دبَّ خلافٌ، قبل نحو ستة أشهرٍ، ليس الأول بين أقوى رجلين في الشرق الليبي؛ فرئيس البرلمان، عقيلة صالح رفض في مايو (أيار) الماضي إعلان حفتر تنصيب نفسه حاكمًا على ليبيا، وإسقاط العملية السياسية بما فيها البرلمان الذي أعطاه لقب قائد الجيش، ولم تنجح التحركات المصرية آنذاك لتقريب وجهات النظر بين الجنرال الذي خسر معركة طرابلس التي أطلقها في أبريل (نيسان) العام الماضي، و«صالح» الذي خطف الأضواء دوليًّا وداخليًّا عقب تقاربه السياسي من الغرب الليبي، وطرحه وثيقة لم تشر إلى حفتر حاضرًا أو مُستقبلًا، وهو التغيير الذي لم يكن كذلك قبل شهرين من الأزمة، حين طرح عقيلة صالح مبادرة لإنهاء الأزمة، تمنح حفتر الترشح لرئاسة ليبيا، عكس السراج.

انكسارات حفتر المتعاقبة وصعود نجم عقيلة، تزامن مع حرص مصر على عدم ظهور حفتر مع السيسي بصورة منفردة، وهو ما ضاعف فرص عقيلة صالح في تولي أي منصبٍ مستقبليٍّ خلال الاجتماعات التي استضافتها المغرب بين الفرقاء الليبيين، بهدف اختيار سُلطة تنفيذية جديدة تقود الترتيبات المتعلقة بإقرار الدستور، وإدارة فترة انتقالية تنتهي بالدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

لكن فجأة، تبدت رياح الأمل في وجه صالح الذي بات مهددًا بالخروج الكامل من المشهد الليبي، ولم يتبق أمامه سوى حفتر لإعادة رسم المشهد الليبي لصالحهما، والتقرير التالي يحاول رسم سردية لاحتمالات تحالف الضرورة الوشيك.

كيف يضر السلام في ليبيا مشروع عقيلة صالح؟

رغم انتخابه أول رئيس لمجلس النواب الليبي بعد ثورة فبراير (شباط) عام 2011، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على عقيلة صالح عام 2016، بدعوى عرقلته السلام في ليبيا، عقب عرقلته تشكيل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، كما أُدرج اسمه في الوقت نفسه على قوائم العقوبات للاتحاد الأوروبي بسبب تحالفه مع حفتر.

Embed from Getty Images

وكان عقيلة صالح وقتها قد اعترض على عدة بنود في اتفاق الصخيرات، أبرزها منح المجلس الرئاسي صلاحيات رئيس الدولة بما فيها تعيين قائد الجيش، وبينما يعترض عقيلة صالح ويرفض شرعية حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، وافق على قراراتها بشأن تمديد ولاية البرلمان الذي يرأسه.

لكنّ اتساع الهوة والفجوة بين حفتر وصالح، دفعت الأخير للانفتاح على الغرب الليبي وبدء مفاوضات سياسية لإنهاء الأزمة الليبية، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي في سبتمبر (أيلول) الماضي، لرفع العقوبات المفروضة عليه، وهو ما يمنحه ضوءًا أخضر لتولي منصب رفيع في المجلس الرئاسي القادم، على اعتبار أنه الأوفر حظًّا للاستئثار بالمجلس الرئاسي القادم، من بين كافة الأطراف المنافسة.

وعلى نحوٍ مُفاجئ، لم يعد عقيلة صالح المستفيد الأكبر من دفع عجلة الحل السياسي للأزمة الليبية، فالجهود الأخيرة التي دعمتها الأمم المتحدة لتوحيد البرلمان الليبي المنقسم بين الشرق والغرب، واختيار رئيس جديد له، لا تصب في مصلحة عقيلة صالح، كونها تفقده ورقته الأساسية التي جعلته لاعبًا رئيسيًّا في المشهد الليبي.

وكان من المقرر أن تستضيف مدينة «جدامس» الليبية الأسبوع الجاري اجتماع توحيد البرلمان، وبحسب تقديرات صحفية، فقد وصل أكثر من نصف أعضاء البرلمان البالغ عدده نحو 200 عضو، وبحسب الدستور الليبي، فيكفي أن يجتمع 91 نائبًا على الأقل، لتكون جلسة مجلس النواب مكتملة النصاب، وقراراته شرعية ولها اعتراف دولي.

ولأنَّ عقيلة صالح لا يحظى بأغلبية برلمانية من الأعضاء الحاضرين لتلك الاجتماعات فلا يوجد له سوى 23 نائبًا، لذا سُرعان ما أصدر بيانًا أعلن فيه رفضه إدراج انتخاب رئيس جديد للبرلمان ضمن جدول أعمال اجتماع جدامس، بدعوى أسباب دستورية وقانونية بالإضافة إلى اللائحة الداخلية للمجلس، وهو ما يفتح الباب للطعن في شرعية الانعقاد، ويُعيد سيناريو رفض الاتفاق السياسي الذي تكرر عام 2016.

عربي

منذ 10 شهور
«الجارديان»: حلم السلطة يداعبه.. ماذا يفعل فتحي باشاغا في فرنسا؟

ويخشى عقيلة صالح في حال خسارته مقعد رئيس البرلمان الليبي، ألا يحظى بعدها بمنصب رئيس المجلس السياسي الليبي، وخلال مباحثات بوزنيقة التي ضمت 75 شخصًا مثلوا أقاليم ليبيا الثلاثة، أصرَّ معسكر بنغازي المكون من 16 عضوًا على تولي عقيلة صالح المجلس الرئاسي، بينما رفض بقية الأعضاء ذلك المقترح، بسبب دعمه حفتر في الحرب على طرابلس، وهو ما تسبب في إفشال مباحثات بوزنيقة الأخيرة، إلى جانب الخلاف حول آلية انتخاب رئيس المجلس الرئاسي، وهو ما أدى لتأجيل الاجتماعات لجولات جديدة.

قراءة المشهد الجديد.. حفتر وعقيلة صالح أصدقاء من جديد

تشير التحركات العسكرية على الأرض إلى أن قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر كانت ما تزال تواصل تحشيداتها العسكرية رغم تثبيت الهدنة في 21 أغسطس (آب) الماضي، وهي التحذيرات التي سبق وأطلقها وزير دفاع حكومة الوفاق بشأن هجوم وشيك على مدن غلاف العاصمة، قبل أن يُنفذ حفتر تهديده بالفعل عبر شنِّ قواته هجومًا في مدينة أوباري جنوب غربي ليبيا، بهدف اقتحام معسكر غرفة العمليات المشتركة التابع لحكومة الوفاق.

Embed from Getty Images

الهجوم الذي تزامن مع عشية عقد جلسة برلمانية في جدامس، رافقه أيضًا زيارة غير معلنة لحفتر إلى القاهرة، ومن المقرر بحسب التسريبات أن يتجه بعدها إلى فرنسا، لكنَّ اللافت أنَّ الجنرال الليبي استبق زيارته ببيان غازل فيه عقيلة صالح بعد أشهرٍ من الخلاف الصامت بينهما، وعدَّه الداعم الحقيقي للجيش، في وقتٍ يواجه فيه رئيس البرلمان الليبي مأزقًا قد ينهي دوره السياسي.

المتغيرات السياسية الجديدة التي دفعت حفتر للتقرب الناعم من عقيلة صالح تبعها على نحو غير مباشر توقف الحملات التصعيدية والهجومية بينهما؛ وبحسب ما ذكرته أكثر من صحيفة ليبية، فنشطاء مقرَّبون من قوات حفتر دأبوا على شنِّ حملة  ضد «صالح» تتهمه بالخيانة، وفي المقابل أيضًا أطلق نشطاء ينحدر أغلبهم من قبائل المنطقة الشرقية حملة ضد حفتر وأبنائه متهمين إياهم بالفساد وتبديد الأموال في وقت يعيش فيه أغلب الليبيين وضعًا اقتصاديًّا صعبًا.

ويبدو أنَّ عقيلة صالح كان قد رتَّب للابتعاد عن حفتر أكثر خلال الفترة الأخيرة، خاصة خلال انعقاد مباحثات بوزنيقة، والتي طُرح فيها أن يصل الفرقاء الليبيون إلى سيناريو يُنهي الأزمة الليبية فورًا، عبر تنصيب عقيلة صالح رئيسًا للمجلس الرئاسي، وأن يكون وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، رئيسًا للحكومة، لكنَّ ذلك المقترح لم يحصل على تأييد كافٍ لتمريره من بين الـ75 عضوًّا الحاضرين.

وبخلاف المستجدات الأخيرة التي أضعفت الموقف السياسي لعقيلة صالح، فإنَّ ما يدفع رئيس البرلمان الليبي للتقارب مع حفتر، هو وجود منافسين له من المنطقة الشرقية دفعوا بقوة لإقصائه من المشهد، وهو نفسه ما حدث لـ«باشاغا» في الغرب الليبي، فالمقترح الذي حظي بتوافق لافت تمثل في تولي رجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة، من مدينة مصراتة (المنطقة الغربية)، منصب رئيس الحكومة القادمة، وتولي المستشار ورئيس محكمة الاستئناف، عبد الجواد العبيدي، من المنطقة الشرقية منصب رئيس المجلس الرئاسي.

وفي حال تمكن حفتر من خلق واقع عسكري جديد، وإعادة تحالفه القديم مع عقيلة صالح، الذي بدأ بدوره صراعًا دستوريًّا لمنع عقد جلسة توحيد البرلمان في جدامس، وهو ما سيتبعه التشكيك ورفض كل مقرراتها، بما فيها اختيار رئيس برلمان جديد، فسيكون كلاهما قد فاز بالآخر، خاصة أنَّ الوجوه الجديدة مثل «العبيدي ودبيبة»، ربما لن يكون بمقدورها مجابهة الثقل السياسي والعسكري الجديد لتمرير مصالحة ليبية.

لو عاد الحليفان.. هل نشهد حرب طرابلس جديدة؟

التحركات العسكرية الأخيرة لحفتر بشأن الهجوم على معسكر غرفة العمليات المشتركة التابع لحكومة الوفاق في مدينة أوباري جنوب غربي ليبيا، وراءه رغبةً عسكرية للعودة إلى المربع صفر من جديد، ففي حال سيطرت قوات حفتر على هذا المعسكر، فقد يفتح ذلك شهيتها للعودة للغرب الليبي مرة أخرى، وبالتالي تعيد سيناريو الرابع من أبريل 2019، عندما هاجمت مدينة غريان وتقدمت نحو العاصمة طرابلس، وهو ما ينذر بعودة للمعارك مرة أخرى.

Embed from Getty Images

أوباري هي ثاني أكبر مدينة بالجنوب بعد سبها، وغالبية سكانها من قبيلة الطوارق المتحالفة مع حفتر، حيث يقع فيها حقل الشرارة النفطي أكبر حقول البلاد، وتخضع لسيطرة مليشيا الجنرال الليبي.

وتزامنًا مع نذير الحرب الوشيك، لم يستقر أعضاء الملتقى السياسي الليبي حول آلية اختيار السلطة التنفيذية المكونة من رئيس للمجلس الرئاسي، ونائبين له، ورئيس حكومة وحدة وطنية، وقبل يومين، أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، السبت، نتائج تصويت أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي على المقترحات المطروحة لآلية اختيار السلطة التنفيذية الموحدة، لاختيار مقترح من بين مقترحين معروضين.

والمقترح الأول الذي حصد أكثر الأصوات ينص على أن يرشح أعضاء كل إقليم من أقاليم برقة وطرابلس وفزان، عضوين للمجلس الرئاسي، على أن يختار أعضاء الملتقى، بوصفهم دائرة واحدة، رئيسًا للمجلس الرئاسي، ونائبين له، ورئيس حكومة وحدة وطنية من المترشحين، وتضمن هذه الآلية أن يكون رئيس المجلس الرئاسي منتميًا للمنطقة الأكثر سكانًا، ولا يكون من المنطقة التي ينتمي لها رئيس الحكومة.

بينما المقترح الثاني ينص على أن يرشح كل عضو من أعضاء كل إقليم ممثله للمجلس الرئاسي، ومرشحًا لرئاسة الحكومة، على أن يختار أعضاء الملتقى مجتمعين رئيسًا للمجلس الرئاسي، ورئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية.

على الجانب الآخر، يجد أعضاء مجلس النواب أنفسهم مجبورين على الإسراع في عملية توحيد البرلمان، خشية فقد سلطتهم التشريعية، بعدما منحت البعثة الأممية في ليبيا أعضاء الملتقى السياسي الـ75 صلاحية اعتماد المجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة الوطنية، في حالة عدم تمكن مجلس النواب من اعتمادهم خلال فترة زمنية محددة.

وبالنسبة لعقيلة صالح، فلم يعد أمامه سوى بعض الوقت حتى يجد نفسه خارج دائرة الحكم في ليبيا في أغلب السيناريوهات، بينما حفتر على النقيض، فاتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي عقد برعاية أممية لم يذكر بنودًا تجبر اللواء المتقاعد على تقديم تنازلات يخسر معها أوراقًا ميدانية وسياسية، وفي المفاوضات الأخيرة التي شملت المسار السياسي لحل الأزمة، لم تكشف الأمم المتحدة، ولا طرفا النزاع، عن دور حفتر في المشهد الليبي مستقبلًا، على الرغم من امتلاكه لترسانة عسكرية، وسيطرته على مناطق شرق وجنوب ووسط ليبيا.

عربي

منذ 10 شهور
8 أسئلة تشرح لك اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في ليبيا

ومثلما يحتاج عقيلة صالح غطاءً عسكريًّا يمكنه من عرقلة أي تحركات سياسية تُزيحه خارج المشهد، خاصة مؤتمر جدامس الذي تعرقل لأسباب غير معلنة، يحتاج حفتر بالأهمية ذاتها غطاءً تشريعيًّا يُمكنه من فرض نفسه في المسار السياسي على الرغم من خسائره الميدانية الأخيرة، وهو ما قد يفرز حرب طرابلس جديدة، ومن واقع التجربة، فتحالف الرجلين عرقل مسار الحل في ليبيا نحو خمس سنوات، ورحيل أحدهما يعني عادةً رحيل الآخر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد