منذ أيام خرجت إلينا نتيجة الانتخابات الفرنسية، بوصول المرشحة ماري لوبان – اليمينية المتطرفة- بجانب المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون إلى مرحلة الإعادة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو (أيار) القادم، وكانت هذه النتيجة المتوقعة التي أظهرتها استطلاعات الرأي قبل الانتخابات بأيام قليلة، ووجدت ماري لوبان طريقها وسط المرشحين؛ لأنها الوحيدة التي استهدفت المساحة الشعبية التي تميل إلى تفضيل اليمينيين أصحاب الحلول الجذرية للمشاكل الاقتصادية والمهاجرين والأقليات، وتمّ تفتيت الأصوات بين بقية المرشحين لتشابه اتجاهاتهم، وتقارب برامجهم الانتخابية.

ولكن كان هناك ظاهرة جديرة بالملاحظة أثناء الانتخابات؛ فقد تم توجيه تهمة خلق وظائف وهمية لأقارب كل من ماري لوبان، والمرشح فرنسوا فيون الذي جاء في المرتبة الثالثة في الانتخابات. في أواخر فبراير(شباط) الماضي، وبعد أن كان يتربَّع فرنسوا فيون على قمة الاستطلاعات وقتها بدأ مؤشره في الهبوط تدريجيًّا، ولكن ماري لوبان وعلى الرغم من أنه تم توجيه نفس التهمة لها أخذ مؤشِّرها يواصل ارتفاعه الطبيعي بين المصوتين، ولم تتأثر على الإطلاق بهذه التهمة كما تأثَّرَ فيون.


هبوط شعبية فيون في استطلاعات الرأي بعد اتهامه بتعيين أقاربه في وظائف وهمية، على عكس استمرار ماري لوبان

.

اقرأ أيضًا: إنفوجراف: من سيكون الأكثر حظًّا ويصبح رئيس فرنسا القادم؟

ولم تكن هذه التهم التي تم توجيهها لماري لوبان في الفترة الماضية هي الوحيدة، ففي عام 2015 مثلت لوبان أمام محكمة مدينة ليون الفرنسية، بسبب وصفها صلاة المسلمين بأنها «شبيهة بتجمعات النازيين» – على الرغم من أنّ والدها من محبي النازية- وتمّ توجيه تهمة العنصرية واضطهاد الأديان للوبان، وفي نفس العام فشلت في دعوى قضائية ضد كاتب ساخر وصفها بالفاشية؛ مما يوضح أن القانون في فرنسا يوافق أن ماري لوبان«فاشية».

لماذا لم تقل أصوات ماري لوبان على الرغم من عنصريتها؟

لعل هذا السؤال يشبه السؤال الشهير «لماذا فاز دونالد ترامب بالرئاسة؟»، فالإجابة ببساطة أن المساحة أو الكتلة التصويتية التي استهدفها دونالد ترامب هي نفسها التي استهدفتها لوبان في الانتخابات، نفس الأسباب، نفس المفاتيح التي لعب عليها ترامب لعبت عليها ماري لوبان، فقد سخر ترامب من أحد المراسلين الصحافيين لأنه مُعاق مثلًا، وقال إنه سوف يمنع المسلمين من الدخول إلى الأراضي الأمريكية للحدّ من العمليات الإرهابية، وقبل الانتخابات بأيَّام ظهر تسريب يتحدث فيه بلغة لا تناسب إلا شخص مهووس جنسيًّا، ولكن هل رأيت دونالد ترامب عندما وقف في ظلّ مصنع فورد وسط الطبقة العاملة ليهدِّد شركة فورد بأنها إن نقلت مصانعها إلى المسكيك فسوف يفرض على كل سيارة تصنّعها هناط ضرائب تصل لـ 35%، هل رأيته عندما هدد شركة آبل بأنه سوف يوقف نشاطها في حالة أنها لم تنقل مصانعها من الصين إلى الولايات المتحدة؟

تخيل كيف أثرت تلك التهديدات في مواطنين الطبقة العاملة صاحبة الاقتصاد الأدنى في المجتمع. الطبقات العاملة التي تعاني من مشاكل اقتصادية وأمنية تجعلها تميل لاختيار المرشحين الذين يمطرون عليهم الوعود الجذرية التي تضع حلولًا لهم، وإن وجدت تلك الخطط والوعود لن يلتفت المصوت للقيم الأخلاقية للمرشح، أو حتى جرائمه السابقة، وهناك تفسيرات وضعها مجموعة من علماء النفس والسياسة والاقتصاد التي تجعل الشعوب تفضِّل المرشحين الشعبويين، ألا وهي:

1- هل هناك أزمة مالية؟

في ورقةٍ بحثية قدَّمها فريقٌ بحثي في مركز الاقتصاد في جامعة لودفيغ- ماكسيميليان؛ تقول إنه خلال الـ150 عامًا الماضية، كان المرشحون الشعبويون يحرزون تقدمًا كبيرًا في الانتخابات بعد أي أزمة مالية تتعرض لها دولتهم في فترة 10 سنوات من حدوث تلك الأزمة، أما عن فرنسا فإن الحكومة غارقة في مصارعة الفراغ بين الإنتاج المحلي، والدين العام، والذي يتسع مع الوقت ووصل لنسبة كبيرة في الأعوام العشرة الماضية، إذ قفز الدين المحلي من 64% عام 2006 إلى 96% في عام 2016.

تصاعد نسبة الدين العام في فرنسا في العشر سنوات الماضية.

مرشحتنا ماري لوبان ترى أن الحل الوحيد لهذه الأزمة، هو إعادة تشكيل الدين المحلي من خلال تخلي فرنسا عن اليورو، وإعادة العملة القديمة «الفرنك»، وصرحت لوبان في إحدى مؤتمراتها الصحافي، وقالت نصًّا: «المواطنون الأوروبيون يدركون أن عملة اليورو قد ضيقت الخناق على اقتصادهم»، ومن أهم خطط لوبان أنها حال فوزها في الانتخابات الرئاسية سوف تدعو الشعب الفرنسي إلى استفتاءٍ للتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ لأنّ بقاء فرنسا فيه يعود عليها بالكثير من الأعباء الاقتصادية، ولا حل إلا بالخروج منه كما فعلت بريطانيا.

2- بماذا يشعر الشعب تجاه المُهاجرين؟

57% من شعب فرنسا لا يشعر بالراحة تجاه المهاجرين، في أحد استطلاعات الرأي وجد أن 6 أفراد من كل 10 أفراد فرنسيين لا يحبُّون تواجد المهاجرين في بلادهم، وذلك لأسبابٍ عدة، قد يكون لقلق البعض حيال الغزو الثقافي الذي يرافق هؤلاء المهاجرين القادمين من بلادٍ مختلفة، والذي قد يضرُّ بثقافة المُجتمع الفرنسي، أو يكون السبب أمنيًّا، لا سيما وأنّ الحوادث الإرهابية ضربت فرنسا 6 مرات منذ عام 2015 وراح ضحيتها ما يقرب من 230 شخصًا.

ونقطة المهاجرين من أهم النقاط المحورية في مسيرة ماري لوبان الانتخابية، إذ تعد لوبان بتقليص عدد المهاجرين إلى أقصى حدٍّ ممكن، غير أنها ترى أن الجنسية الفرنسية لا بد أن يتم منحها فقط في حالتين إما أن تورَّث، وإما أن تمنحها الحكومة لأشخاص بارزين مُفيدين لفرنسا وشعبها، بالإضافة إلى أنها قالت سوف تلغي منح الحكومة الفرنسية مجانية التعليم للأطفال الذين ولدوا في فرنسا لآباء مهاجرين غير شرعيين.

وبالحديث عن الإرهاب الذي هو أكبر التهديدات التي هددت فرنسا مؤخرًا، في عام 2015 بعد أحداث باريس، ربطت ماري لوبان بين الأحداث، وبين تواجد المهاجرين المسلمين في فرنسا، وقالت إن المُتطرفين الذين قاموا بتنفيذ هذه العملية مروا في فرنسا بسبب انسيابية منح الحكومة تصريح دخول فرنسا للمسلمين، كما أنَّها قالت إنه لا بد من إجلاء المسلمين أصحاب الفكر المتطرف عن فرنسا، وسحب الجنسية الفرنسية من هؤلاء الذين يتعاطفون مع كل مسلم توجه له الحكومة الفرنسية تهمة التطرف.

وهناك سببٌ آخر يجعل السكان الأصليين يقلقون حيال المهاجرين؛ إذ إن المهاجرين يدخلون في منافسةٍ قوية مع الفرنسين على فرص التعليم، والعمل، والإسكان، والخدمات الاجتماعية، والصحية، وفي حال فوز ماري لوبان فسوف تقوم بإلغاء جميع السياسات والقوانين التي تساوي بين الفرنسيين والمهاجرين، وسوف تمنح الفرنسيين الأفضلية الأولى في كل الخدمات التي تقدمها الحكومة، وهذا سببٌ كافٍ ليمنح ماري لوبان شعبية كبيرة من هؤلاء الذين يخسرون في المنافسة مع المهاجرين.

3- القانون والنظام


51% من أفراد الشرطة الفرنسية يصوتون لماري لوبان؛ لأنهم يعتقدون أنها المرشح الوحيد القادر على تعويض خسارتهم من الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا، بالإضافة إلى حماية فرنسا من أي هجمات إرهابية قادمة، وقد وعدت لوبان بأنها سوف تعمل على تجهيز أفراد الأمن بأسلحة متطورة، بالإضافة إلى رفع كفاءة تدريبهم، وزيادة عدد أفراد الشرطة بـ15 ألف ضابط جديد، وزيادة سعة السجون الفرنسية حتى يمكنها استقبال 40 ألف مسجون آخر، و غير أن عقيدة حزب الجبهة الوطنية الذي تنتمي إليه لوبان تزكي عودة عقوبة الإعدام الملغية من قبل القانون الفرنسي، وعلى الرغم من أن هذه الضوابط قد تقلق القائمين على مراقبة مدى احترام فرنسا لحقوق الإنسان، فهي تهدِّأ مخاوف الشعب من المُتطرفين والمجرمين، لا سيما وأن الدراسات تشير إلى أن 21.4% من المواطنين الفرنسيين مؤخرًا تم إيذاؤهم في جرائم مختلفة ارتكبت ضدهم.

على الرغم من أن استطلاعات الرأي حتى الآن تشير أن يوم 7 مايو (أيار) القادم سوف يتم إعلان فوز إيمانويل ماكرون بنسبة قد تصل إلى 60% من مجمل الأصوات، ولكن هل تكسر ماري لوبان جميع التوقعات وتصبح الرئيسة القادمة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد