في يوم الجمعة 11 مارس (آذار) 2016، أعلن أحمد الجربا، رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية السابق، تأسيس تيار «الغد السوري»، وذلك خلال مؤتمر للتيار الذي يترأسه، في القاهرة. وبالنظر إلى الأهداف المُعلنة للتيار والساسة الحاضرين في المؤتمر، تزداد توقعات تحقيق التيار -الذي يصف نفسه بـ«المعارض»- للسياسة الروسية في الصراع السوري.

أهداف التيار ورُعاته

وصف الجربا، التيار الجديد بـأنه «تيار ديمقراطي تعددي، متحالف مع المجلس الوطني الكردي في سوريا». وقال الجربا في مؤتمر التأسيس، إن تياره «سيواجه الإرهاب ورعاته الإقليميين، وتنظيم داعش (الدولة الإسلامية) وأخواته». هذا ويرتكز مطلب التيار الأساسي، بحسب الجربا، على أن تكون سوريا دولة لا مركزية، وإنما فيدرالية.

الجربا يجلس على يمين دحلان في مؤتمر القاهرة (المصدر: موقع عنب بلدي السوري)

وحضر المؤتمر عدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية الهامة، كان من أبرزهم وزير الخارجية المصري سامح شكري، وممثلٌ عن السفارة الروسية في القاهرة، بالإضافة إلى محمد دحلان، المستشار الأمني للإمارات والقيادي السابق المفصول من حركة فتح، فضلًا عن مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق.

المقر في القاهرة.. وشكري أبرز الحاضرين

يعكس تدشين المؤتمر في العاصمة المصرية، القاهرة، وحضور وزير الخارجية المصري سامح شكري، طبيعة التوجه السياسي الذي يعتمده التيار المُنشأ، الذي بصورة رسمية تدعمه مصر بحضور وزير خارجيتها، وكذا روسيا بحضور ممثل عن سفارتها بالقاهرة.

ولا ينفصل ذلك الدعم، عن الموقف المصري الواضح من الأزمة السورية، والتي تميل إلى الوجهة السياسية لروسيا، التي تُمثّل الحليف الدولي الأقوى لنظام بشار الأسد. ويظهر الموقف الرسمي المصري تجاه الحرب السورية، مُنذ عزل الرئيس الأسبق محمد مُرسي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، في أكثر من مُناسبة، من أبرزها:

أولًا: إعادة فتح السفارة السورية في السابع من يوليو (تموز) 2013 بعد إغلاقها في 15 يونيو (حزيران) 2013، في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي قطع العلاقات الدبلوماسية المصرية مع سوريا، لانتقاده الأسد، الذي قال إنّه «يقتل الأطفال والشيوخ ويغتصب النساء».

ثانيًا: استعانة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في قمة الدول العربية برسالة الرئيس الروسي فلادمير بوتين، حول رأيه في الأزمة السورية، وفكرة الحل السياسي الذي يتضمن الأسد، والذي يقدم محاربة ما يُسميها «التنظيمات الإرهابية» على مواجهة الأسد، وهو ما يعكس التقارب المصري الروسي سياسيًّا حول الحرب السورية.

دحلان بجانب الجربا

بجانب الجربا، جلس محمد دحلان، المفصول عن حركة فتح بسبب اتهامه بالخيانة، فضلًا عن اتهامه في قضايا فساد، و المستشار الأمني لوليّ عهد أبوظبي، محمد بن زايد. وقد ظهر في الفترة الأخيرة تقارب ملحوظ من دحلان لروسيا، أظهره في وقت سابق عندما أفاد بوضوح أنه لا يمر شهر دون أن يرى أو يتصل بوزير الخارجية الروسي. وظهر الرجل في ديسمبر (كانون الأول) 2015 مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعدد من المسؤولين الروس في منتدى الثقافة العالمي، بعد أيام من ظهوره في منتدى حلف الناتو، مهاجمًا تركيا، ومُتهمًا إياها بـ«دعم الإرهاب».

وفي النهاية، يعكس كلُّ هذا التقاربَ الإماراتي الروسي تجاه الحرب السورية، وتجاه معاداة تركيا وتيارات الإسلام السياسي التي تدعم أنقرة بعضها. ويضاف إلى ذلك ما كشفته وثائق ويكيليكس السعودية، المُسربة عن سياسة الإمارات تجاه الملف السوري؛ إذ كشفت برقية سرية صادرة من سفارة السعودية بأبو ظبي، عن عدم التزام الإمارات بقرارات مجلس التعاون الخليجي إزاء الملف السوري. وأشارت البرقية أيضًا إلى زيارة إماراتية إلى روسيا.

وجاء في نص البرقية: «لم يُلمس أي إجراء تم اتخاذه من الجهات الإماراتية لفرض أية عقوبات اقتصادية على النظام السوري، حتى السفير السوري بالدولة لم يُبلغ بالمغادرة تنفيذًا لقرارات دول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية القاضية باستدعاء سفراء الدول الخليجية والعربية من دمشق».

صورة للبرقية المسربة

في ذات السياق، وصفت الخارجية السعودية موقف الإمارات تجاه الملف السوري، بأنه «يشوبه الغموض»، عندما تحدثت برقية مسربة من مكتب وزير الخارجية السعودي، عن تفاوض إيراني إماراتي يحكمه ضغوط من إيران على موقف الإمارات من نظام الأسد.

وجاء في البرقية: «كما أفادت السفارة بأنه ترددت معلومات بأن دولة الإمارات تتفاوض مع إيران بضغوط من الأخيرة، على أن لا تنحاز ضد النظام في سوريا، وأن لا تقر موضوع التدخل العسكري مقابل عدم تشدد إيران فيما يتعلق بملف الجزر الإماراتية المحتلة، وهذا يفسر الموقف الإماراتي (من الملف السوري) والذي يشوبه شيءٌ من الغموض، ويبدو أنهم يجاملون المجتمع الدولي في موضوع الحصار على سوريا، ولكنهم قد لا يؤيدون التدخل العسكري».

اقرأ أيضًا: ويكيليكس: الإمارات تتأثر بضغوط إيران إزاء «الأسد».. وترفض محاكمة «مبارك»

صورة للبرقية المسربة

هل تسعى روسيا لتكوين معارضة سورية جديدة؟

بالإضافة إلى حضور دبلوماسيين ممثلين عن مصر والإمارات، أصحاب المواقف الأقرب لروسيا تجاه الحرب السورية؛ حضر ممُثلٌ للسفارة الروسية في القاهرة، ما يعكس الرعاية الروسية لـ«الغد السوري»، رعاية ترجمها الجربا بشكل مباشر عندما أشاد بالدور الروسي في سوريا، حين قال إنّ «موسكو لها نصيب الأسد في تثبيت الهدنة ووقف الاقتتال في سوريا».

كما أن التمثيل الكُردي القوي بحضور ممثل عن مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي للأكراد في العراق، وتأكيد الجربا على أن مطالب التيار، تتمحور في أن «تكون سوريا دولة لا مركزية، بل دولة فيدرالية»، فإن هذا يؤكد الرعاية الروسية للجربا، لسببين رئيسيين:

الأول: موقف الجربا من «فيدرالية» سوريا، والاتجاه نحو تقسيم سوريا، يتسق مع الموقف الروسي الذي يقترح تحويل سوريا إلى دولة اتحادية فيدرالية، مُغازلًا أحلام الأكراد في تحقيق الحكم الذاتي.

الثاني: يتبلور في موقف الجربا من الأكراد، الذين يتمتعون بعلاقات قوية مع موسكو، وبالأخص منهم حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي، وذراعه العسكري المُتمثل في وحدات حماية الشعب الكُردية.

وفي فبراير (شباط) الماضي، افتتحت روسيا ممثلية لأكراد سوريا في موسكو، بهدف «تعزيز العلاقات بين الشعب الكُردي وروسيا»، وهو ما وصفه الجانب الكُردي بـ«الحدث التاريخي»، وعدّه «خطوةً أولى على طريق افتتاح ممثليات لأكراد سوريا في كلّ من فرنسا وألمانيا والسويد والولايات المتحدة، ودول أخرى».

أما عسكريًّا، فقد حققت وحدات حماية الشعب الكردي، انتصارات ملحوظة في حلب شمالي سوريا، على حساب المعارضة السورية، بمساعدة الغارات الروسية الجوية على مواقع المعارضة؛ مما أفقد المعارضة السيطرة على طرق الإمداد بينها وبين تركيا.

ويمكن تحديد الخطة الروسية في تكوين معارضة جديدة تتسق مع أهدافها، في كسب ولاءات قوى كانت محسوبة على المعارضة السورية، كوحدات حماية الشعب الكُردية، التي كانت تحارب الأسد في بدايات الثورة، بالإضافة إلى الجربا الذي كان رئيسًا سابقًا للائتلاف الوطني السوري المعارض، بهدف حضورهم في المحادثات السياسية تحت وصف «معارضة» بأهداف تتسق مع سياسة روسيا، لسحب البساط من الهيئة العليا للمفاوضات المُنبثقة عن المعارضة السورية، المُمثلة في محادثات جنيف، والتي تضم أكرادًا ليس بينهم وحدات حماية الشعب الكُردية.

وما يدعم ذلك التصور، أن المعارضة السورية تصف انتصارات الوحدات الكردية بأنها انتصارات لـ«نظام الأسد»، نظرًا لأن الوحدات باتت تُوجه في الفترة الأخيرة، إلى المناطق التي يسيطر عليها معارضي الأسد. وفي هذا السياق يؤكد المعارض السوري الكردي، فؤاد عليكو، عضو المجلس الوطني الكردي السوري، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، تعاون حزب الاتحاد الديموقراطي والوحدات الكردية، منذ اليوم الأول للأزمة السورية 15مارس( آذار )2011، لافتًا في تصريحات نشرتها الأناضول إلى أنهم اقترحوا على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، قطع علاقاته بالنظام السوري، «لكنه لم يستجب»!

أما عن الجربا، فقد علق المعارض وائل مخلوف على إنشاء الأول لتيار الغد السوري، في مقال له نشره موقع سوريون المعارض، جاء تحت عنوان «أحمد الجربا يعود إلى حضن البوط العسكري.. للخيانة عنوان». وتحدث مخلوف عن أن الجربا موالٍ للنظام السوري، وينتمي لقبيلة شمر التي يوالي أغلبيتها «النظام السوري والأحزاب الكردية التي ارتكبت أروع المجازر بحق العرب في الجزيرة السورية» على حد تعبيره.

ولفت مخلوف إلى حضور عقاب صقر، مندوب سعد الحريري إلى مُؤتمر التأسيس، قائلًا إن الحريري «جنى الملايين بسبب الثورة السورية، وهو المسؤول عن الفتن والتقسيمات والسرقات التي حدثت بالثورة السورية».

اقرأ أيضًا: الأكراد.. كلمة السر في تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية

عرض التعليقات
تحميل المزيد