استقبل الأسد الانتصار بسعادة وتلقى تهنئة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قدم الدعم الجوي لمعركة تدمر، وفي المقابل خيم الصمت على المعارضة وحلفائها الغربيين ولم يعلقوا رسميًّا على تلك المعركة، وهو ما قد يُمثل إشارة عدم رضا من قبلهم على سيطرة النظام على تدمر التي تحوي معالم سياحية تاريخية وقيمة نفطية قد تُبيض في النهاية وجه الأسد وحليفه الروسي بإظهارهما أنهما أكثر جدية في مواجهة التنظيم الذي يُعاديه كل أطراف الصراع.

في يوم السبت 27 مارس (آذار)، حقق الجيش النظامي السوري، أقوى انتصاراته على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة تدمر، ذات القيمة الإستراتيجية العالية، ما قد يُعزز من فرص رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في الحرب السورية.

استقبل الأسد الانتصار بسعادة، مُتلقيًا التهنئة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قدّم الدعم الجوي لقوات النظام في المعركة. في المقابل خيّم الصمت على المعارضة وحلفائها الغربيين، الذين لم يُعلّقوا رسميًّا على تلك المعركة، وهو ما قد يُمثل إشارة عدم رضا من قبلهم، على استعادة النظام السيطرة على مدينة تدمر، التي تحتوي معالم أثرية، وكذا قيمة نفطية، قد تُبيّض في النهاية وجه الأسد وحليفه الروسي، بإظهارهما أكثر جدية في مواجهة «تنظيم الدولة».

خسائر غير مسبوقة لـ«تنظيم الدولة» في معركة تدمر

أعلن الجيش السوري إحكام سيطرته على مدينة تدمر، بعد ثلاثة أسابيع من معارك طاحنة بينه وبين تنظيم الدولة الإسلامية. هذا الانتصار اعتبره المتحدث باسم جيش النظام السوري، بداية لانهيار «تنظيم الدولة». وتمثل تلك الخسارة، ثاني الضربات الموجعة التي تلقاها التنظيم خلال الأيام الماضية، بعد إعلان الولايات المتحدة، الجمعة الماضية، مقتل عبدالرحمن القادولي، الرجل الثاني في التنظيم.

شهدت معركة تدمر مئات الغارات الجوية الروسية، فيما يُعتبر المشاركة الروسية الأقوى، منذ إعلانها سحب الجزء الأكبر من قواتها، قبل نحو أسبوعين. وأدت معركة تدمر إلى وقوع خسائر فادحة في صفوف «تنظيم الدولة»، الذي سقط منه 400 عنصر، بحسب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، الذي قال إنّها «أكبر حصيلة يتكبدها التنظيم في معركة واحدة منذ ظهوره».
من الجهة الأخرى، سقط ما لا يقل عن 180 من قوات النظام السوري والمسلحين الموالين له. وبحسب رامي عبد الرحمن، فإن قوات التنظيم في معركة تدمر، انسحبت بأوامر من قيادتهم في الرقة، لكن 30 من مقاتلي التنظيم، أصروا على البقاء في المدينة والقتال حتى الموت، لذا يبدو مُبررًا استمرار الاشتباكات شمال شرق مطار تدمر وسجن تدمر، رغم إعلان قوات النظام السيطرة على المدينة، بالإضافة إلى ستة انفجارات هزّت المدينة، دون أن يُعرف مصدرها.

هذا الانتصار لقوات النظام، يأتي بعد 10 أشهر من وقوع المدينة تحت يد «تنظيم الدولة»، بعد انسحاب القوات النظامية وسيطرة التنظيم على المدينة في مايو (أيار) الماضي. وقد كان يعيش في المدينة حوالي 50 ألف نسمة، لم يتبقَ منهم سوى 15 ألف نسمة بعد فرار معظم أهاليها بسبب الحرب.

احتفال الأسد وتهنئة بوتين

احتفل رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بانتصار قواته في معركة تدمر، واصفًا الانتصار بـ«الإنجاز المهم». وخلال استقباله وفدًا برلمانيًّا فرنسيًّا في دمشق، قال الأسد، إنّ الانتصار في معركة تدمر، «إنجاز مهم، ودليل جديد على نجاح الإستراتيجية التي ينتهجها الجيش السوري وحلفاؤه في الحرب على الإرهاب»، على حد تعبيره.

وألمح الأسد إلى أن انتصار قواته الأخير، يُظهر «عدم جدية» التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، في محاربة ما أسماه بـ«الإرهاب»، في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي مكالمة هاتفية، هنأ بوتين الأسدَ، بالانتصار في معركة تدمر، مُؤكدًا استمرار بلاده في دعم نظام الأسد لمواجهة ما أسماه بـ«الإرهاب». في المكالمة ذاتها، أكّد الأسد أن انتصار قواته، لم يكن ليحدث لولا الدعم الروسي.

تدمر.. لؤلؤة الصحراء

وقعت معركة تدمر في واحدة من أقدم المدن في العالم، إذ يعود تاريخها إلى أكثر من ألفين عام. وكانت اليونسكو قد أدرجت تدمر، وخمسة مواقع أخرى في سوريا، على لائحة التراث العالمي الإنساني. المدينة التي كانت تُعرف باسم «لؤلؤة الصحراء»، كانت قبل الحرب، قبلةً لأكثر من 150 ألف سائح.

وألقت الحرب بظلالها على المدينة، بحيث دُمّرت العديد من الأعمدة ذات التيجان الكورنثيّة، عام 2013، مع احتدام الصراع مع النظام والمعارضة. وبعد أشهر قليلة من سيطرة «تنظيم الدولة» على المدينة، في مايو (أيار) الماضي، دمّر معبدي بعل شمين وبل، وذلك في أُغسطس (آب) 2015.

معبد بل قبل أن يدمره تنظيم الدولة

مثل هذه الممارسات من «تنظيم الدولة»، أدت إلى مزيد من الانزعاج العالمي من سيطرته على ما يُعتبر كنزًا ثقافيًّا وسياحيًّا. إيرنا بوكوفا، المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، أعربت عن ذلك، يوم الخميس الماضي 24 مارس (آذار)، بقولها إنه «منذ عام، وأصبح نهب تدمر رمز التطهير الثقافي، الذي يضرب الشرق الأوسط»، مُشيدة بتحرك الجيش النظامي لاسترداد تدمر من تنظيم الدولة.

قيمة تدمر الاقتصادية

بالإضافة إلى القيمة التراثية والسياحية لتدمر، تكتسب المدينة أهمية اقتصادية كبيرة، نظرًا لأنها تضم مصادر هامة للطاقة، من أبرزها حقل جبل الشاعر، الذي يُنتج حوالي 23 مليون متر مكعب من الغاز يوميًّا، بالإضافة إلى حقل جزل للنفط، الذي يقترب من المدينة، وينتج تسعة آلاف برميل يوميًّا. وبعد سيطرة التنظيم عليه، انخفض معدل الإنتاج ليصل إلى حوالي 2500 برميل لهروب الفنيين منه خوفًا من التنظيم.

جُغرافيا المدينة تُساعد على تحقيق المزيد من السيطرة على خطوط النفط والغاز، إذ إن كافة الخطوط تنتقل من المنطقة الشرقية إلى الداخل السوري، مرورًا بنقاط قريبة من تدمر.

المكسب الإستراتيجي لانتصار الأسد في معركة تدمر

عسكريًّا، يُمثل استعادة الجيش السوري للمدينة، مكسبًا إستراتيجيًّا هامًا على «تنظيم الدولة»؛ لأنه يقطع بذلك سيطرة التنظيم على البادية السورية، المُطلة على الحدود السورية العراقية، ما يحول دون تلقي التنظيم في سوريا، دعمًا من فرع التنظيم في العراق. كما أنه قد يُضيق الخناق على التنظيم، نظرًا لاقتراب جيش النظام السوري، من الرقة ودير الزور، معقل التنظيم في سوريا.

تدمر تفصل بين دمشق من ناحية، ودير الزور والرقة من ناحية أخرى (المصدر شبكة سوريا مباشر)

المعارك الأخيرة أيضًا أفقدت «تنظيم الدولة»، مطار (التي فور) الذي يُعد أضخم مطار في سوريا، ويحتوي على حصون ومنشآت عسكرية، وأنفاق ساعدت التنظيم لتحويل المطار إلى ثكنة عسكرية لا يُستهان بها قبل أن يُهزم في تدمر.

على المستوى السياسي، يُعد انتصار الأسد، ورقة ضغط في يده، بالتزامن مع محادثات جنيف. هذه الورقة ربما تُزيد من فُرص بقائه في السلطة، إذ إن الانتصار يُظهر الأسد في مظهر القادر على مُواجهة تنظيم الدولة، خاصةً بعد زيادة الغضب الشعبي الغربي، إثر هجمات بروكسل. لذا فإن البعض، وبينهم المحلل العسكري والإستراتيجي السوري، عبدالناصر العايد، الذي قال قبل أيام، إن هدف معركة تدمر، إعلامي، بُغية إعادة تأهيل النظام، حتى يُقال إنّه «الوحيد الذي يُمكنه مقاتلة تنظيم الدولة».

ولذلك قد يُقلل الانتصار الأخير من الأصوات المُطالبة برحيل الأسد، أو قد يُضعف قبولها دوليًّا، وبالأخص بعد عدم تعليق المعارضة، وحلفائها الغربيين، على انتصار الجيش السوري في معركة تدمر، وهو صمتٌ قد يُوحي بعدم رضاهم عن الانتصار، نظرًا للمكاسب السياسية، الذي قد يحصل عليها الأسد من المعارك الأخيرة.

يُضاف إلى ذلك، أنه قبل أيام من انتصار الأسد، أعرب نائب الناطق باسم البيت الأبيض، مارك تونر، عن عدم ترحيب واشنطن بدخول قوات الأسد إلى تدمر، مُذكرًا بأن وحشية الأسد تجاه شعبه، أدت لنشوء «تنظيم الدولة»، لافتًا إلى أن قتال الأسد للتنظيم، لا يُبرئه من عمليات القتل، التي وصفها بالوحشية، لشعبه، وتركيزه على قتال المعارضة السورية، «مع تآمر النظام مع التنظيم، وبخاصة في تجارة النفط» على حد تعبير تونر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد