هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010- 2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ إلى وثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

اكتسبت قطر، بفضل سياساتها الخارجية الداعمة للربيع العربي حلفاءً وخصومًا، وكان من أبرز خصومها جارتها التي تحدها جنوبًا؛ السعودية، وجارتها الأخرى؛ الإمارات، وهما الدولتان اللتان دعمتا الثورات المضادة التي سعت لقمع وإيقاف أي حراكٍ أو تحول ديمقراطي ينادي بالحريات وبالمبادئ الأساسية للعيش الكريم في المنطقة.

بدأت قطر في توسيع نفوذها خلال العقدين الماضيين، وبفضل سياساتها الخارجية الداعمة للربيع العربي خلقت حلفاءً وخصومًا، فأدركت الدوحة أنَّها إذا ما أرادت أن تصبح لاعبًا مؤثرًا في المنطقة، فعليها تأمين نفسها في عاصمة العالم؛ واشنطن.

وبفضل استضافتها لقاعدة العديد العسكرية، أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، تمكنت الدوحة من كسب الحليف الأهم على الخارطة، ولكنَّ صعود دونالد ترامب، وضغوط خصميها اللدودين، الإمارات والسعودية، كاد أن يغير المعادلة.

يسرد هذا التقرير قصة اللوبي القطري في أمريكا منذ عقدٍ من الزمن، موضحًا الأساليب الذي اعتمدها، والمدفوعات التي دفعها، والملفات التي عمل عليها، ونقارن بين طريقة عمله قبل الحصار وبعده. والمقصود بـ«اللوبي القطري» في هذا التقرير هي الجهات التي عملت من أجل مصالح قطر، سواءً كانت قطرية أو غير قطرية.

أساليب عمل اللوبي القطري

منذ استلام الشيخ حمد بن خليفة إمارة البلاد عام 1995، اعتمدت قطر القوة الناعمة عمودًا لسياستها الخارجية، مثل: فتح القنوات الدبلوماسية ولعب دور الوسيط الدولي، والاستثمار ببناء وسائل الإعلام. انعكست هذه السياسة على أنشطة اللوبي القطري في واشنطن، فقد كان التواصل قبل حصار قطر يرتكزُ على الجهات الخاصة بوزارة الخارجية، أو مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، ما عدا الملفات الدفاعية وصفقات الأسلحة.

لم تمتلك دولة قطر ماكينات لوبي قويَّة قبل الحصار الذي فُرض عليها في يونيو (حزيران) 2017، فدفعها الحصار لتشكيل لوبي يضغط سياسيًّا لتمرير مصالحها، أو يدفع الضغط الموجه ضدها من قبل لوبيات أخرى، خاصة اللوبي الإماراتي.

وكشفت وثائق «فارا» عن أنشطة اللوبيات التي تعمل ضد قطر بواشنطن في عديد من الملفات مثل: الحرب ضد «الجزيرة»، أو الحملات التشويهية.

وبالنظر إلى الأموال المدفوعة، نجد أن مدفوعات اللوبي الموثقة بعد الحصار بلغت قرابة 54 مليونًا (من أصل 75 مليونًا) على العقود الجديدة أو المستمرة. وفيما يلي نستعرض أهم أساليب عمل اللوبي القطري، وقنوات ضغطه داخل الولايات المتحدة.

في الكونجرس.. قطر تشكل تكتلات تضغط لصالحها

تتواصل اللوبيات عادة مع موظفين وأعضاء الكونجرس، للضغط عليهم بخصوص قوانين وتشريعات ذات صلة لجهة خارجية، واعتمدت قطر هذا الأسلوب بكثافة بعد الحصار الذي فُرض عليها. لكنَّ ما يميز اللوبي القطري عن غيره هو بناء شبكة من «تكتلات الكونجرس – Congressional Caucus»، وهي عبارة عن مجموعة من أعضاء الكونجرس الذين يتشاركون أهدافًا تشريعية مشتركة، تخص قضايا أو دولًا محددة.

أسس «التكتل القطري» بالكونجرس عام 2004، عن طريق توظيف تانيا رحال، خبيرة الضغط السياسي والشؤون الحكومية، وكان التجمع مكونًا من 50 عضوًا بالكونجرس، واستطاعت تانيا بواسطة شقيقها النائب الديمقراطي، نيك رحال، تأسيس هذا التكتل. يسمى هذا التكتل اليوم «التكتل الأمريكي للعلاقات القطرية الأمريكية الإستراتيجية»، وانضم إليه مجموعة من النواب، مثل: النائب الجمهوري جوس بيليراكيس، والديمقراطي أندري كارسون، والجمهوري بيلي لونج، والجمهوري جو ويلسون.

في عام 2007، قدَّمت النائبة كارولين مالوني، برعاية نواب آخرين أعضاء بالتكتل القطري مثل نيك رحال وجو ويلسون، قرار تهنئة لدولة قطر، بمناسبة يوم الصداقة القطري الأمريكي. وبعد تسلم الشيخ تميم إمارة البلاد، قدَّم النائب الجمهوري، مايكل جريم، قرار تهنئة لدولة قطر بخصوص هذه المناسبة.

وقبل حصار قطر بأيام قليلة، حاول اللوبي إقناع النائب الجمهوري، ليي زيلدين، بإعادة تفعيل التكتل، ولكنَّه رفضَ بسبب «قلقه بخصوص علاقة قطر بحركة حماس»، كما ذكرت المتحدثة باسم مكتب النائب لصحيفة «بولوتيكو».

وبعد الحصار، سجلت وثائق اللوبي تواصلًا مكثفًا مع «تكتل الحرية» بمجلس النواب، وهو تكتل مؤلف من جمهوريين محافظين للدفاع عن مبادئ حزب «الشاي» وقِيَمه، وتأسس التكتل عام 2015 لمعارضة الجمهوريين التقليديين الذين يحاولون الوصول إلى تسويات سياسية مع الديمقراطيين والرئيس الديمقراطي الأسبق، باراك أوباما، بهدف تمرير تشريعات معينة. وقد ساعد هذا التكتل دونالد ترامب فور تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة وتعاون معه في ملفات عدَّة منها إغلاق الحكومة الأمريكية بعد خلافه مع الديمقراطيين.

Embed from Getty Images

مجموعة من تكتل الحرية أمام مبنى الكونجرس 

كان تواصل اللوبي مع تكتل الحرية أثناء الفترة الصعبة التي تُحاول فيها قطر كسب صف ترامب وحلفائه بالبيت الأبيض، بسبب ما تلقته من أضرار الحصار. وما بين فبراير (شباط) حتى يوليو (تموز) من عام 2017، كان التواصل مع جستن أوميتي، المدير التنفيذي لتكتل الحرية، وعضو التكتل النائب الجمهوري، ديفيد شويكرت.

التشبيك مع البيت الأبيض.. والاستثمار في «الولايات الأمريكية»

حاول اللوبي القطري قبل تسلم ترامب الرئاسة التواصل والتشبيك مع فريقه الانتقالي، فتواصل مع  أبي جولدشميت، المساعد الخاص للرئيس ترامب، لتنسيق اجتماع معه في ديسمبر (كانون الأول) 2016. وقد عمل جولدشميت في حملة مايكل بلومبيرج لمنصب عمدة ولاية نيويورك، مساعدًا بشؤون التواصل مع الجالية اليهودية، ولاحقًا عمل مساعدًا في حملة رودي جولياني الرئاسية، محامي ترامب الخاص. وعقد اللوبي القطري اجتماعات أخرى مع أفرادٍ من فريق ترامب الانتقالي، مثل مات ماويرز، وريك ديربورن.

اعتمد اللوبي القطري على إستراتيجية ذكية بالتواصل مع الولايات الأمريكية، وتعزيز العلاقات التجارية معها. واستطاع عن طريق هذه الإستراتيجية كسب أعضاء بالكونجرس، فتعزيز العلاقات التجارية يعني زيادة نسبة رضا سكان هذه الولايات، وبالتالي ارتفاع نسبة إعادة انتخاب الأعضاء الممثلين لها.

على سبيل المثال؛ بعد حصار قطر، تعاقدت السفارة القطرية مع شركة «بالارد بارتنرز – Ballard Partners»، قبل ثلاثة شهور من زيارة الأمير تميم لواشنطن في يونيو (حزيران) 2018، وتملك الشركة صلات قوية مع دوائر ترامب، ويمتلك رئيسها علاقة بترامب ممتدة منذ 30 عامًا.

/
من تعاقد السفارة القطرية مع شركة «بالارد بارتنرز»، ويظهر في الصورة توقيع مشعل بن حمد آل ثاني، السفير القطري إلى واشنطن. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وعلى صعيد الاستثمار في الولايات، عملت الشركة، التي يقع مقرها في ولاية فلوريدا، على التواصل مع ريك سكوت، حاكم الولاية، ومع مجموعة من الشركات الخاصة لعقد صفقات استثمارية. ورغم قلة الأنشطة المسجلة، بلغت المدفوعات للشركة مليونين و160 ألف دولار.

بينما أسست الدوحة علاقة مميزة مع ولاية كارولينا الجنوبية، خاصةً مدينة تشارلستون الساحلية؛ إذ وقعت المدينة اتفاقية «توأمة» مع مدينة الدوحة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. ووقع الطيران القطري عقودًا استثمارية مع مصنع «بوينج» لتصنيع الطائرات في تشارلستون، بالإضافة إلى عقودِ أسلحة لطائرات «إف-15».

وفي عام 2018، أسست شركة «برزان القابضة»، التابعة لوزارة الدفاع القطرية، مكتبًا لها في تشارلستون، ووقعت صفقات لشراء معدات أمنية أمريكية، وتنسيق صفقات بيع أسلحة، وبلغت موازنة المكتب منذ تأسيسه 20 مليونًا و569 ألف دولار.

Embed from Getty Images

السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام في منتدى الدوحة 2019.

استطاعت قطر تعزيز علاقتها مع السيناتور عن ولاية كارولينا الجنوبية، ليندسي جراهام، أحد أبرز الوجوه الجمهورية بالكونجرس ورئيس اللجنة القضائية، من خلال هذه العقود الاستثمارية النوعية، ليكون حليفًا في معركتها ضد دول الحصار في واشنطن، فكان جراهام من أكبر الناقدين لمحمد بن سلمان في تحميله مسؤولية جريمة مقتل خاشقجي، والأزمة الإنسانية باليمن، وحصار قطر.

/
من تعاقد مكتب شركة برزان للطيران مع شركة «أوت آند بيليتزكي آند أونيل»، للضغط السياسي والخدمات القانونية، ويظهر في الصورة توقيع المدير التنفيذي للشركة، فنسنت رينز.

التعليم أداة نفوذٍ في أمريكا.. وكذلك التواصل مع الإعلام ومراكز الأبحاث

لا تقتصر القوة الناعمة لقطر على الإعلام فقط، بل اعتمدت خلال العقد الماضي «دبلوماسية التعليم»، فأسست المدينة التعليمية، وهي مجموعة من الجامعات الأمريكية العالمية مثل جامعة «جورج تاون»، و«كارنيجي ميلون»، و«تكساس إي آند إم».

وفي عام 2009، وظفت مؤسسة قطر، التي تدير المدينة التعليمية، «مجموعة أوجيلفي – Ogilvy Group»، التي تواصلت بدورها مع عشرات الجهات الإعلامية الأمريكية لترويج أعمال المدينة التعليمية ومبادرتها، مثل ترويج مبادرة «أكاديميتي»، أو تنسيق لقاءات إعلامية للشيخة هند بنت حمد، المديرة التنفيذية للمؤسسة.

روَّج اللوبي أيضًا لمؤسسة «التعليم فوق الجميع» ومشروعاتها التعليمية، ومشروع آخر في قطاع غزة. وقدم نبذة عن المدينة في اجتماعه مع مايك سوميرز، رئيس موظفين مكتب متحدث مجلس النواب الجمهوري، جون بوهينر.

وبالحديث عن مراكز الأبحاث، افتتح معهد بروكينجز الأمريكي فرعًا له بالدوحة عام 2007، وهو أحد أعرق المراكز البحثية الأمريكية؛ إذ تأسس عام 1916. وتتبرع قطر للمعهد باستمرار، ففي عام 2013 سجلت قطر تبرعًا للمعهد بقيمة 14 مليونًا و800 ألف دولار.

وما بين ديسمبر 2014 إلى مايو (أيَّار) 2015؛ تواصل اللوبي بكثافة مع أبرز مراكز الأبحاث في واشنطن مثل: معهد واشنطن، ومركز التقدم الأمريكي، والمجلس الأطلسي.

هدوء ما قبل العاصفة.. نظرة إلى أنشطة اللوبي بعد الربيع العربي وقبل الحصار

تظهر وثائق اللوبي قبل حصار قطر، أنشطة موجهة في ملفات محددة. ولوضع الأنشطة ضمن سياقها الأكبر، علينا ذكر بعض الأحداث الفارقة التي ستسهل علينا فهم أنشطة اللوبي خلال هذه الفترة.

بعد الربيع العربي، تشكلت محاور جديدة في المنطقة وبدأ صراع نفوذ خليجي في ليبيا وسوريا واليمن، ولم تأخذ قطر موقفًا راديكاليًّا تجاه الدول التي تعادي الثورات حينها، بل حاولت البقاء في إطار جهود الوحدة الخليجية ومجلس التعاون الخليجي، فانضمت للتحالف السعودي في حرب اليمن، وبالرغم من توحُّد الصف الخليجي بهدف إسقاط بشار الأسد، تضاربت التوجهات القطرية مع السعودية على أرض الواقع.

ولكنَّ حربًا شنتها الإمارات مع السعودية على قوى الربيع، وضعت قطر على قائمة أعداء دول الثورة المضادة. وفي حدثٍ غير مسبوق، وصل التصعيد إلى سحب سفراء الإمارات والسعودية ومصر من قطر عام 2014. ومع شعور قطر بالعزلة، بدأت مساعيها لعقد صفقات أسلحة مع واشنطن.

ففي عام 2013، زار وزير الدفاع الأمريكي، تشاك هيجل، الدوحة، ووقع اتفاقية تعاون عسكري لمدة 10 سنوات، وتبعها اتفاقية مبيعات أسلحة متقدمة بلغت قيمتها 11 مليار دولار. هذه الصفقات ليست الأولى من نوعها؛ فبين قطر والولايات المتحدة تعاون عسكري كبير؛ فقد وقعت قطر اتفاقية تعاون عسكري مع الولايات المتحدة عام 1992.

ومنذ عام 2002، دفعت قطر حوالي 8 مليارات دولار دعمًا للعمليات الأمريكية وعمليات التحالف. ومنذ عام 2003 دفعت الدوحة حوالي 500 مليون مقابل عمليات البناء العسكرية. ووفرت دعمًا بقيمة مليار و800 مليون مقابل خطة لتوسعة قاعدة العديد.

Embed from Getty Images

استقبال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في قاعدة العديد العسكرية، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط.

وضمن جهود قطر للعب دور الوسيط، استضافت القوى السياسية اللبنانية عام 2008 لبحث حل للأزمة اللبنانية فيما يسمى «اتفاق الدوحة». وفي يونيو (حزيران) 2013، افتتحت الدوحة مكتبًا لطالبان أفغانستان، لبحث جهود إنهاء الأزمة في أفغانستان وعقد المفاوضات بين المجلس الأعلى للسلام الأفغاني والممثلين المفوضين لحركة طالبان. وتلعب قطر حاليًا دور الوسيط في محادثات السلام بين أمريكا وطالبان، وبين الحكومة الأفغانية وطالبان.

كانت غالبية أنشطة اللوبي قبل الحصار تستهدف مراكز الأبحاث، والجهات الإعلامية، وكان اللوبي ينفذ حملات علاقات عامة في ملف حقوق العُمال وكأس العالم 2022، واقتصر التواصل مع الكونجرس على صفقات السلاح التي سعت قطر لإتمامها. وتلخص الفقرات التالية أهم الشركات والملفات التي عمل عليها اللوبي القطري قبل الحصار.

عام 1994، وظفت قطر شركة «باتون بوجز بلو – Patton Boggs & Blow»، قبل استلام الشيخ حمد بن خليفة سدة الحكم بفترة وجيزة، وقدمت خدمات استشارية وقانونية، وتواصلت بشكل رئيسي مع وزارة الخارجية وأقسامها المعنية بالخليج والشرق الأوسط، واستمرت العلاقة مع قطر حتى ديسمبر 2019. وفي عام 2020، أعلنت الشركة إغلاق مكتبها في قطر، ورغبتها في تعزيز أعمالها مع السعودية والإمارات.

في عام 2014، بعد حادثة سحب سفراء السعودية والبحرين والإمارات، استأجر اللوبي القطري معظم الشركات التي عملت بشكل مكثف على حملات العلاقات العامة، لتحسين صورتها في واشنطن.

كانت شركة «بورتلاند للعلاقات العامة –Portland PR» من أفضل شركات العلاقات العامة التي تعاقدت معها قطر، وبدأت العمل في سبتمبر (أيلول) 2014، لترويج ملف حقوق العُمال في قطر، وكأس العالم 2022. يقع مقر الشركة في بريطانيا، ولها مكتب في الدوحة، ويترأسها تيم ألان، الذي عمل مستشارًا لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير. ومثال على الأنشطة الموثقة، ترويج الشركة عن تبرع صندوق قطر التنموي لبرنامج منظمة اليونيسكو التراثي، وبلغت المدفوعات للشركة 8.8 ملايين دولار حتى اليوم.

بعدها بشهرين، وظَّف اللوبي في 22 ديسمبر 2014، شركة «ميركوري للعلاقات العامة – Mercury Public Affairs»، وهي أشهر الشركات التي عملت لصالح تركيا في واشنطن. وعملت «ميركوري» على ضغط كبير لتمرير صفقات الأسلحة لقطر، ولاحقًا لتعطيل القرارات المقدمة ضد قطر في الكونجرس. وبلغت المدفوعات خلال سنوات العقد (2014– 2019) 6 ملايين و347 ألف دولار.

وخلال فترة تمرير صفقة الأسلحة عام 2014، تواصلت شركة «ميركوري» مع السيناتور الديمقراطي تيم كاين، عضو لجنتي العلاقات الخارجية والقوات المسلحة. وفي تلك الفترة، زار الدوحة السيناتور كاين برفقة السيناتور المستقل أنجوس كينج، عضو لجنة القوات المسلحة، والتقيا رئيس الوزراء عبد الله بن ناصر آل ثاني، وزارا قاعدة العديد العسكرية.

/
من تعاقد اللوبي القطري مع شركة «ميركوري للعلاقات العامة»، يظهر في الصورة توقيع محمد جهام الكواري، السفير القطري إلى الولايات المتحدة. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

تضمَّن قانون إقرار الدفاع الوطني للسنة المالية 2016، البند رقم 1278، الذي يطلب من وزارة الدفاع إشعار الكونجرس حول المخاطر والمنافع من صفقة مبيعات الطائرات إلى قطر التي طلبتها في يوليو (تموز) 2013. وتواصلت شركة «ميركوري» مع كريس بروس، مسؤول الموظفين في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، للاستعلام عن هذا البند من القانون.

وفي اليوم نفسه الذي تعاقدت فيه مع «ميركوري»، وظفت الدوحة شركة «ليفيك للتواصل الإستراتيجي – Levick Strategic Communication»، التي تواصلت تواصلًا مُركَّزًا مع جهاتٍ إعلامية مثل: «وول ستريت جورنال»، و«واشنطن بوست»، و«بوليتيكو». وقدمت الشركة خدمات رقابية على المحتوى المنشور من مراكز الأبحاث الذي يخص قطر. وبلغت المدفوعات للشركة خلال سنوات العقد (2014– 2018) مليونين و451 ألف دولار.

ومن خلال شركة «بورتلاند» السابق ذكرها، تعاقدت السفارة القطرية أيضًا مع «مجموعة جالاجهير – Gallagher Group»، التي ضغطت لإبرام صفقة الطائرات المقاتلة «إف-15»، وطائرات النقل العسكري «بوينج سي-17». وفي نهاية عام 2016، استأجر اللوبي القطري مجموعة «بوديستا» للتواصل مع مراكز بحثية أهمها مركز التقدم الأمريكي، المركز المقرب من الدوائر الديمقراطية. ودامت خدمات «بوديستا» قرابة ثلاثة شهور، دفعت الدوحة فيها 61 ألفًا و800 دولار.

في مارس (آذار) 2017، سجَّلت وثائق وزارة العدل عقدًا بين الشيخ خليفة بن فهد آل ثاني وشركة «جلوبال ستراتيجيز كاونسيل – Global Strategies Council»، في سياق حادثة اختطاف 28 قطريًّا منهم أفراد من الأسرة الحاكمة أثناء رحلة صيد لهم بالعراق، حيث اختطفتهم ميليشيات مسلحة عام 2015. وقدمت الشركة خدمات تحقيقية للتأكد من أنَّ هؤلاء الأفراد على قيد الحياة، ثم تقديم خدمات تفاوضية لشروط إطلاق سراحهم، وقد دُفع للشركة خلال فترة عملها التي استمرت لمدة ستة شهور، مليونا دولار.

قطر تلعب بكل أوراقها.. كيف تعامل اللوبي مع الحصار؟

وجدت قطر نفسها في مأزقٍ كبير عليها إدارته بحكمة وحذر شديدين بعد الحصار الذي فرض عليها في يونيو (حزيران) 2017؛ إذ قطعت دول الحصار سبل الطرق البرية لتوصيل المواد التموينية، ومنعت الطيران القطري من العبور فوق أجوائها، ولكنَّ الأخطر من ذلك كله، كان اصطفاف الرئيس ترامب مع دول الحصار.

جهَّزت لوبيات دول الحصار في واشنطن للحصار أشدَّ تجهيز، وبدأت في نشر الاتهامات والضغط على جميع الأصعدة، من تشويه صورة قطر في وسائل الإعلام، إلى التحالف مع اللوبي الإسرائيلي والجمهوريين اليمينيين بالكونجرس لتمرير تشريعات تضرُّ بقطر، واتهامها بدعم حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

نستطيع تلخيص جهود اللوبي القطري بعد الحصار في ثلاثة ملفات رئيسية: الملف الحقوقي بقيادة علي المري، رئيس لجنة حقوق الإنسان الوطنية بقطر، والملف الاستثماري من خلال التشبيك مع الولايات كما سبق أن ذكرناه، والملف السياسي بالتشبيك مع البيت الأبيض، والضغط من خلال الكونجرس.

لتخفيف الضغط؛ استخدم اللوبي ورقة قاعدة العديد العسكرية، لتذكير الأمريكان بالتحالف الإستراتيجي، وذكرت الوثائق اجتماع اللوبي مع النائب الديمقراطي رو خانا، للحديث عن حصار قطر وتبعاته على قاعدة العديد. وسجلت الوثائق تواصلًا كثيفًا مع النائب الديمقراطي، إريك سوالويل، الذي كان مرشحًا للرئاسة عام 2020، وكان من الناقدين والمعارضين لحصار قطر.

في ملف ترويج أهمية قاعدة العديد العسكرية، تعاقدت السفارة القطرية مع شركة «إس جي آر للعلاقات الحكومية والضغط السياسي – S.G.R Government Relations and Lobbying»، وتواصلت الشركة مع شخصيات جمهورية بإدارة ترامب، وتنفيذ حملات إعلامية عن أهمية قاعدة العديد.

وبعد الحصار فورًا، عقد اللوبي اجتماعات لعلي المري مع أعضاء رفيعين بمجلس الشيوخ، مثل الديمقراطية، نانسي بيلوسي، وكامالا هاريس (التي أصبحت نائبة الرئيس الأمريكي جو بايدن)، ومارك وارنر، للحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان الناتجة من الحصار. واستأجر علي المري، عدة شركات أمريكية لتقديم خدمات استشارية وقانونية، ومساعدته لرفع دعاوي قضائية بالمحاكم الدولية عن الانتهاكات التي نفذتها دول الحصار.

/
من مدفوعات دولة قطر لشركة «نيلسون مولينز ريلي سكاربوروج»، عن شهور أغسطس وسبتبمر وأكتوبر 2017. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

تخفيف الضغط عن طريق التواصل مع ترامب ونائبه

بعد تصريحات الرئيس دونالد ترامب الداعمة لدول الحصار، التي اتهم فيها قطر بدعم الإرهاب، كان لا بد من التحرك سريعًا لإرضاء الإدارة الأمريكية لتحفظ قطر أمنها القومي، خاصةً بعد تهديدات وأنباء عن محاولة انقلاب عسكري وشيكة.

وسط هذه الجهود، تعاقدت الدوحة مع شركة «نيلسون مولينز ريلي سكاربوروج – Nelson Mullins Riley & Scarborough» في أغسطس (آب) 2017؛ أي بعد شهرين من فرض الحصار على قطر. وخلال هذه الجهود عقدت الشركة اجتماعًا للسفير القطري نهاية عام 2018 مع مستشارين للرئيس دونالد ترامب، هما: فرانسيز بروك، وويلز جريفيث.

بعدها بشهر في سبتمبر 2017، عقد الرئيس ترامب والأمير تميم مؤتمرًا صحفيًّا على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وفي هذه الفترة وظفت قطر شركة «إنفورميشن مانجيمينت للخدمات – Information Management Services»، التي نفذت حملات إعلامية واسعة للحديث عن الحصار ومخالفته للقوانين الدولية، قبل الجمعية العمومية.

وعملت شركة «بلوفرونت ستراتيجيز – Bluefront Strategies» على حملة إعلامية، فأنشأت حسابًا على «تويتر» بعنوان «ارفعوا الحصار – Lift The Blockade»، وصممت لوحات إعلانية طُبعت على سيارات متنقلة بشوارع نيويورك.

لم تقتصر جهود تواصل اللوبي مع المقربين من دونالد ترامب، بل امتد التواصل مع مستشارين مقربين من نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، مثل المستشار ستيف بينكوس، وجو كيلوج مستشار الأمن القومي لبينس، وستيفيني دوبيتش مستشارة الشرق الأوسط، وسجَّلت الشركة اجتماعات مكثفة مع ستيف بينكوس، نائب مستشار الأمن القومي لبينس، بالتحديد خلال عام 2019، لطلب اجتماعات مع نائب الرئيس.

/
سلسلة من اجتماعات للوبي القطري مع ستيف بينكوس، مستشار لمايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي ترامب، نفّذت هذه الاجتماعات شركة «نيلسون مولينز ريلي سكاربوروج». المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وتواصلت شركة «إس جي آر» مع مارك ميدوز، كبير الموظفين في البيت الأبيض، وبريت ماكجورك مستشار الأمن القومي لترامب، وكاش باتيل مستشار للأمن القومي. بعد أقل من عام على مضي الحصار، زار أمير قطر البيت الأبيض وأكد خلال المؤتمر الصحفي أهمية قاعدة العديد الجوية في مواجهة الإرهاب. كما عقدت الشركة اجتماعًا مع أليكس جراي، نائب مساعد الرئيس ترامب في مكتب التجارة للبيت الأبيض، وناقش الاجتماع صفقات أسلحة محتملة.

الملف الدفاعي وقانون «مكافحة الإرهاب الفلسطيني»

في مايو 2017، قبل فترة قصيرة من فرض الحصار، قدَّم النائب الجمهوري، بريان ماست، مشروع قانون «مكافحة الدعم الدولي للإرهاب الفلسطيني»، القانون الذي يسعى لقطع الشبكات المالية الخاصة بحركات المقاومة الفلسطينية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، وتضمن متن القانون اتهامًا مباشرًا لقطر بدعم هذه الحركات ماديًّا وعسكريًّا.

دعم القانون العديد من الأعضاء المناصرين لإسرائيل، مثل النائب الديمقراطي إليوت أنجيل، والجمهوري إدوارد رويسي.

وعمل اللوبي القطري على تعطيل القانون من خلال التواصل مع موظفين بلجنة الشؤون الخارجية مثل ميرا ريسنيك، وماثيو زويج، وركز الضغط على إزالة اسم قطر من نص هذا القانون.

وضمن حملة اللوبي لتعطيل القانون، روَّج اللوبي لرسالة شيمون شابيرا، الجنرال السابق بجهاز المخابرات الإسرائيلي، يقول فيها بأن قطر لم تقدم دعمًا عسكريًّا لحماس. ونجح اللوبي في إزالة اسم قطر من نص القانون لاحقًا، وحين أعاد النائب ماست تقديم القانون نفسه في عام 2019 لم يُذكر اسم قطر في نَص القانون.

Embed from Getty Images

النائب الجمهوري بريان ماست.

في يوليو 2017، وقَّع وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون اتفاقية تفاهم مع قطر في مجال «مكافحة الإرهاب»، سبق التوقيع جهود لفريق من وزارة الخارجية منهم ستوارت جونز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بالنيابة، والذي كان اللوبي القطري على تواصل معه نهاية عام 2016. وأثناء حوار عُقد عام 2019، أكدت الحكومتان التزامهما بالاتفاقية.

وفي منتصف عام 2019، قدَّم السيناتور راند باول، قانونًا يوقف صفقة بيع طائرات «أباتشي» لقطر تبلغ 3 مليارات دولار، ولكنَّ زعيم الأغلبية الجمهوري، ميتش ماكونيل، ورئيس لجنة القوات المسلحة، جيم إنهوف، أعلنا معارضتهما للقانون، ورفضه الكونجرس لاحقًا. ويصنف السيناتور باول بأنَّه من الجمهوريين التحرريين، الذين يعارضون التدخل العسكري لأمريكا في الشؤون الخارجية.

وفي سياق إتمام الصفقة وتعطيل قانون السيناتور باول، تواصل اللوبي القطري مع كولين بروكس، المساعد التشريعي بمكتب السيناتور الجمهوري، جون كورنين، ودافع السيناتور كورنين عن الصفقة بحجة: «إذا لم تشتر (دول الخليج) أسلحة من عندنا، فسيشترونها من الصين وروسيا».

مفتاح السياسة الأمريكية الأهم.. التقارب مع أنصار إسرائيل

خلال مسيرته، وظف اللوبي القطري بعض الشركات للتواصل مع المنظمات والشخصيات المناصرة لإسرائيل بواشنطن؛ بهدف تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وتخفيف الضغط الناتج من اللوبي الإسرائيلي أولًا، واللوبيات المعادية لقطر ثانيًا. وقبل الحصار، تُسجل وثائق دولة قطر عقدًا له صلبة بالتقارب القطري الإسرائيلي، العقد لحسان علي بن علي، رجل الأعمال القطري، مع «مجموعة فريدلاندر – Friendlander Group» التي يديرها اليهودي الأرثوذكسي، عزرا فريلاندر.

وسُجَّل العقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، مقابل خدمات تعزيز صور قطر الإيجابية في أوساط الجالية اليهودية بأمريكا، وخدمات تنسيق اجتماعات مع أعضاء بالكونجرس، وقيادات يهودية.

رئيس الوزراء شمعون بيريز ورجل الأعمال حسان علي بن علي – مصدر الصورة: موقع شركة فريندلاندر

تواصلت شركة «فريندلاندر» مع أعضاء بالكونجرس مناصرين لإسرائيل، وآخرين معارضين لدولة قطر مثل النائب الجمهوري بيتر روكسام، الذي ضغط على قطر لقطع علاقتها مع حماس. وتواصلت أيضًا مع السيناتور الجمهورية، كيلي أيوت، التي رعت قرارًا لتكريم رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز بالكونجرس. وأثناء حفل تكريم بيريز كان حسان أحد الحاضرين.

/
من تعاقد رجل الأعمال القطري حسان علي بن علي مع «مجموعة فريدلاندر» للضغط السياسي، يملكها ويديرها عزرا فريدلاندر، يهودي أرثوذكسي أمريكي ومناصر بالكامل لإسرائيل، هذا التعاقد الأول بتاريخ 10 نوفمبر 2014. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وبعد شهرين من الحصار، وقعت دولة قطر عقدًا مع شركة «ستونينجتون ستراتيجيز – Stonington Strategies» التي يديرها نيكولاس موزين، مساعد سابق للسيناتور الجمهوري تيد كروز، أحد المدافعين الشرسين عن إسرائيل. ونسق موزين رحلات لشخصيات أمريكية يهودية لقطر، مثل موترون كاراين، رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية، وأحد الناقدين لدولة قطر.

وفي منتصف عام 2018، تعاقد اللوبي مع شركة «ليكسينجتون ستراتيجيز – Lexington Strategies» الذي يديرها جوي اللحام، رجل الأعمال اليهودي السوري الأمريكي، والذي لديه علاقات قوية مع اللوبي الإسرائيلي داخل أمريكا. وقدم اللحام خدمات ترويجية لكأس العالم 2022، وتعزيز العلاقات مع الجالية اليهودية، وانتهت العلاقة مع شركة اللحام بعد شهرٍ من بدايتها.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد