أحمد فارول يكتب:

سعت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي جاهدةً لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين عملية الانقلاب التي قام بها الحوثيون في اليمن، والطلب من المسلحين الحوثيين الانسحاب من مواقع ومؤسسات الدولة، وخاصة في العاصمة صنعاء، وكأن مجلس الأمن هو الذي أعطى التصريح للحوثيين بإجراء عملية انقلاب على السلطة ويُطلب منه أن يتراجع عن تصريحه ويُخرج الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها!

مجلس التعاون الخليجي

ولكن الأمر الذي يثير الاهتمام، هو حث دول مجلس التعاون الخليجي مجلسَ الأمن الدولي على اتخاذ قرار بشأن اليمن تحت الفصل السابع، في الوقت الذي يسعى فيه المبعوث الأممي إلى اليمن “جمال بن عمر”، لتحقيق مشروعية لجماعة الحوثيين عبر الزيارات التي قام بها لعدد من الدول وإقناعهم بأن الحوثيين يتمتعون بشعبية كبيرة بين المجتمع اليمني، وخاصة العشائر منها، وكأنه يرمي من وراء ذلك إلى تطبيق النموذج العراقي؛ بتشكيل حكومة يمنية تبقى تحت إمرة وسيطرة إيران.

جمال بن عمر مبعوث الأمم المتحدة في اليمن

وفي الحقيقة، إن الدعم الإيراني الذي كان منصبًا لتحقيق عملية الانقلاب على السلطة من قبل الحوثيين؛ لم يكن الدعم الوحيد، بل هناك طرف آخر قدّم المزيد من التسهيلات والدعم أيضًا، وهم فلول النظام السابق، الذين تم اجتثاثهم من السلطة عبر ثورة اليمن الشعبية، وهو نظام الديكتاتور “علي عبد الله صالح”، الذي كان يلقى الحماية والرعاية من دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية.

علي عبدالله صالح

وعلي عبد الله صالح ومن معه يعتقدون أن من يناصرونهم من الشعب، ويقومون بتوجيههم لتحقيق غاياتهم ومصالحهم في العودة إلى سدة الحكم، يعتقدون أنهم الكتلة الأقوى، حتى من الحوثيين أنفسهم، وأما في حسابات الحوثيين، فإنهم لا ينظرون إلى أنفسهم كمليشيات أو عصابات، بل إنهم نقطة التحول الأقوى، ليس على صعيد إستراتيجية المنطقة فقط، بل على الصعيد الدولي أيضًا، وعلى هذا الأساس قاموا بكل هذه التحضيرات والتجهيزات.

ومن العوامل التي ساعدت على وصول الأحداث إلى هذه النقطة؛ محاربة الدول العربية لحركة “الإخوان المسلمين” بكافة أشكالها السياسية، وكما حدث في مصر عبر الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الفتاح السيسي على شرعية محمد مرسي، وهو ما يطمح إلى تحقيقه علي عبد الله صالح عبر أنصاره ومؤيديه؛ في الضغط على حزب الإصلاح وإجباره على الخروج من الساحة السياسية.

وبدأ يتضح لشعوب المنطقة والنخب العربية، أسلوب المراوغة والدعاية العدائية التي تمارسها طهران؛ بهدف الاستقطاب وزرع عملائها وتشكيل جماعات موالية لها. وتنشط إيران منذ فترة تفوق العقدين للتجنيد الطائفي في تانزانيا، وبذلت أموالًا كثيرة في هذا البلد الأفريقي الفقير، وتمكنت من استقطاب شريحة من المسلمين هناك، وضمهم إلى مشروعها الطائفي ذي الطابع الشيعي.

وخلال السنوات القليلة الماضية، اتسع النشاط الإيراني ليشمل الصومال وجيبوتي، ومؤخرًا جزر القمر. ويتناغم المشروع الإيراني، في منطقة القرن الأفريقي، مع المخطط الغربي لإثارة الفتن وتفكيك الدول؛ بهدف سرقة الثروات ومشاريعهم السياسية الخاصة في هذه المنطقة، وفي أفريقيا بشكل عام. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، أخيرًا بدأت بعض وسائل الإعلام تسلّط الضوء على النشاط الكثيف الإيراني لنشر الطائفية في الصومال، تحت غطاء ترويج التشيع والمساعدات الإنسانية وتقوية العلاقات مع جيبوتي، حيث تكاثرت زيارات المسؤولين الإيرانيين وتواجد السفن الحربية الإيرانية في شواطئ جيبوتي، فضـلًا عن تجنيد الحكومة العراقية للاجئين الصوماليين ومن جنسيات أخرى أفريقــية في أوروبا. ونظرًا لهذا الأمر، يمكن القول أن المخطط الإيراني في اليمن هو الحلقة المكملة للمخطط الغربي لتفكيك وتدمير اليمن؛ بهدف استكمال المشروع الغربي للسيطرة على مضيق باب المندب الإستراتيجي ومنطقة القرن الأفريقي الحساسة.

ولكن دول الخليج والسعودية لن تقبل بتواجد إيراني عبر الحوثيين في اليمن مستقبلًا، لأنهم سيقعون بين فكي كماشة من الشمال والجنوب، وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة لضمان شرعية الحوثيين، عبر تأييدهم من قبل العشائر اليمنية.

وقد يبدو المشهد في اليمن شبيهًا بالمشهد السوري؛ من حيث تقاسم الأطراف السيطرة على مناطق ومواقع، خاصة وقد أعلنت بعض العشائر التي لم تصل سيطرة الحوثيين إليها، أنهم لن يتوانوا عن الدفاع عن مناطقهم بكل ما أوتوا من قوة. ومن المرجح أن تلقى هذه القبائل دعمًا ماديًا وعسكريًا من قبل دول الخليج، وخاصة من المملكة العربية السعودية، ضد تقدم الحوثيين، وهو ما يشبه تمامًا في هذه المرحلة بالذات، المشهد العراقي والسوري في مرحلة من مراحل أزماتهما والمترافقة مع الانقسامات السياسية.

وفي النهاية، الهدف الذي ترمي إليه الأمم المتحدة؛ بقاء اليمن في صراع وتحويله إلى مستنقع، وذلك لحماية خطة توازن القوى التي أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وتحكمها في السيادة السياسية عليها، وتسهيل مصالح إيران في المنطقة، لما يعود على الدول الغربية بفوائد جمة.

صحيفة يني عقد

عرض التعليقات
تحميل المزيد