يُثير التحول في العلاقة بين تركيا وحماس خلال الشهور الأخيرة والتي كان أبرز مظاهرها لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» ومسؤولين آخرين في إسطنبول، قبل أسبوعين، وذلك للمرة الثانية هذا العام، تساؤلات عن أفق العلاقة مستقبليًا.

تزامن اللقاءات جاءت وسط معلومات مُسربة تتحدث عن منح أنقرة جوازات سفر لعدد من قادة الحركة ممن انتقلوا هم وأسرهم للمدن التركية بترحاب من السلطات التركية، وسط انتقادات أمريكية لهذه الخطوات التي شرعت أنقرة، حليف واشنطن السياسي والعسكري فيها، وردت على انتقادات واشنطن بالعزم على الاستمرار في سياستها تجاه «الممثل الشرعي للفلسطينيين»، بحسب ما ذكر بيان الخارجية التركية.

يحاول التقرير التالي التعرف على ما إذا كانت هذه المظاهر مؤشرًا على تحالف مستقبلي ينشأ بين أنقرة وحماس، أم أن الأمر لا يعدو كونه حدثًا شكليًا لن يصل لمداه في التقارب، في ظل الاعتراض الأمريكي الظاهر على الخطوة، ووصف أمريكا للقاء أرودغان بقادة «حماس» أنه سيعمل على عزلها دوليًا.

ما الذي حدث بين حماس وأنقرة في الشهور الأخيرة؟

وقعت سلسلة أحداث خلال الأسابيع الأخيرة صورت للبعض أن العلاقة بين حماس وأنقرة ماضية نحو تقارب نوعي في كثير من القضايا، أو أن هناك قضية كبُرى تجمعهما، وسط التزام بالصمت حول مضامين اللقاءات بينهما أو السبب وراء هذا الزخم الغائب عن العلاقة بين الحركة الفلسطينية والسلطات التركية في السنوات الأخيرة.

كان أبرز مظاهر هذا التقارب هو لقاء أردوغان مع إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خلال العام الحالي مرتين، رافقه في المرة الثانية، خلال الشهر الجاري، نائب رئيس المكتب صالح العاروري، الذي تُدرج واشنطن اسمه ضمن قائمة الشخصيات على قوائم الإرهاب.

وسبق اللقاء الأخير منح أنقرة الجنسية التركية وجوازات سفر لنحو سبعة أعضاء قيادية في الحركة الفلسطينية، بالإضافة إلى معلومات بأن هناك نحو خمسة في طريقهم للحصول عليها، كما زودت عشرات المنتمين للحركة المُقيمين على الأراضي التركي ببطاقات هوية وأسماء مستعارة للتحرك بحرية.

وشملت أسماء السبعة أعضاء زكريا نجيب، وهو عضو نشط داخل حركة حماس تتهمه إسرائيل بالإشراف على على محاولة اغتيال رئيس بلدية القدس، وأيضًا جهاد يعمور وهشام حجاز، وهما مسؤولان كبيران آخران في حماس. وامتد الدعم التركي إلى منح الجنسية لأسر هؤلاء القادة النشطين داخل الحركة الفلسطينية ممن يعملون داخل الأراضي التركية على جمع الأموال وقيادة عملياتها، كما أظهرت سجلات المخابرات الإسرائيلية والمصرية نتقل عشرات من نشطاء حماس إلى إسطنبول من قطاع غزة الذي تسيطر عليه الحركة الفلسطينية في العام الماضي.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
هجمات من البحر وفي البحر.. ما قد لا تعرفه عن قوة «كوماندوز حماس البحري»

وبحسب ما تقول إسرائيل أنه نصوص استجوابات الشرطة الإسرائيلية مع المشتبه بهم بالنسبة لها فإن نشطاء كبار في حماس يستخدمون أكبر مدينة في تركيا لتوجيه عمليات في القدس والضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك محاولة اغتيال رئيس بلدية القدس في وقت سابق من هذا العام. من بين أبرز المنتقلين حديثًا لأسطنبول من قادة حركة حماس عبد الرحمن غنيمات، القائد السابق لـ«خلية صوريف»، وهي خلية تابعة لحماس مسؤولة عن سلسلة من التفجيرات الانتحارية بحسب الرواية الإسرائيلية، بما في ذلك هجوم عام 1997 على مقهى أبروبو في تل أبيب والذي أسفر عن مقتل ثلاث شابات، وأيضًا القيادي كمال عوض، المدرج مؤخرًا على لائحة العقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية.

تقارب تركيا مع حماس.. تكتيكي أم إستراتيجي؟

يُشكل الاهتمام الرسمي التركي بالقضية الفلسطينية بعدًا إستراتيجيًا راسخًا في عُمق السياسة الخارجية التركية؛ ففلسطين، تاريخيًا، بالنسبة لأنقرة هي آخر مناطق الدولة العثمانية التي غادرت الإمبراطورية. سبب آخر يعزز من هذا الاهتمام هو تمتع قضية فلسطين بشعبية عند جميع ألوان الطيف السياسي وليس عند المنتمين لحزب العدالة والتنمية فقط في تركيا؛ إذ يُشكل ذلك دافعًا للسلطة الحاكمة نحو مواقف داعمة ومؤيدة دومًا لفلسطين، والتفاعل الدائم مع مسارات القضية والحق الفلسطيني، فضلًا عن الحرص في الظهور كوسيط دائم في أي حرب مع إسرائيل.

وظهر ذلك مؤخرًا، على سبيل المثال، في تفاعل أنقرة مع قضية صفقة القرن التي روج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو حتى الرفض القاطع لقضية التطبيع العربي مع إسرائيل، لكن العلاقة بين أنقرة وحركة حماس التي تدير قطاع غزة، تأرجحت صعودًا وهبوطًا خلال السنوات الأخيرة دون قطع كامل أو الارتقاء بها لمقام التحالف الإستراتيجي؛ إذ تخضع دومًا العلاقة للتحولات قياسًا على التغيرات السياسية، أو الأزمات الدولية.

يظهر هذا التأرجح عند النظر لواقع علاقة حماس مع تركيا خلال العشر سنوات الماضية، إذ اتبعت خلالها أنقرة سياسة توظيف علاقتها مع الحركة كورقة ضغط سياسي على خصومها الأوروبيين أو إسرائيل من أجل أكبر عدد من المكاسب الدبلوماسية في القضايا الخلافية بينهما.

أحد الأمثلة على هذا التوظيف كورقة مساومة في القضايا الخلافية كان عام 2015 حين طلبت تركيا من صالح العاروري، نائب رئيس حركة حماس، المغاردة من أراضيها كجزء من إصلاح العلاقات مع إسرائيل، وكأحد التنازلات التي قدمتها تركيا مقابل تساهل إسرائيلي في ملفات أخرى.

والعكس بالعكس، قد يُفسر سياسة التقارب الحالية التي تتبعها تركيا مع حماس الرغبة لدى أنقرة في توظيف هذه العلاقة في القضايا الخلافية الكُبري القائمة مع إسرائيل وتحديدًا مشروعها الجديد لنقل الغاز لأوروبا الذي يتعارض مع المصالح التركية، وأيضًا خلافها مع أوروبا مُمثلة في اليونان.

ويتعارض المشروع الإسرائيلي الجديد الذي يهدف لمد أنابيب نقل الغاز الطبيعي من إسرائيل لأوروبا، مع مصالح أنقرة في البحر الأبيض المتوسط. قضية أخرى عززت هذا التوظيف المحتمل لرفع مستوى العلاقة مع حركة حماس كورقة ضغط سياسي مستقبلية محتملة ضد تل أبيب، أمام دعم الأخيرة لليونان وقبرص في السنوات الأخيرة في نزاعها القائم حول الاستكشاف في الشرق الأوسط ضد تركيا.

وحاولت أنقرة، مع التقارب السياسي للحركة الشهور الأخيرة، توظيف هذه العلاقة في تعزيز التعاون الفلسطيني التركي في مجال الغاز قبالة سواحل غزة، كأحد الوسائل القائمة لمواجهة التحالف الثلاثي بين إسرائيل، اليونان، وقبرص اليونانية في استكشاف ثروات البحر المتوسط.

دولي

منذ شهر
الوجه الآخر لصراع المتوسط.. من يربح مشروع خط أنابيب بيع الغاز إلى أوروبا؟

وتكتسب الأراضي الفلسطينية مع قطاع غزة، التي يديرها حركة حماس، أهمية كُبرى في صراع ثروات البحر المتوسط، لما تتمتع به من خط ساحلي على طول شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​يجعل منها مؤهلة للحقوق البحرية.

يتفق مع الطرح السابق إعلان السلطة الفلسطينية، استعدادها للتفاوض بشأن ترسيم حدود بحرية مع تركيا والتعاون مع أنقرة في الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط، إذ ذكر السفير الفلسطيني في تركيا إن السلطة الفلسطينية يمكن أن تتبع صفقة ترسيم الحدود البحرية التركية مع ليبيا، وتوقع اتفاقها الخاص، قائلًا: «لدينا أيضًا حقوق في البحر الأبيض المتوسط، لفلسطين أسهم في النفط والغاز تقع في شرق البحر الأبيض المتوسط. نحن على استعداد للتعاون في هذه المجالات والتوقيع على اتفاق».

يتقاطع ذلك مع ما يطرحه عدنان عامر، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الأمة في غزة، في مقال منشور له، من أنه لا يمكن الفصل في النظر إلى العلاقة بين تركيا وحماس، عن الاتهامات الإسرائيلية لأنقرة مع الحضور التركي في أكثر من ملف خارجي أبرزها الصراع على ثروات الشرق الأوسط.

نزاع آخر ينضم لقائمة النزاعات القائمة بين أنقرة وتل أبيب والتي قد تكون سببًا محتملًا إضافيًا لتطوير الأولي علاقاتها مع حماس للضغط على الأخيرة هو الدعم العسكري الإسرائيلي للحركات الكردية المسلحة، سواء في شمال سوريا والعراق، أحد أبرز خصوم الدولة تركيا.

دولي

منذ 7 شهور
صداقة على الورق وعدواة على أرض الواقع.. ما حقيقة علاقة تركيا وإسرائيل؟

فخلال خطاب لها أمام الكنيست، أعلنت تسيبي هوتوفلي نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، أن «إسرائيل لها مصلحة كبرى في الحفاظ على قوة الأكراد في شمال سوريا، وأن تل أبيب تدعم الوحدات الكردية في سوريا». يُذكر أن تل أبيب هاجمت العملية العسكرية التي أطلقتها أنقرة في شمال سوريا لتطهير الحدود التركية السورية، كما وافق الكنيست على عرض نتنياهو تقديم مساعدات عسكرية للأكراد.

لكن هل تسمح واشنطن لتركيا بهذه العلاقة مع حماس؟

دخلت واشنطن، حليفة تركيا، على خط العلاقة بين أنقرة وحركة حماس، عبر إصدر بيان رسمي أعربت خلاله عن « اعتراضها الشديد» على لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع قادة حركة حماس، محذرة من أن هذا النوع من التواصل سيؤدي إلى«عزل» تركيا دوليًا.

وأكدت الخارجية الأمريكية: «نواصل إثارة مخاوفنا بشأن علاقة الحكومة التركية بحماس على أعلى المستويات». يُثير هذا الموقف الأمريكي تساؤلات عن حدود تطور هذا الرفض الرسمي للتقارب الحادث بين أنقرة وحماس لموقف أكثر حزمًا مستقبليًا من واشنطن ضد أنقرة قد يشملها عقوبات كما فعلت واشنطن مع عدة عواصم دولية.

يُقلل من احتمالية تطور الموقف الأمريكي أهمية أنقرة لواشنطن في الشرق الأوسط وطبيعة التحالف القائم بينهما، وهو ما يقول عنه محمد المنشاوي، الباحث المصري المتخصص في الشأن الأمريكي، في مقال منشور بصحيفة الشروق المصرية أنه «لا تضاهي أية دولة أخرى تركيا في أهميتها الجيو – إستراتيجية للمصالح الأمريكية حول العالم، ولا توفر أية دولة أخرى لتركيا ما تحتاجه من سند إستراتيجى سوى الولايات المتحدة».

يعزز أيضًا من استبعاد وجود رد فعل عنيف قدرة أنقرة على موازنة علاقتها مع حماس دائمًا دون أن تنتهي لقطيعة سياسية، وتبرير علاقاتها دومًا للغرب وواشنطن بمحاولة دفعها نحو القبول بحل الدولتين، فضلًا عن أن واشنطن تميل عادًة إلى عدم اتخاذ رد فعل كبير تجاه شيء طالما أنه لا يؤثر على الأمن القومي الأمريكي في المنطقة كما حصل في قضايا سابقة وآخرها الحرب الدائرة في ليبيا.

المصادر

تحميل المزيد