولكن ليست كل الأحلام لها علاقة بالرغبات المكبوتة أو بالموروث الثقافي والصراعات الداخلية، فبالطبع يمكن للشخص أن يتعرف على نفسه بشكلٍ أعمق من خلال عمله على تأويل أحلامه ودوافعها، ولكن ليست كل الأحلام تحتاج للتأويل، فهناك مثلًا ثلاثة أنواعٍ أساسية من الأحلام، قد لا تنطوي على مفهومٍ عميق لصاحب الحلم:

الحلم هو خيالٌ سلبي

بعض أحلام النوم مثلها مثل أحلام اليقظة هي خيال سلبي، ولكنها أكثر حرية؛ مما يفقدك سيطرتك عليها، فالأحلام كلها من صنع العقل الباطن، صورًا ينتجها اللاوعي، ولكنها تبدو حية وحقيقية، وعن هذا يقول بعض الباحثين إن تفسير الأحلام يمكن أن يخضع للنواحي الفيزيقية للجسد، وليس النواحي النفسية فقط، مشيرين إلى أن حركة العين السريعة وتحفيز القشرة المخية والشلل العضلي، هو ما  يعمل على إنتاج الصور.

كما أن الأحلام ليست كلها تنطوي على مفهوم خفي وعميق داخل النفس البشرية، وأنها فقط قد تنطوي على حدث يشغل العقل في الآونة الأخيرة، مثل حلم شخص يخوض عملية جراحية في غضون أيام، فيبدأ الحلم لديه بمشرط الجراح.

أوهام الأحلام

وهي تلك النوعية من الأحلام التي تثيرها محفزاتٍ خارجية، كحلم رجلٍ في الشتاء لم يرتد ملابس كافية أثناء النوم، ويشعر بالبرد، فتتكون لديه مجموعة من الصور يحفزها الشعور بالبرد، مثل سيره تحت المطر مثلًا.

هلوسة الأحلام

بعض الأحلام تكون عبارة عن مسرحية من الخيال، تستعرض مجموعة من الصور بشكلٍ عفوي، بعضها قد يكون في شكل شاب يحلم بفتاة يحبها، حلم فانتازيا، وهو الأمر الذي فسره فرويد على أنه لرغبةٍ جنسية غير مُشبعة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد